قد تبدو بعض الأفعال صغيرة في ظاهرها… لكنها في ميزان المعاني ليست كذلك، فمتى تتحول المجاملة إلى موقف؟

في كل زمن تعود أسئلة قديمة بأثواب جديدة، لا لأن الجواب غاب، بل لأن الواقع يفرض ضغوطه ويعيد ترتيب الأولويات في الأذهان. وبين خطاب التيسير وحسابات الدعوة، تختلط الحدود أحيانًا، فيحتاج الأمر إلى إعادة نظر لا تنطلق من النوايا وحدها، بل من المآلات والمعاني والسياقات.

الخلاف في تهنئة غير المسلمين: هل هي مسألة عقيدة أم فقه اجتماعي؟

كنت قد عزمت على عدم الحديث حول موضوع تهنئة غير المسلمين بأعيادهم ، إذ قد تكلمنا فيه في الأعوام الماضية حتى سئمنا الكلام . وبينا أنَّ هناك فارقاً بين ما أمرنا به ديننا من معاملة غير المحاربين بالحسنى وعدم ظلمهم ، وبين ما يدعو إليه البعض من مداهنتهم ومجاملتهم على حساب ديننا ومعتقدنا. بيد أنني قد اطلعت مؤخراً على منشور منقول من صفحة الدكتور الصلابي ، الذي يبدو أنه نقله بدوره عن بعض الدعاة ممن يعيشون في بلاد الغرب . والمنشور طويل ولا يمكننا استقصاء كل ما ورد فيه ، ولكن خلاصته أن كاتب المنشور قد حضر احتفالاً عند جيرانه بمناسبة الكريسماس ، وأنه يعتبر ذلك مجرد مجاملة رقيقة لا تتعلق بأمر العقيدة ، وهو يرى أنَّ الذين يحرمون تهنئة القوم بعيدهم يخلطون بين مسائل الاعتقاد كالإقرار بألوهية المسيح التي لا يعتقدها المسلم الذي يقدم التهنئة، وبين مسائل الفقه كفعل التهنئة الذي هو من باب المجاملة الاجتماعية. ثم ذكر بعض المصالح التي استطاع تحقيقها من وراء حضوره لتلك الدعوة ، مثل كونه استطاع أن يكلمهم عن الإسلام ، ويصحح لهم بعض ما كانوا يتصورونه عن الإسلام ،ووزع عليهم عدداً من المصاحف ، ونحو ذلك .

وتعليقاً على ذلك أقول وبالله التوفيق :

مخاطر التشبه الظاهر: بين المجاملة والمشاركة في الاحتفال

1- لا شك أنه يجب التفرقة بين مَن يقدم التهنئة مقراً بصحة ما عليه القوم من الاعتقادات الكفرية المخالفة لديننا ، وبين من يفعل ذلك من غير اعتقاد . لكن يجب أن نعلم أيضاً أن التهنئة التي يعتبرها الأخ الكريم مجرد مجاملة اجتماعية رقيقة ،ما هي إلا تشبه بأولئك الكافرين .والذي وجدناه في النصوص الشرعية أنه يحرم مشابهة المشركين في أفعالهم وأقوالهم ، حتى لو كان ذلك من غير اعتقادٍ بصحة ما هم عليه ( مع ملاحظة أن الذي فعله ذلك الأخ ليس مجرد تهنئة ، وإنما هو مشاركة لهم في احتفالهم ، فهو قد جلس معهم وأكل وشرب ، وهذا أشد من مجرد التهنئة..).

فقد صح في الحديث : ( أن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً ببوانة ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا . قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك . فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله . ولا فيما لا يملك ابن آدم ) 1[ أخرجه أبو داود ( 3313) من حديث ثابت بن الضحاك وإسناده صحيح ]. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن للرجل أن يذبح في مكانٍ كان فيه عيد للمشركين ،مع أنه يذبح لله تعالى ، وذلك من أجل البعد عن مشابهتهم ولو في الظاهر ، فكيف بمن يهنئهم بعيدهم ؟ أو يجلس معهم أثناء احتفالهم ؟

مبدأ الموافقة المنهي عنها: حتى مع عدم القصد

2- وللإمام الذهبي رسالة قيِّمةٌ عنوانها : ” تشبيه الخسيس بأهل الخميس ” ،وفيها ينكر تشبه بعض المسلمين بأهل الكتاب في أعيادهم ،ولو بمجرد السماح للأطفال بالفرجة عليهم ،مستدلاً بأدلة منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( من تشبه بقوم فهو منهم ).2[ أخرجه أحمد ( 2/ 50 ) وأبو داود ( 4031) من حديث ابن عمر وقد صححه الزيلعي في نصب الراية ( 4/ 374 ) والألباني في الإرواء ( 1269)] . ومما جاء في تلك الرسالة قول الذهبي رحمه الله (ص: 30 ) : ( فإن قال قائل : إنا لا نقصد التشبه بهم. فيقال له: نفس الموافقة والمشاركة لهم في أعيادهم ومواسمهم حرام ،بدليل ما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ” نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ” ،وقال: ” إنها تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار “. والمصلي لا يقصد ذلك ، إذ لو قصد كفر ، لكن نفس الموافقة والمشاركة لهم في ذلك حرام).

إجماع المذاهب: النهي عن موافقتهم حتى في العادة

3- وبمثل هذا الذي قاله الذهبي جاءت نصوص المذاهب الأربعة ،مبينة أن التشبه بهم في أعيادهم ونحوها محرم ،ولو كان من غير قصد تعظيم ذلك اليوم . أما مع قصد التعظيم فهو كفر:

-فمن كلام الحنفية : 3جاء في (مرقاة المفاتيح) شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري (3/1069) : ( ..وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفي: من اشترى فيه-أي يوم عيد غير المسلمين- شيئاً لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر، وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه، وبالإهداء التحاب جرياً على العادة، لم يكن كفراً لكنه مكروه كراهة التشبه بالكفرة، حينئذ فيحترز عنه ).

-ومن المالكية: 4نقل ابن الحاج في كتابه المدخل ( 1/ 262) عن مختصر الواضحة –وهو من كتب المالكية-  ( سئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي يركب فيها النصارى لأعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم لكفرهم الذي اجتمعوا له . قال وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له . ورآه من تعظيم عيده وعوناً له على مصلحة كفره . ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً ،ولا يُعارون دابةً ،ولا يعانون على شيء من دينهم ؛ لأن ذلك من التعظيم لشركهم وعونهم على كفرهم ،وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك , وهو قول مالك وغيره لم أعلم أحداً اختلف في ذلك).

-ومن كتب الشافعية : 5جاء في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني ( 5/ 526) (ويُعزَّر من وافق الكفار في أعيادهم، ومن يمسك الحية ويدخل النار، ومن قال لذمي : يا حاج، ” ومن هنأه بعيده” ، ومن سمى زائر قبور الصالحين حاجاً).

-ومن كتب الحنابلة : 6جاء في متن الإقناع وشرحه كشف القناع للبهوتي (3/131) ( ويحرم تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم ؛ لأنه تعظيم لهم أشبه السلام . وعنه -أي الإمام أحمد-  تجوز العيادة أي : عيادة الذمي ، إن رُجي إسلامه فيعرضه عليه واختاره الشيخ –أي ابن تيمية- وغيره … ويحرم كل ما فيه تخصيص كعيدهم وتمييز لهم ، وهو من التشبه بهم ، والتشبه بهم منهي عنه إجماعاً  للخبر ، وتجب عقوبة فاعله )..

استقبال وفد نجران: بين ضعف الرواية وتأويل الحكمة

4-أما ما ذكره صاحب المنشور من أن ابن القيم قد أورد قصة استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد نصارى نجران في مسجده بل وصلاتهم فيه ، فجوابه أن تلك القصة لا تصح ، فقد رواها ابن إسحاق 7كما في سيرة ابن هشام ( 1/ 574) . قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال: ( لَمَّا قَدِمُوا –أي وفد نجران- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ .. ) فذكر الحديث ،وفيه ( وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ …).وهذا حديث معضَل ؛ لأن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام ، من تابعي التابعين ، فروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم منقطعة معضلة . ولذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:  8“فتح الباري” (3/243)  ( هذا منقطع ضعيف ، لا يحتج بمثله ). وكذا جزم محققا زاد المعاد : شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط بأن الحديث منقطع 9( زاد المعاد 3/ 629). وبفرض صحة الحديث فإنه يحمل –كما يقول ابن رجب -وهو تلميذ ابن القيم-  : ( على أن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تألفهم بذلك في ذلك الوقت استجلابا لقلوبهم ، وخشية لنفورهم عن الإسلام ، ولما زالت الحاجة إلى مثل ذلك ، لم يجز الإقرار على مثله .. ولهذا شرط عليهم عمر – رضي الله عنه – عند عقد الذمة إخفاء دينهم ، ومن جملته ألا يرفعوا أصواتهم في الصلاة ، ولا القراءة في صلاتهم فيما يحضره المسلمون ) 10[ فتح الباري ( 3/ 243)]. وابن القيم نفسه قد أشار إلى أن الأصل هو عدم تمكينهم من الصلاة في المساجد ، فقال في فقه تلك القصة : ( ..وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين ، وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً ، ولا يمكنون من اعتياد ذلك ) 11[ زاد المعاد ( 3/ 638)] . وعلى كل حال فإن تلك القصة- لو صحت- ليست نصاً في موضع النزاع ، فإن هذا السماح العارض لهم ليس فيه معنى المشاركة لهم ، كما يفعل من يشاركهم في احتفالاتهم بأعيادهم أو يهنئهم بها.

المصالح الدعوية لا تُغطي المفسدة العَقَدية والاجتماعية

5-وأما ما ذكره الكاتب من تحقيق بعض المصالح الدعوية ؛ فإن تلك المصالح كان يمكن أن تتحق بأيسر من مشاركته لهم في تلك المناسبة ، وذلك مثل زيارتهم في مناسبة زواج أو نجاح أو نحوه ، مما قد نص كثير من أهل العلم على أنه لا بأس به. بل ما يترتب على فعله هذا من فتنة المسلمين الذين يعيشون في الغرب ، أكبر بكثير من تلك المصالح التي ذكرها . فإنني أعلم -وقد عشت في ألمانيا قرابة السنوات العشر- أن أغلب الجاليات المسلمة في بلاد الغرب هم من العوام الذين لا باع لهم في العلم والدين ، وكثير منهم يظنون أننا نحن والنصارى نعبد إلها واحداً ، ولكن كل منا يعبده بطريقته . وهؤلاء لن يفهموا من فعْلكَ هذا إلا أنه إقرار بصحة ما عليه القوم . فكان الواجب سد هذا الباب ، والاكتفاء بأوجه البر الأخرى التي لا شبهة فيها ، وهي كثيرة بحمد الله .

مائدة الاحتفال: بين الحلال المشكوك فيه والحرام المتيقن

6-وهناك ملاحظة أخيرة هي أن صاحب المنشور يقول إن عائلة جاره قد حرصت على إعداد الكثير من الأطباق والمشروبات الحلال من أجله . وسؤالنا له : هل امتنعوا عن وضع أي شيء حرام ؟ فإن صيغة كلامه لا تدل على ذلك ، وإلا لقال لنا إنهم لم يضعوا على المائدة شيئاً محرماً في شريعتنا . وأنا من واقع معايشتي لأولئك القوم أقول : إنهم لا يمكن أن يستغنوا عن شرب الخمر في مثل تلك الاحتفالات .فهل يا ترى جلس هذا الأخ الكريم على مائدة تدار عليها الخمر ؟ أم ماذا؟

هدانا الله وإياكم إلى صراطه المستقيم

الهوامش

1- أخرجه أبو داود ( 3313) من حديث ثابت بن الضحاك وإسناده صحيح

2- أخرجه أحمد ( 2/ 50 ) وأبو داود ( 4031) من حديث ابن عمر وقد صححه الزيلعي في نصب الراية ( 4/ 374 ) والألباني في الإرواء ( 1269)

3- جاء في (مرقاة المفاتيح) شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري (3/1069)

4- نقل ابن الحاج في كتابه المدخل ( 1/ 262) عن مختصر الواضحة –وهو من كتب المالكية

5- جاء في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني ( 5/ 526)

6- جاء في متن الإقناع وشرحه كشف القناع للبهوتي (3/131)

7- كما في سيرة ابن هشام ( 1/ 574)

8- “فتح الباري” (3/243)

9- زاد المعاد 3/ 629

10- فتح الباري ( 3/ 243)

11- زاد المعاد ( 3/ 638)

المصدر

صفحة د. عبد الآخر حماد، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

أعياد الكفار وموقف المسلم منها

فتوى رقم 12 حكم المشاركة والتهنئة بأعياد الكفار

لماذا لا يجوز للمسلم أن يحتفل بالميلاد..؟

التعليقات غير متاحة