تصميم صور المنشورات 15

بعد أن كنا كالنار التي لا تخمد، تحرق المعاصي والفتن بعزيمة الشباب ولهفة الأوائل، نجد أنفسنا فجأة وقد تحولنا إلى رماد هامد! هذا هو الفتور الإيماني، ذلك القاتل الصامت الذي يبدأ خفيفًا كالغبار ثم يتحول إلى زلزال يهدم ما بنيناه سنوات. في مقالنا السابق كشفنا عن جذور هذا الداء، والآن وقد عرفنا العدو، حان وقت المواجهة. لنستعرض معًا الآثار المرعبة للفتور قبل أن يفتك بنا، ولننتقل سريعًا إلى خلاصة النجاة ووصفة التحرر الحقيقي من هذا الكسل القاتل.

آثار الفتور

بعد أن استعرضنا في المقال الأول مفهوم الفتور الإيماني وأسبابه الكلية، والتي صنفناها تحت ثلاثة محاور: الأسباب المتعلقة بالنفس البشرية وضعفها، والأسباب المتعلقة بالبيئة والمحيط، والأسباب المتعلقة بالمنهج والطريقة في العمل – نأتي الآن إلى الجانب الآخر من الموضوع، وهو الآثار المترتبة على الفتور، ثم سبل العلاج والتحرز منه.

وللفتور آثار ضارة ومهلكة، سواء على العاملين أنفسهم أو على العمل الإسلامي العام. ولما كان الفتور يؤدي إلى هذه الآثار والمخاطر، لزم التحرز والتطهر منه. وفي هذا المقال، سنتناول أولاً آثار الفتور، ثم نستعرض وسائل العلاج والتحرز منه، مستمدين ذلك من النصوص الشرعية وكلمات السلف الصالح.

للفتور آثار خطيرة، يمكن تقسيمها إلى قسمين: آثار تعود على العاملين أنفسهم، وآثار تعود على العمل الإسلامي بشكل عام.

أولاً: آثار الفتور على العاملين

من آثاره على العاملين:

  1. قلة رصيدهم من الطاعات والعبادات

فالعامل الفاتر يقل نصيبه من الأعمال الصالحة على الأقل، وقد يقبض أجله وهو فاتر كسلان، فيلقى الله مقصراً مفرطاً.

ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”1[1] رواه البخاري (2893) ومسلم (2706) من حديث أنس بن مالك..

وكان من دعائه ﷺ أيضاً: “اللهم اجعل خير عمري آخره، اللهم اجعل خواتيم عملي رضوانك، اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك”2[2] رواه ابن حبان في صحيحه (1825)، والحاكم (4/332)، وقال: صحيح الإسناد.، وفي رواية: “… اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتيمه، وخير أيامي يوم ألقاك فيه”3[3] رواه الطبراني في المعجم الكبير (11/244) من حديث سهل بن سعد، وحسنه الألباني..

  1. سوء الخاتمة

قد يكون الفتور مقدمة لسوء الخاتمة – والعياذ بالله – حيث يعمل العامل فترة ثم يفتر ويضل.

وكان من بشرى النبي ﷺ لأمته: “إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله”، قيل: كيف يستعمله؟ قال: “يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه”4[4] رواه أحمد (16571) والطبراني (13/261)، وحسنه الألباني..

وكان من وصيته ﷺ: “إن العبد ليعمل عمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم”5[5] رواه البخاري (2893) ومسلم (2643) من حديث عبد الله بن مسعود.، وقال ﷺ: “لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يختم له”6[6] رواه أحمد (11028) والترمذي (2144)، وصححه الألباني..

  1. المصيبة في حال الفترة

ومن تأثر الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بهذا المعنى، أنه لما مرض مرض الموت بكى. فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: “إنما أبكي لأنه أصابني على حال فترة، ولم يصبني على حال جهاد”7[7] رواه أحمد في الزهد (ص 223)، وابن أبي شيبة (9/98).، يقصد أن المرض أصابه وهو في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات.

ثانياً: آثار الفتور على العمل الإسلامي

ومن آثاره على العمل الإسلامي:

طول الطريق، وكثرة التكاليف والتضحيات، ذلك أنها مضت سنن الله سبحانه ألا يعطى النصر والتمكين للكسالى والغافلين والمنقطعين، وإنما للعاملين المجاهدين الذين أتقنوا العمل وأحسنوا الجهاد.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128].

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

علاج الفتور

ولما كان الفتور يؤدي إلى الآثار والمخاطر التي ذكرنا، لزم التحرز والتطهر منه. ويستطيع العاملون التحرز والتطهر منه على النحو التالي:

السبيل الأول: البعد عن المعاصي والسيئات كبيرها وصغيرها

فإن المعاصي نار تحرق القلوب، وتستوجب غضب الله، ومن غضب عليه ربه فقد خسر خسراناً مبيناً. قال تعالى: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} [طه: 81].

السبيل الثاني: المواظبة على عمل اليوم والليلة

من ذكر ودعاء وضراعة، أو استغفار، أو قراءة قرآن، أو صلاة ضحى، أو قيام ليل، ومناجاة – ولا سيما في وقت السحر – فإن ذلك كله مولد إيماني جيد، ينشط النفوس ويحركها ويعلي الهمم ويقوي العزائم.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 1-5].

وقال النبي ﷺ: “من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل”8[8] رواه مسلم (747) من حديث عمرو بن عبسة..

السبيل الثالث: ترصد الأوقات الفاضلة والعمل على إحيائها بالطاعات

فإن هذا مما ينشط النفوس ويقوي الإرادات. يقول النبي ﷺ: “… فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة”9[9] رواه البخاري (39) ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة..

السبيل الرابع: التحرر من التشدد والغلو في دين الله

فإن هذا مما ينشط ويساعد على الاستمرار. عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان لرسول الله ﷺ حصير، وكان يحجره من الليل فيصلي فيه، فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار. فثابوا ذات ليلة فقال: ‘يا أيها الناس، عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه وإن قل’. وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملاً أثبتوه”10[10] رواه مسلم (785) من حديث عائشة..

ولا جرم أن نشير هنا إلى أن التحرر من التشدد والغلو لا يعني الترك والإهمال، بل يعني الاقتصاد والتوسط مع المحافظة على ما اعتاده من العمل، ومع اتباع السنة.

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قال لي رسول الله ﷺ: “يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل”11[11] رواه البخاري (1978) ومسلم (1159)..

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم”12[12] رواه البخاري (6859) ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة..

السبيل الخامس: دفن النفس في أحضان الجماعة، وعدم اعتزالها أو الشذوذ عنها بحال من الأحوال

حسبنا قوله ﷺ: “الجماعة رحمة والفرقة عذاب”13[13] رواه أحمد (277) وأبو يعلى (9/425)، وحسنه الألباني.، وقوله: “يد الله مع الجماعة”14[14] رواه الترمذي (2165) من حديث ابن عمر، وصححه الألباني.، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه المذكور آنفاً: “كدر الجماعة خير من صفو الفرد”15[15] رواه أبو نعيم في الحلية (1/77)..

السبيل السادس: الانتباه إلى سنن الله في الإنسان والكون

قال تعالى: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43].

ومن هذه السنن: استفراغ الطاقة وبذل الجهد الإنساني أولاً، قال تعالى: {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4].

ومنها: التدرج في العمل. كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، ولا تزنوا، لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبداً”16[16] رواه البخاري (3493) من حديث عائشة..

وكما عبر عن ذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه – خامس الخلفاء الراشدين – فقد أراد أن يعود بالحياة إلى هدى الخلفاء الأربعة، لكن بعد أن يتمكن ويمسك الخيوط في يديه. وكان له ابن يقال له عبد الملك، فيه فتوة وحماس وحيوية وتقى، فأنكر على أبيه البطء وعدم الإسراع في إزالة كل بقايا الانحراف والمظالم، حتى تعود الحياة سيرتها الأولى أيام الراشدين. إذ قال له يوماً: “ما لك يا أبت لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق”.

فكان جواب الأب الفقيه: “لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة” … إلخ17[17] رواه ابن كثير في البداية والنهاية (9/248)..

السبيل السابع: الوقوف على معوقات الطريق من أول يوم في العمل

حتى تكون الأهبة، ويكون الاستعداد لمواجهتها والغلب عليها، فلا يبقى مجال لفتور أو انقطاع.

السبيل الثامن: الدقة والمنهجية في العمل

على معنى مراعاة الأولويات وتقديم الأهم، وعدم الدخول في معارك جانبية، أو مسائل جزئية هامشية.

السبيل التاسع: صحبة الصالحين المجاهدين من عباد الله

إذ أن هؤلاء لهم من الصفاء النفسي والإشراق القلبي، والإشعاع الروحي، ما يسبي ويجذب، بل ما يحرك الهمم والعزائم ويقوي الإرادات.

وقد لفت النبي ﷺ الأنظار إلى ذلك حين قال: “ألا أخبركم بخير الناس؟” قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “من تذكركم رؤيته بالله عز وجل”18[18] رواه أحمد (26518) والطبراني (6/51)، وحسنه الألباني..

السبيل العاشر: إعطاء البدن حقه من الراحة والطعام والشراب مع الاعتدال في ذلك

فإن هذا مما يجدد نشاط الجسم ويعيد إليه قوته وحيويته.

وقد أرشد النبي ﷺ العاملين إلى ذلك، فقد دخل مرة المسجد فرأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين، فقال: “ما هذا الحبل؟” قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي ﷺ: “حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد”19[19] رواه البخاري (1150) من حديث عائشة..

وقال أيضاً: “إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه”20[20] رواه البخاري (212) ومسلم (786) من حديث عائشة..

السبيل الحادي عشر: الترفيه عن النفس بالمباحات

من مداعبة الأهل، أو ملاعبة الأولاد، أو القيام ببعض الرحلات النهرية للتجديف، أو البرية للرياضة والتدبر والتفكر، أو الجبلية للصعود والتسلق، أو الصحراوية للتمرس والتعود على مواجهة مشاق الحياة، أو الحقلية أو غير ذلك. فإن هذا مما يطرد السأم والملل، ويقضي على الفتور والكسل، بحيث يعود المسلم إلى ممارسة نشاطه، وكأنما ولد من جديد أو صار خلقاً آخر.

عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب – أحد كتاب رسول الله ﷺ – قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً. قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: “وما ذاك؟” قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ: “والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” – ثلاث مرات21[21] رواه مسلم (2750) من حديث حنظلة الأسيدي..

السبيل الثاني عشر: دوام النظر والمطالعة في كتب السيرة والتاريخ والتراجم

فإنها مشحونة بكثير من أخبار العاملين المجاهدين، أصحاب العزائم القوية والإرادات الصادقة، التي تسري عن النفس وتسلّيها، وتولد فيها حب الاقتداء والتأسي.

وصدق الله سبحانه الذي يقول: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111].

وعلى سبيل المثال، حين يقرأ المسلم عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا فتر في الوقت من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وارتفاعها قليلاً أخذ يدور في صحن بيته، ويردد على نفسه:

وكيف تنام العين وهي قريرة *** ولم تدر أي المحلين تنزل

حين يقرأ المسلم ذلك، تتحرك مشاعره وأحاسيسه، فينشط ويجاهد نفسه ليكون ضمن قافلة العاملين المجاهدين22[22] أثر عمر بن عبد العزيز رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (45/376)..

السبيل الثالث عشر: تذكر الموت وما بعده من سؤال القبر وظلمته ووحشته، والبعث والحشر… الخ

فإن هذا مما يوقظ النفس من نومها، ويوقفها من رقدتها، وينبهها من غفلتها، فتنشط وتتابع السير.

وخير وسيلة لتذكر الموت: الذهاب إلى القبور – ولو مرة كل أسبوع – وزيارتها للاعتبار بأحوال أهلها. فقد قال النبي ﷺ: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة”23[23] رواه الترمذي (1054) من حديث ابن مسعود، وقال: حسن صحيح..

وجاء عن ابن السماك الواعظ أنه كان قد حفر حفرة في بيته كأنها قبر، وكلما أحس من نفسه فتوراً أو كسلاً نزل إلى هذه الحفرة واستلقى كأنما قد مات، ثم يتخيل أنه قد سئل، وأن أعماله قد قصرت به، ويأخذ في الاستغاثة والصراخ وطلب العودة قائلاً: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99-100]. وبعد طول استغاثة وطلب يجيب نفسه: ها أنت يا ابن السماك قد أعطيت فرصة أخرى، ثم يقوم من قبره وكأنما نشط من عقال24[24] أثر ابن السماك رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (9/245)..

السبيل الرابع عشر: تذكر الجنة والنار وما فيهما من النعيم والعذاب

فإن ذلك مما يذهب النوم عن الجفون، ويحرك الهمم الساكنة والعزائم الفاترة.

جاء عن ابن هرم بن حيان أنه كان يخرج في بعض الليالي، وينادي بأعلى صوته: “عجبت من الجنة كيف ينام طالبها، وعجبت من النار كيف نام هاربها”، ثم يقول: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 97]25[25] أثر ابن هرم بن حيان رواه أحمد في الزهد (ص 252)..

السبيل الخامس عشر: حضور مجالس العلم

إذ العلم حياة القلوب، وربما سمع العامل كلمة من عالم صادق مخلص، فنشطته سنة كاملة بل الدهر كله.

وصدق الله الذي يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، ويقول: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

السبيل السادس عشر: أخذ هذا الدين بعمومه وشموله

أخذ هذا الدين بعمومه وشموله، دون التخلي عن شيء منه، فإن ذلك يضمن الدوام والاستمرار، حتى تنقضي الحياة ونلقى الله.

السبيل السابع عشر: محاسبة النفس والتفتيش فيها دائماً

فإن ذلك مما يبصر بالعيوب في بدايتها، فتسهل معالجتها.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].

خاتمة

تلك هي آثار الفتور الخطيرة على العاملين والعمل الإسلامي، وتلك هي سبل العلاج والتحرز والتطهر من هذا الداء الخبيث. وقد تبين لنا أن علاج الفتور يحتاج إلى مجاهدة النفس، والالتزام بالمنهج النبوي القائم على التوسط والموازنة، والاستعانة بالجماعة الصالحة، وتذكر الآخرة، ومحاسبة النفس، مع إعطاء البدن حقه من الراحة والترفيه المباح.

وختاماً، نسأل الله أن يثبتنا على دينه، وأن يعيذنا من العجز والكسل، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

[1] رواه البخاري (2893) ومسلم (2706) من حديث أنس بن مالك.

[2] رواه ابن حبان في صحيحه (1825)، والحاكم (4/332)، وقال: صحيح الإسناد.

[3] رواه الطبراني في المعجم الكبير (11/244) من حديث سهل بن سعد، وحسنه الألباني.

[4] رواه أحمد (16571) والطبراني (13/261)، وحسنه الألباني.

[5] رواه البخاري (2893) ومسلم (2643) من حديث عبد الله بن مسعود.

[6] رواه أحمد (11028) والترمذي (2144)، وصححه الألباني.

[7] رواه أحمد في الزهد (ص 223)، وابن أبي شيبة (9/98).

[8] رواه مسلم (747) من حديث عمرو بن عبسة.

[9] رواه البخاري (39) ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة.

[10] رواه مسلم (785) من حديث عائشة.

[11] رواه البخاري (1978) ومسلم (1159).

[12] رواه البخاري (6859) ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة.

[13] رواه أحمد (277) وأبو يعلى (9/425)، وحسنه الألباني.

[14] رواه الترمذي (2165) من حديث ابن عمر، وصححه الألباني.

[15] رواه أبو نعيم في الحلية (1/77).

[16] رواه البخاري (3493) من حديث عائشة.

[17] رواه ابن كثير في البداية والنهاية (9/248).

[18] رواه أحمد (26518) والطبراني (6/51)، وحسنه الألباني.

[19] رواه البخاري (1150) من حديث عائشة.

[20] رواه البخاري (212) ومسلم (786) من حديث عائشة.

[21] رواه مسلم (2750) من حديث حنظلة الأسيدي.

[22] أثر عمر بن عبد العزيز رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (45/376).

[23] رواه الترمذي (1054) من حديث ابن مسعود، وقال: حسن صحيح.

[24] أثر ابن السماك رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (9/245).

[25] أثر ابن هرم بن حيان رواه أحمد في الزهد (ص 252).

المصدر

كتاب: ” آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص2-12 بتصرف.

اقرأ أيضا

الفتور الإيماني – مفهومه وأسبابه الكلية

التعليقات معطلة