هل تعلم أن الإسراف ليس مجرد تصرف عابر، بل آفة خطيرة قد تسللت إلى حياة العاملين من حيث لا يشعرون؟
إنها السم القاتل لأعمال القلوب، والسبب الخفي الذي يحول بين المسلم وثباته على الطريق.. فما هي أسبابها الخفية؟ وكيف نتحصن ضدها؟
تمهيد
ومن الآفات التي تصيب العالمين، ولابد أن يتخلصوا منها وأن يتحصنوا ضدها، إنما هي الإسراف. ولكي يكون حديثنا عن إسراف العاملين واضحاً محدد المعالم، سنجعله يدور على النحو التالي.
أولاً: معنى الإسراف
الإسراف لغةً
الإسراف في اللغة يطلق ويرد به:
(أ) ما أنفق من غير طاعة.
(ب) أو التبذير ومجاوزة الحد.
الإسراف اصطلاحاً
أما في اصطلاح الدعاة فيراد به: مجاوزة حد الاعتدال في الطعام والشراب واللباس والسكنى ونحو ذلك من الغرائز الكامنة في النفس البشرية.
ثانياً: أسباب الإسراف
وللإسراف أسباب وبواعث توقع فيه وتؤدي إليه، ونذكر منها:
(1) النشأة الأولى
فقد يكون السبب في الإسراف إنما هي النشأة الأولى، أي الحياة الأولى. ذلك أن المسلم قد ينشأ في أسرة حالها الإسراف والبذخ، فما يكون منه سوى الاقتداء والتأسي إلا من رحم الله، على حد قول القائل:
وينشئ ناشئ الفتيان منا … على ما كان عوده أبوه
ولعلنا بهذا ندرك شيئاً من أسرار دعوة الإسلام وتأكيده على ضرورة إنصاف الزوجين والتزامهم بشرع الله وهديه:
{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:٣٢]
{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة:٢٢١]
“تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”1(1) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، حديث رقم: ٥٠٩٠، ومسلم في كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، حديث رقم: ١٤٦٦..
(2) السعة بعد الضيق
وقد يكون الإسراف سببه السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر. ذلك أن كثيراً من الناس قد يعيشون في ضيق أو حرمان أو شدة أو عسر وهم صابرون محتسبون، بل وماضون في طريقهم إلى ربهم. وقد يحدث أن تتغير الموازين وأن تتبدل الأحوال، فتكون السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر، وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط أو الاعتدال، فينقلب على النقيض تماماً، فيكون الإسراف أو التبذير.
ولعلنا بهذا ندرك بعض الأسرار التي من أجلها حذر الشارع الحكيم من الدنيا وأوصى بأن يكون النيل منها بقدر.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
“فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها كما تنافسوها، تهلككم كما أهلكتهم”2(2) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، حديث رقم: ٦٤٢٥، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة قبل أن لا يجد من يتصدق عليها، حديث رقم: ٢٩٦١..
“إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء”3(3) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الإكثار من ذكر الموت وترك التكاثر والتوسع في الدنيا، حديث رقم: ٢٧٤٢..
(3) صحبة المسرفين
وقد يكون سبب الإسراف إنما هي صحبة المسرفين ومخالطتهم. ذلك أن الإنسان غالباً ما يتخلق بأخلاق صاحبه وخليله، لاسيما إذ طالت هذه الصحبة وكان هذا الصاحب قوي الشخصية شديد التأثير.
ولعلنا بذلك ندرك السر في تأكيد الإسلام وتشديده على ضرورة انتقاء الصاحب أو الخليل. ولقد مرت بنا بعض النصوص الدالة على ذلك أثناء الكلام عن أسباب الفتور.
(4) الغفلة عن زاد الطريق
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن زاد الطريق. ذلك أن الطريق الموصلة إلى رضوان الله والجنة ليست طريقاً مفروشة بالحرير والورود والرياحين، بل بالأشواك والدموع والعرق والدماء والجماجم. وولوج هذه الطريق لا يكون بالترف والنعومة والاسترخاء، وإنما بالرجولة والشدة. ذلك هو زاد الطريق، والغفلة عن هذا الزاد توقع المسلم العامل في الإسراف.
ولعلنا بذلك ندرك سر حديث القرآن المتكرر المتنوع عن طبيعة الطريق:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:٢١٤].
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142].
… إلى غير ذلك من الآيات.
(5) الزوجة والولد
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الزوجة والولد.
إذ قد يبتلى المسلم بزوج وولد دأبهم وديدنهم الإسراف، وقد لا يكون حازماً معهم، فيؤثرون عليه، وبمرور الأيام وطول المعاشرة ينقلب مسرفاً مع المسرفين.
ولعلنا بذلك نفهم بعض الأسرار التي قصد إليها الإسلام حين أكد ضرورة انتقاء واختيار الزوجة، وقد قدمت بعض النصوص الدالة على ذلك قريباً أثناء الحديث عن السبب الأول. وحين أكد على ضرورة الاهتمام بتربية الولد والزوجة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:٦].
“ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم”4(4) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، حديث رقم: ٨٩٣، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقاب الجائر، حديث رقم: ١٨٢٩. … الحديث.
(6) الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا وما ينبغي أن تكون
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا وما ينبغي أن تكون. ذلك أن طبيعة الحياة الدنيا أنها لا تثبت ولا تستقر على حال واحد، بل هي متقلبة، تكون لك اليوم وعليك غداً، وصدق الله العظيم:
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:١٤٠].
والواجب يقتضي أن نكون منها على وجل وحذر: نضع النعمة في موضعها، وندخر ما يفيض عن حاجتنا الضرورية اليوم من مال وصحة ووقت إلى الغد، أو بعبارة أخرى: ندخر من يوم إقبالها ليوم إدبارها.
تلك طبيعة الحياة الدنيا، وهذا ما ينبغي أن تكون، والغفلة عن ذلك قد توقع في الإسراف.
(7) التهاون مع النفس
وقد يكون السبب في الإسراف التهاون مع النفس. ذلك أن النفس البشرية تنقاد وتخضع ويسلس قيادها بالشدة والحزم، وتتمرد وتتطلع إلى الشهوات وتلح في الانغماس فيها بالتهاون واللين. وعليه، فإن المسلم العامل إذا تهاون مع نفسه ولبى كل مطالبها أوقعته لا محالة في الإسراف.
ولعلنا بذلك نفهم السر في تأكيد الإسلام على ضرورة المجاهدة للنفس أولاً وقبل كل شيء:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:١١].
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:٩ – ١٠].
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:٦٩].
(8) الغفلة عن شدائد وأهوال يوم القيامة
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن الشدائد وأهوال يوم القيامة. ذلك أن يوم القيامة يوم فيه من الشدائد والأهوال ما ينعقد اللسان وتعجز الكلمات عن الوصف والتصوير، وحسبنا ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا اليوم.
ومن ظل متذكراً ذلك متدبراً فيه، قضى حياته غير ناعم بشيء في هذه الحياة الدنيا. أما من غفل عن ذلك، فإنه يصاب بالإسراف والترف، بل ربما ما هو أبعد من ذلك.
ولعلنا بهذا ندرك شيئاً من أسرار دوام خشيته صلى الله عليه وسلم لربه، وقلة تنعمه ونيله من الحياة الدنيا.
يقول صلى الله عليه وسلم:
“لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً”5(5) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)، حديث رقم: ٤٩٤٧، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب كثرة البكاء والخوف من ألا ينجي منه، حديث رقم: ٣٠١٩..
وفي رواية أخرى:
“وما تلذذتم بالنساء على الفراش”6(6) جزء من الحديث السابق..
(9) نسيان الواقع الذي تحياه البشرية عموماً والمسلمون على وجه الخصوص
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هو نسيان الواقع الذي تحياه البشرية عموماً والمسلمون على وجه الخصوص.
ذلك أن البشرية اليوم تقف على حافة الهاوية، ويوشك أن تتزلزل الأرض من تحتها فتسقط أو تقع في تلك الهاوية، وحينئذ يكون الهلاك أو الدمار. أما المسلمون فقد صاروا إلى حال من الذل والهوان يرثى لها ويتحسر عليها. ومن بقي مستحضراً هذا الواقع وكان متبلد الحس ميت العاطفة، فإنه يمكن أن يصاب بالترف والإسراف والركون إلى زهرة الدنيا وزينتها.
ولعلنا بذلك ندرك شيئاً من أسرار حزنه واهتمامه صلى الله عليه وسلم بأمر البشرية قبل البعثة وبعدها، حتى عاتبه ربه ونهاه عن ذلك:
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:٦].
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:٣].
{فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:٨].
(10) الغفلة عن الآثار المترتبة على الإسراف
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن الآثار المترتبة على الإسراف. ذلك أن للإسراف آثاراً ضارة وعواقب مهلكة على نحو الذي سنعرض له بعد قليل.
ولقد عرف من طبيعة الإنسان أنه غالباً ما يفعل الشيء أو يتركه إذا كان على ذكر من آثاره وعواقبه. أما إذا غفل عن هذه الآثار، فإن سلوكه يختل وأفعاله تضطرب، فيقع أو يسقط فيما لا ينبغي، ويهمل أو يترك ما ينبغي.
وعليه، فإن المسلم العالم إذا غفل عن الآثار المترتبة على الإسراف يكون عرضة للوقوع في الإسراف.
ولعلنا بذلك نفهم السر في اهتمام الإسلام بذكر الحكم والمقاصد المنوطة بكثير من الأحكام والتشريعات.
الهوامش
(1) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، حديث رقم: ٥٠٩٠، ومسلم في كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، حديث رقم: ١٤٦٦.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، حديث رقم: ٦٤٢٥، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة قبل أن لا يجد من يتصدق عليها، حديث رقم: ٢٩٦١.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الإكثار من ذكر الموت وترك التكاثر والتوسع في الدنيا، حديث رقم: ٢٧٤٢.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، حديث رقم: ٨٩٣، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقاب الجائر، حديث رقم: ١٨٢٩.
(5) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)، حديث رقم: ٤٩٤٧، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب كثرة البكاء والخوف من ألا ينجي منه، حديث رقم: ٣٠١٩.
(6) جزء من الحديث السابق.
المصدر
كتاب: ” آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص14-23 بتصرف.


