زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

لم يخْلُ آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر من الأذى والبطش، لكنهم ينيرون الطريق؛ ارتقى الشيخ أحمد العماري ومن قبله الدويش، ويُخشى على من بقي.

مقدمة

يرتقي الدعاة والعلماء في سجون “المملكة السعودية” عالما إثر آخر، وداعية عقب أخيه. وهم قوم مشهود لهم بالعلم والشرف والقيام بهذا الدين بقدر استطاعتهم، منهم من رفض الظلم صارخا مجلجلا بصوت داوٍ أسمَعَ العالَم، ومنهم من فرح بالخطوة الصواب وسكت عن خطوة السوء، ومنهم من سكت ورفض المشاركة في الباطل.

فكان القتل تعذيبا ـ بل وبإهانة ـ وكان الإهمال الطبي للتأكد أنهم وصلو الى مرحلة اللاعودة الطبية، وأنهم بالفعل يموتون؛ فيكون دور السجان الإشراف على موت هؤلاء الخيّرين الآمرين بالقسط، ليبقى الفراغ يملؤه طبل المزمّرين وحمَلة المباخر المشْرفون على ضياع الدين ليأكلو به ثمنا قليلا؛ فبئس ما يشترون، ولقُبح ما يأكلون.

الخبر

القابعون في السجون

جاء على موقع “الجزيرة” تحت عنوان “60  عالما وداعية يقبعون في سجون السعودية”

“قال حساب “معتقلي الرأي” المهتم بشؤون المعتقلين في السعودية إن عددا العلماء والدعاة الذين اعتقلتهم السلطات السعودية بلغ الستين.

وأضاف الحساب في إحصاء جديد نشره عبر تغريدة على تويتر أن عدد المعتقلين من أساتذة الجامعات الحكومية بلغ خمسين معتقلا، بينما اعتُقل 25 صحفيا، و20 ناشطا حقوقيا، و10 محامين.

وكان حساب “معتقلي الرأي” قد كشف قبل نحو أسبوع أن عدد المعتقلي السياسيين في المملكة بلغ (2613). وأشار ناشطون إلى أن الرقم المذكور يُقصد به المعتقلون بعد سبتمبر/أيلول (2017).

وفي تغريدة أخرى قال الحساب “تأكد لنا تعرض عدد من معتقلي سبتمبر إلى التعذيب الجسدي بالصعق والضرب والتعليق لساعات من الأذرع والسحل في ساحات السجن”.

وشملت حملة الاعتقالات الكبرى التي شنها ولي العهد محمد بن سلمان مطلع سبتمبر/أيلول (2017) مئات من رموز تيار الصحوة من أكاديميين واقتصاديين وكتاب وصحفيين وشعراء وروائيين ومفكرين. ولم توضح السلطات مصيرهم، أو توجّه لهم تهما علنية حتى الآن.

وبدأت الحملة باعتقال الداعيتين سلمان العودة وعوض القرني، لتنطلق بعدها حملة الاعتقالات بسرعة كبيرة وتشمل رموزا إسلامية بارزة من قبيل الأكاديمي في المعهد العالي للقضاء عبد العزيز الفوزان، وإمام الحرم المكي صالح آل طالب، والشيخ سفر الحوالي..”. (1)

وفاة الشيوخ إثر الإهمال الطبي والتعذيب

وجاء على موقع “الجزيرة نت” تحت عنوان: «ناشطون: وفاة الشيخ “العماري” داخل أحد سجون السعودية»

“أعلن ناشطون سعوديون، وفاة الشيخ أحمد العماري، عميد كلية القرآن الكريم بجامعة المدينة المنورة سابقًا، جراء جلطة دماغية داخل السجن بالمملكة.

ووفق حساب معتقلي الرأي على “تويتر” وهي مجموعة سعودية تعرف نفسها بأنها تتابع أوضاع المعتقلين السياسيين في السعودية، فإن العماري توفى جراء “إهمال طبي”. (2)

أبرز ما ذكره حساب “معتقلي الرأي” على تويتر:

  • وفاة د. أحمد العماري نتيجة إصابته بجلطة دماغية داخل السجن وتعمد إهمال معالجته بشكل عاجل، ما أدخله في غيبوبة ثم أدى للوفاة.
  • ستقام صلاة الجنازة على العماري بعد صلاة الظهر اليوم الإثنين في المسجد الحرام، على أن يتم دفنه في مقبرة الشرائع بمكة المكرمة.
  • لو استمر الصمت، فسنسمع في الأيام القادمة أنباءً مؤسفة عن وفاة آخرين في السجن.. فالمسنّون المعتقلون كُثر، ومن تردّت صحتهم في السجن أكثر.
  • العمّاري اعتقلته السلطات السعودية في أغسطس/آب الماضي، في سياق حملة ضد المقرّبين من الشيخ سفر الحوالي”. (3)

3) ضحايا سبقوا الشيخ العماري

وقد سبق الشيخ أحمد العماري وفاة شيوخ وعلماء آخرون..

“وسبق “العماري” في تلك السياسية القاتلة طبقا للحقوقيين الداعية الشيخ “سليمان الدويش”، والذي ارتقى تحت التعذيب في 14 أغسطس 2018 ، بعد أن ظل في حالة إخفاء قسري منذ اعتقاله في 22 أبريل 2016.”(4)

“قائمة المرشحين!

“وفي مقدمة الحالات التي قد تواجه الموت، مع استمرار سياسات القتل البطيء ، الشيخ سفر الحوالي الذي يعاني من عشرات الأمراض التي أقعدته في الفراش والذي حذر كثيرون من موته في حال استمرار حبسه مع سنه الكبير.

ومن أبرز الحالات كذلك المعتقل السياسي الدكتور موسى القرني الذي نُقل مؤخرا إلى المستشفى بعد إصابته بجلطة ، ويحتجز الآن في مستشفى الأمراض العقلية بسبب ذلك ، وهناك مخاوف من موته ”

كما ورد على حساب معتقلي الراي أن 75 من المعتقلين يخرج بإعاقات نتيجة التعذيب”. (5)

طموحات المُلك تنتهك المحرَّمات

وجاء على موقع “الجزيرة”، تحت عنوان  “واشنطن تايمز: اعتقال العلماء تسريع لطموحات بن سلمان”

“كتبت صحيفة واشنطن تايمز الأميركية أن اعتقال قوات الأمن السعودية للعشرات من العلماء والدعاة في المملكة من شأنه أن يسرع من طموح ولي العهد محمد بن سلمان لتولي العرش خلفا لوالده الملك سلمان بن عبد العزيز.

ووفق المحلل السياسي “غاي تايلر”، فإن محللين يرون أن حملة الاعتقالات ضد المعارضين المحتملين لمحمد بن سلمان تعد مؤشرا على تعزيز سلطة ولي العهد لتمهيد الطريق نحو توليه الحكم في المملكة.

ومن بين المعتقلين الداعية السعودي سلمان العودة الذي يتابعه على تويتر حوالي 14 مليون شخص.

وعقب الاتصال الهاتفي بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كتب العودة على موقع تويتر “ربنا لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم ألف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم”، وهي التغريدة التي حصدت 15 ألف إعجاب و13 ألف إعادة تغريد وألفي تعليق عليها.

وعلى إثر ذلك، اعتقلت السلطات السعودية العودة وما لا يقل عن 30 شخصا من التيار الإسلامي ومنتقدي ولي العهد السعودي، بحسب الكاتب”. (6)

دلالات الخبر

ننظر في هذه الأخبار المحنة عن المسلمين وأهل العلم، الين يأمرون بالقسط من الناس، من جهتين: سبب الجريمة سياسيا، وفظاعتها في دين الله.

أولا: سبب الجريمة الطريق الى العرش

يعيش الانسان عمرا قصيرا، لكن كم تخيل له شهواته أن يتعامل وكأنه خالد ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ (ابراهيم: 44)..

ولشهوة الملك سعار لا يعرف الانسان إلام يؤدي به؛ فإذا به لا يعرف حرمة لمخلوق ولا لدم معصوم، ولا لعلم يوقّر صاحبه وريث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وللمُلك ثمن؛ إذ إن الإذن الحاسم هو الإذن الأمريكي الغربي وإلا ألّبوا عليه الأمور وخبّلوه؛ ولكي يُرضي صاحب القرار الصليبي الغربي؛ يقدم له دينه قرابين. ولا عجب فقد قدم ملك رأس نبي الله “يحيى” من أجل امرأة.

فظاعة الجريمة في دين الله

يقول تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (آل عمران:21- 22)

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله:

“عن أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رَجلٌ قَتَلَ نَبِيا أوْ مَنْ أمر بِالمْعْرُوفِ ونَهَى عَنِ المُنْكَر». ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ الآية.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبَا عُبَيَدَةَ، قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ ثَلاثَةً وأَرْبَعين نَبيا، من أوَّلِ النّهَارِ في ساعةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَة وسَبْعُونَ رَجُلا مِنْ بَني إسْرائيلَ، فأمَرُوا مَنْ قَتَلَهُم بالْمَعْرُوفِ ونَهَوْهُمْ عَنِ المنكرِ، فقتلوا جَمِيعًا مِنْ آخِرِ النَّهارِ مِنْ ذَلكَ اليَوْمِ، فَهُم الذِينَ ذَكَرَ اللهُ، عَزَّ وَجَلَّ”.

ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال: { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي: موجع مهين”. (7)

ويقول الرازي:

“المسألة الثانية : قال الحسن : هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء ، ورُوي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أي الجهاد أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»”. (8)

ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:

“فهذا هو المصير المحتوم؛ عذاب أليم لا يحدده بالدنيا أو بالآخرة. فهو متوقَّع هنا وهناك. وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور. فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتاً مسموماً، توطئة لهلاكها؛ وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين. ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك! حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام!

وذكر الكفر بآيات الله مصحوباً بقتل النبيين بغير حق ـ وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق ـ وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ـ أي الذين يأمرون باتباع منهج الله القائم بالقسط المحقق وحده للقسط.. (وهو) تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع؛ وكثير ما هم في كل زمان.

ويحسن أن نتذكر دائماً ماذا يعني القرآن بوصف ﴿الذين يكفرون بآيات الله﴾؛ فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر؛ إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية ، وقصْر العبودية عليها. وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرّف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين؛ فمن جعل لغير الله شيئاً من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته، ولو قالها ألف مرة باللسان!”. (9)

ويقول الشيخ السعدي رحمه الله:

“ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح”. (10)

ويقول القرطبي رحمه الله:

“وقد روي عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقِسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتّقِيّة». (11)

خاتمة

سيبقى نور الله وكلمته، يحملها عالم بعد عالم وشهيد إثر شهيد، والأمة تعرف أبناءها وتعرف الاتجاه الصحيح؛ وكما ذكر التاريخ من ثبتوا فأضاؤوا الدنيا من قبل ـ كالإمام أحمد وغيره ـ فسيذكر هؤلاء الكرام وتعرف أمتُهم قدْرهم، وسيجعل الله فرجا ومخرجا بإذنه تعالى.

………………………………….

هوامش:

  1. موقع الجزيرة: بتاريخ 23/9/2018، على الرابط:
    60 عالما وداعية يقبعون في سجون السعودية
  2. موقع الجزيرة، بتاريخ 21/1/2019، على الرابط:
    ناشطون: وفاة الشيخ “العماري” داخل أحد سجون السعودية
  3. المصدر السابق.
  4. موقع العدسة، بتاريخ 24/1/2019، على الرابط:
    قتلوا العماري” .. هذه قائمة المرشحين للموت في سجون “بن سلمان”!
  5. المصدر السابق.
  6. موقع الجزيرة، بتاريخ 19/1/2019 على الرابط:
    واشنطن تايمز: اعتقال العلماء تسريع لطموحات بن سلمان
  7. تفسير ابن كثير.
  8. تفسير الرازي.
  9. في ظلال القرآن.
  10. تفسير السعدي.
  11. تفسير القرطبي.

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة