الخطير في هذا المنهج أنه لم يقف عند حدود الانحراف العلمي، بل تجاوزه إلى التوظيف السياسي والأمني، كما ظهر في اعترافات صريحة لبعض رموزه، حيث أقروا بأن مواقفهم في بعض القضايا المصيرية لم تكن اجتهادا شرعيا….
الابتلاء باضطراب الموازين ومناهج الهدم
من أعظم ما ابتليت به الساحة الدعوية في هذا العصر اضطراب الموازين الشرعية في الحكم على الناس والمواقف، وظهور مناهج تنتسب إلى السنة وهي في حقيقتها تهدم مقاصدها، ومن أبرزها منهج غلاة التجريح المعروفين بالمداخلة، حيث قام خطابهم على ازدواجية ظاهرة في تنزيل الأحكام، وغلو في موضع، وتفريط في موضع آخر، حتى آل الأمر إلى تشويه مفاهيم عظيمة؛ كالسنة، والطاعة، والبدعة، والنصيحة، والرد على المخالف، والولاء والبراء، والجرح والتعديل.
الغلو في التجريح: الطعن في العلماء والدعاة والمصلحين
فأما في جانب العلماء والدعاة والمصلحين، فإن هذا التيار قد اتخذ من الطعن والتبديع والتخوين مسلكا ثابتا، لا يكاد يسلم منه أحد ممن اشتهر بالدعوة أو الجهر بالحق أو الإصلاح بين الناس. فالعالم المعروف بالسنة، والداعية المشهود له بالصدق، والمجاهد الذي ضحى بنفسه، كل أولئك يسقطون عندهم بأدنى زلة أو اجتهاد، بل أحيانا بمجرد شبهة أو نقل مبتور، فيوصمون بأقبح الأوصاف: بدعة، قطبية، سرورية، خارجية، حزبية، اتباع أهواء، وكأن حسناتهم لم تكن، وسوابقهم في نصرة الدين لم تعرف.
المنهج السني الوسطي: العدل في الحكم على المخالف
وهذا المسلك مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، الذين قرروا أن الخطأ لا يوجب إسقاط العدالة، ولا يلغي الفضل، ولا يمحو السوابق. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. فالوسطية هنا ليست شعارا، بل ميزان عدل، يضع الخطأ في موضعه، ويحفظ لأهل الفضل فضلهم، ويجمع بين النصيحة والإنصاف.
التفريط المقابل: الدفاع عن الظلمة وإسقاط النصيحة
وفي المقابل، نجد في خطاب هؤلاء تفريطا ظاهرا في جانب الإنكار على الظلمة، بل استماتة في الدفاع عن كل حاكم، مهما ثبت ظلمه أو فساده أو سفكه للدماء، فيجعلون نصوص السمع والطاعة مطلقة غير مقيدة، ويسكتون بها عن كل منكر، ويجرّمون كل ناصح، ويخوّنون كل من جهر بكلمة حق، حتى صار الإنكار المشروع عندهم فتنة، والنصيحة خروجا، والسكوت عن الظلم دينا.
التوظيف الأمني والسياسي: المنهج تحت راية المخابرات
والخطير في هذا المنهج أنه لم يقف عند حدود الانحراف العلمي، بل تجاوزه إلى التوظيف السياسي والأمني، كما ظهر في اعترافات صريحة لبعض رموزه، حيث أقروا بأن مواقفهم في بعض القضايا المصيرية لم تكن اجتهادا شرعيا، بل جاءت بتوجيه من أجهزة مخابرات، وأنهم تحركوا وفق ما طُلب منهم، وسعوا في ترتيب لقاءات وتنسيق مواقف مع مشايخ محسوبين على هذا الاتجاه، خدمة لأجندات معينة.
الاعترافات الصريحة: شاهد من داخل التيار
وقد انكشف جانب من هذا المسلك حين صدرت اعترافات صريحة عن بعض المنتسبين إليهم، ومنهم أسامة عطايا العتيبي، حيث أقر بأن مواقف هذا التيار في بعض القضايا لم تكن مبنية على اجتهاد شرعي، بل على توجيه أمني مباشر، وأن تدخلهم في الشأن الليبي ومناصرتهم لطرف بعينه (المشير حفتر) جاء بإيعاز من جهات مخابراتية، مما يكشف قابلية هذا المنهج للتوظيف، وخطورته على الدين والدعوة.
التلقي من خارج الإطار الشرعي: الإشارات بدل الأدلة
وهذه الاعترافات تكشف حقيقة هذا المنهج، وأنه قابل للتوجيه، سريع الانقياد، لا تحكمه الأدلة، بل الإشارات، ولا تضبطه القواعد، بل المصالح المفروضة من خارج المجال الشرعي.
الدعم الخارجي: توصيات راند وتنمية الفكر
هذا الأمر هو ما جعل مؤسسة راند الأمريكية في إحدى توصياتها تنص صراحة على ضرورة دعم هذا التيار وتيسير السبيل لانتشاره وإقامة أنشطته ومؤسساته وهو ما يفسر كون هذه المراكز أصبحت تنبت في الدول العربية كما ينبت الفطر.
قلب الموازين: التضخيم للزلات والتبرير للظلم
ومن هنا تتجلى المفارقة المؤلمة: فمن عرف بالصلاح والعلم والدعوة، سقط عند أول خطأ، ومن عرف بالظلم والانحراف والدموية، دُفع عنه، وبُرِّر له، واستميت في الدفاع عنه، وهذا قلب للميزان الذي أنزله الله.
الخطر الجسيم: تحويل الدين إلى أداة صراع وفتنة
إن أخطر ما في هذا المسلك أنه يحول السنة من منهج هداية إلى أداة صراع، ويجعل الطاعة عبادة للأشخاص، ويحوّل التحذير من البدع إلى بدعة في ذاته، ويزرع الشك في قلوب الناس تجاه علمائهم ودعاتهم، ويفتح أبواب الفتنة باسم سدِّها.
الخلاصة والعلاج: العودة إلى المنهج الأصيل والعدل
ولا مخرج من هذا كله إلا بالرجوع إلى المنهج السني الأصيل، القائم على تعظيم النصوص، وتحقيق مقاصد الشريعة، وضبط الأحكام بالقواعد، والعدل في الحكم على الأشخاص والمواقف، وجعل الحق ميزانا يعرف به الرجال، لا جعل الرجال ميزانا يعرف به الحق.
المصدر
صفحة نور الدين درواش، على منصة ميتا.

