“سفر الحوالي” .. الى كرامة السجن


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

لا يزال الله تعالى يغرس لهذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته، ولم يزل العلماء يحملون إرث النبوات وينيرون بقنديل النبوة طريقا للأمة وسط المدلهمات. وعندما يقرع عالِم صمت أقرانه هنا يجب أن نتوقف أمامه.

بقية الخير

كلما ظن الناس أن غالب المشهورين من أهل الحق قد نكصوا أو باعوا أو انتكسوا..

وكلما ظن أهل الباطل استقرار ودينونة الفئام لسلطانهم، وكلما تهيؤوا لجني شهواتهم الحرام وقطف ثمار البيع الحرام للدين وللأمة ولهويتها ومقدراتها؛ إذ بسهْم من سهام الحق يقدّر الله تعالى له الانطلاق، فيشق الصمت ويناويء الباطل وتستمع له الآذان وتصغي له القلوب، ويوصل الله تعالى صوته لجنبات الأمة بل للعالمين.

ومؤخرا صدر كتاب “المسلمون والحضارة الغربية” للشيخ الكريم “سفر بن عبد الرحمن الحوالي” ـ بارك الله في عمره وحفظه وذاد عنه ـ بما تضمن من مضمون، وبما تضمن من مقدمة مهمة، وملاحق تتسم بالحسم والجرأة؛ بل وبنوع من الفدائية في أخريات العمر ومع السن المتقدم، بما يَشي من كرامة أرادها الله بالشيخ ـ فيما نحسب والله تعالى حسيبه ـ وبما أراد الله بالأمة من الخير وإحسان الظن بعلمائها ورؤية الطريق وإسقاطٍ لمصطلح الإرهاب المعلق كفزاعة لمن يقول الحق..

فإذا بمن هو أهل لثقة الأمة وقد لبث فيهم عُمُرا من قبله فخبروه، يقف المواقف الشريفة
ليعلم القاصي والداني أن من يقف مع الحق ليس إرهابيا كما يزعمون بل “مصلح على منهج الأنبياء” بحسب تعبير الشيخ نفسه.

تعريف بالشيخ

ذلكم هو الشيخ العلامة الدكتور “سفر بن عبدالرحمن بن أحمد آل غانم الحوالي” الذي ولد في قرية وادعة هادئة في أعالي قمم جبال السروات من جنوب المملكة العربية السعودية.

حيث ولد في قرية حوالة أقصى بلاد غامد ثم انتقل ليكمل تعليمه في مدينة بلجرشي وتخرج بامتياز من المعهد العلمي هناك.

والتحق بالجامعة الإسلامية عام (1391) وتخرج فيها عام (1394).

وكان من مشايخه هناك العلامة “ابن باز”، و”الأمين الشنقيطي”، و”محمد المختار الشنقيطي”، و”عبد المحسن العباد”، من علماء الإسلام.

وبعد تخرجه في الجامعة الاسلامية والمسجد النبوي الشريف آثر أن ينتقل إلى مكة البلد الحرام فأكمل بهما مشواره في التعليم العالي فحصل على الماجستير في رسالة العلمانية، والدكتوراة في ظاهرة الارجاء..(1)

الوظائف والمسؤوليات

عمل “الحوالي” رئيساً لقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة أم القرى لفترتين رئاسيتين مدة ثمانية سنوات، وأُقيل من الجامعة بسبب مواقفه الرافضة للتدخل العسكري الأميركي في الخليج العربي.

أسس “الحملة العالمية لمقاومة العدوان”، وانطلقت من خارج السعودية بعد منعها من البدء في مكة، كما أسس المركز الإسلامي للبحث العلمي والترجمة.(2)

إنتاجه العلمي ومدرسته العلمية

حصل على درجة التخصص “الماجستير” عن موضوع “العلمانية نشأتها وتطورها”.

وكان مشرفا عليه العلامة المجاهد الأستاذ “محمد قطب” رحمه الله.

ولعل هذه العلاقة المباشرة والتربية العلمية عن قرب هي من أكبر المؤثرات في التكوين الفكري للشيخ سفر الحوالي.

وقد ظهر ذلك على عطاءاته وإسهاماته حيث أصبح كتابه عن العلمانية أسبق وأصدق المراجع التي اعتمد عليها البحّاثة وطلبة العلم في خوض هذا الخضم، واعتمد في المقرارات الدراسية في مراحل الدراسات العليا في كثير من جامعات الدول العربية والإسلامية.

ثم جاءت رسالة العالمية “الدكتوراة” عن “ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي” لتسد خللا بدت ملامحه، وهوة أخذت تتسع في الفكر والثقافة الإسلامية؛ متمثلة في ظهور المرجئة الجدد الذين يقدسون ولي الأمر ويرفعونه إلى درجة من لا يُسأل عما يفعل، وأن عليك السمع والطاعة وإن رأيت كفرا بواحا عندك فيه من الله البرهان، لأن الحاكم عند أرباب هذا الفكر هو وحده الذي يعرف المصلحة ويقدر عواقب الأمور.(3)

قدم رؤيةً سياسية وجديدة على الخطاب الإسلامي المحلي؛ تتبّع فيها تطور المخططات الغربية والأميركية لاحتلال الخليج العربي منذ حرب أكتوبر عام 1973، وألف كتاباً مهماً يتضمن مناشدة لعلماء السعودية الكبار آنذاك ـ ابن باز وابن عثيمين ـ ويحتوي الكتاب رصداً للمخططات الأميركية بعنوان “كشف الغمة عن علماء الأمة” والذي عرف فيما بعد “وعد كيسنجر والأهداف الأميركية بالخليج”.

بل توقع الحوالي بأن الولايات المتحدة ستقوم حتماً بعمل يضمن مصالحها ووجودها المباشر في الخليج العربي قبل وقوع الأحداث وقبل غزو الكويت وذلك بمحاضرة لهُ بعنوان “العالم الإسلامي في ظل الوفاق الدولي”.

ولهُ عدة كتب ومساهمات في رصد البعد الديني في السياسة الخارجية الأميركية تجاه العالم الإسلامي، وفي تحليل فكر اليمين الأميركي المتطرف، فقد ألف كتاب “القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى” وكتاب “يوم الغضب” وكتاب “الانتفاضة والتتار الجدد” عقب الاحتلال الأمريكي للعراق.

وللاطلاع على انتاجه الفكري والديني والثقافي يراجع موقع الشيخ سفر الحوالي.(4)

مواقفه في نصرة الحق

قارع العلمانية والحداثة فكان أعجوبة في ذلك حتى قيل أنه مولع بالاطلاع على كتب الكفار والمفكرين لدحض حججهم وهزيمة باطلهم.

فلما قارع ودكدك حصون الأشاعرة قالوا هو متخصص في كتب علم الكلام والمنطق فلعله نزعه عرق من ابن تيمية.

ولما واجه الصوفية كان حديث الناس إذ كيف يجرؤ على مواجهة التصوف في الحجاز.

ولما أن أعلن عن عزمه على الرد على النصارى ونقض كتبهم وخرافاتهم قامت عليه الحرب الضروس من أرباب النصارى وأذنابهم.

وما أن دخلت أمريكا وحلفاؤها إلى الخليج حتى كان رده عليهم ونصيحته للأمة أسرع من رصاصهم فقال الناس إنه رجل فُتن بالمجلات والصحف والسياسة، حتى اليهود قبل سجنه وبعده أذاقهم مرارة التحدي وكان ينادي ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾.

وأما حين بعث الكفار رسالة يبررون احتلال قوات بلادهم للعراق وأفغانستان أبى إلا أن تكون رسالته لهم وثيقة للتاريخ فجعلها بحق رسالة من مكة.

ولما غلا الغلاة، وتذرع بفعلهم المنافقون؛ أوقف كلاً منهم عند حده ولم يرض أن تبغي طائفة على طائفة عاملاً بقوله تعالى ﴿ولايجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا﴾ فعدل وأنصف مع الجميع فكان له من الرفعة ما كان.

وفي دروسه في جدة في شرح العقيدة الطحاوية أشبه بروضة غناء وحديقة وارفة الأرجاء طيبة الأنداء ترى أصحاب الهمم والأقلام حوله ينهلون من معينه الرقراق وهو يتدفق كالعافية تسري في بدن المريض فيجد لها لذة ونشوة وطرباً.(5)

مع نشوب حرب الكويت عام 1990، أعلن رفضه لوجود القوات الأمريكية في السعودية، متحدياً قرار الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود وفتوى المؤسسة الدينية حينها، التي أجازت الاستعانة بالقوات الأمريكية لتحرير الكويت من غزو نظام صدام حسين لها.(6)

وبسط في كتابه «كشف الغمة عن علماء الأمة» خطأ فتاوى المؤسسات الدينية الرسمية بخصوص جواز الاستعانة بالقوات الأمريكية في الجزيرة العربية.

[للمزيد: المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة .. المحور العسكري]

جبهات متعددة، ونصائح واضحة

وبذلك يكون الحوالي ورفاقه قد فتحوا جبهات عديدة إبان هذه الأزمة؛ جبهة سياسية مع النظام، وجبهة شرعية مع المؤسسات الدينية، فضلًا عن توسيع مساحة الممانعة الجماهيرية لكليهما، وبطبيعة الحال فجبهة العلمانيين والليبراليين السعوديين مفتوحة طوال الوقت.(7)

قدم الشيخ سفر نصيحته واضحة إلى من باعوا دينهم ودعوتهم بدنيا الحاكم، وذكّرهم بإخوانهم من العلماء والدعاة المعتقلين الذين لم يعرضوا على المحكمة كما يفعل مع شارب الخمر أو قاطع الطريق!

وحذّر الأمة بأسرها من “صفقة القرن” وبيع فلسطين ورصد هرولة السعودية الجديدة إلى التطبيع مع المحتل الغاصب لمقدسات المسلمين، وذكّرهم بالتناقض العجيب في التعامل مع القضية السورية ودعم قتلة النساء والأطفال.

وحذر مما يحدث في اليمن وذكر بوضوح أن الإمارات تسعى لأجندة خاصة وأنها رأس في ذلك وغيرها غدا ذنَبا لها!! فما ذنب الشعب اليمني ليكتوي بنارين ويُطحن بين حجرين؟

وذكّر بما حذر منه في كتبه الأولى من أطماع الغرب في ثروات المسلمين التي أصبحت تنفَق على الانقلابات العسكرية وصنع القلاقل في البلاد العربية حتى جاء “دونالد ترمب” فأخذ من المليارات ما أصبح أكبر مفاخره وأعظم مآثره أمام أنصاره ومحبيه.

وبيّن الشيخ الحوالي في كتابه أن السرف والبذخ الذي دُفع في لوحة فنية أو في عرض مسرحي كان كافيا لحل مشاكل شباب المسلمين الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وأصبح “ترمب” يباهي بما أوجده من وظائف بأموالهم وخيراتهم!

وختم كتابه بنصيحة مباشرة إلى آل سعود، لتدارك ما فات ومراجعة السياسات فإن صبر الشعوب له آخِر، وغضبتهم تأتي على الأخضر واليابس والتاريخ حافل بذلك.(8)

اعتقاله في السياق العام للأحداث

اعتقل مرتين، الأولى عام 1994 والثانية عام 1999، كما تعرض أثناء مسيرته الإصلاحية للعديد من الاتهامات والتشكيك في مواقفه.

ثم اعتقلت السلطات السعودية، الخميس (12 يوليو)، الحوالي وثلاثة من أبنائه واقتادتهم إلى جهة غير معلومة، بعد أن نشر كتاباً بعنوان “المسلمون والحضارة الغربية”.(9)

[للمزيد: القنديل والمنديل .. وما يجري على الدين من تبديل، مواقف مشرفة لعلماء معاصرين ]

دروس وعبر

أولا: كلما كان قصدُ العالِم ومواقفه نابعة من دينه، وقصدُه إرضاء ربه تعالى وإصلاحَ الأمة وإنجاءها ورفض الهيمنة عليها، كلما كان له قدَم صدْق في الأمة وقبولا في قلوب الناس.

ثانيا: قد يغير رجل واحد مواقف من حوله، ويقلب المجَنّ على أهل الباطل، ويوقظ في أقرانه الحياة، وفي أمته الأمل؛ أنْ ثمة خيّرون لم يبيعوا، وشرفاء لم يتنازلوا.

ثالثا: قد يتقدم رجل فيتبعه آخرون ويصبح قدوة لغيره، وقد صرّح بعض السياسيين أنه يُنتظر مواقف قوية وصريحة في الفترة القادمة من هذه المدرسة إذ لم يكن الشيخ عالما فقط بل هو رائد لمدرسة واتجاه.

رابعا: لم يفقد أهل العلم مكانتهم في الأمة، بل الأمة تنتظرهم ليأخذوا دورهم في حياتها، ومن باع سقط، ومن اشترى دينه وآخرته وأمته رفعه الله في قلوب الخلق.

خامسا: لم يزل الباطل ـ ولن يزال ـ ضعيفا مهيضا تحرقه كلمات صادقة، ويهزمه شعاع من النور، ويُدحضه بيانُ الحق.

سادسا: لم يستقر الباطل ولن يستقر، بل لا تزال الأمواج مندفعة ومتقلبة، يرفع الله أقواما ويخفض آخرين. ويدبر الأمر، وكل يوم هو في شأن، فيغرس الله لهذا الدين غرسه، ويقيم ببعض عباده أمر العباد، يرفع الله بهم أقواما وينجي به أفواجا ويخفض به المتأخرين.
( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال )
…………………………………………………………..

هوامش:

  1. تباريح من سيرة العلامة الشيخ/ الحوالي الشيخ خضر بن سند .
  2. سفر الحوالي – الموسوعة الاسلاميّة.
  3. من هو سفر الحوالي موقع الجزيرة.
  4. http://www.alhawali.com/main/
  5. تباريح من سيرة العلامة الشيخ/ الحوالي الشيخ خضر بن سند.
  6. أبرز المحطات في حياة الداعية المعتقل سفر الحوالي، الخليج أون لاين.
  7. الشيخ «سفر الحوالي»: قعيد يقلق عرش ابن سلمان بقلمه موقع إضاءات
  8. شبكة الإعلام العربية.
  9. عارض الملك فهد ثم انتقد سياسة بن سلمان.. من هو سفر الحوالي؟ الخليج أون لاين.

اقرأ أيضا:

  1. القنديل والمنديل .. وما يجري على الدين من تبديل (1-4) بيان الجريمة
  2. القنديل والمنديل .. وما يجري على الدين من تبديل (2 – 4) قناديل من علماء السلف
  3. القنديل والمنديل .. وما يجري على الدين من تبديل (4-4) مواقف مظلمة
  4. المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة .. وسُنة المدافعة

التعليقات معطلة.