”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

الطائفة المنصورة وواقعنا المعاصر (5-8) وصْفُهم في كتاب الله

الطائفة المنصورة لا تنحصر بمكان، وإن لها مرتكزات تتميز بها، وصفهم بها الله وصات خصائص لهم. بهم يحفظ الله الدين إن انحرفت الجموع.

مقدمة

الولاء والبراء صفة محورية المقال الأول والحديث متواتر من حيث مروياته المقال الثاني ومن صفاتها أنها لا يخلو منها زمان وانها طائفة من أمة محمد وكونها على الحق المقال الثالث وكونهم ظاهرين منصورين ومجاهدين وصابرين على اللأواء المقال الرابع ..

وفي هذا المقال الخامس بيان بقية خصائصهم؛ أنهم غير محصورين في مكان بعينه، ومرتكزات وصفهم في كتاب الله

الصفة السابعة:

غير محصورين في مكان بعينه

وهذا يعني أنه:

قد يغلب وجودهم في بعض الأمكنة في بعض الأزمنة دون بعضها شرفا للحال لا للمحل

فهم متفرقون في عدة أمكنة ولا يحصرهم مكان واحد..

ومما يؤيد هذا: أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة وتوافر العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار؛ في الشام منهم أئمة وفي الحجاز، وفي مصر، وفي العراق، واليمن، وكلهم على الحق؛ يناضلون ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلامًا لأهل السنة وحجة على كل مبتدع.

وعلى هذا؛ فإن هذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق..

أما ما ورد في بعض روايات «الطائفة المنصورة» من أنهم في الشام أو في أكناف بيت المقدس؛ فإن هذا لا يدل على محدوديتهم في هذا المكان لورود بقية الروايات وهي أكثر بدون تحديد مكانهم..

وإنما يدل على أنهم في بعض الأزمنة كما في قتال التتار والصليبيين واليهود يكون أكثرهم وثِقلهم في بلاد الشام، وكذلك في آخر الزمان يقاتل آخرهم الدجال في الشام، وما سوى ذلك من الأزمنة فهم متفرقون قائمون بأمر الله في بلاد كثيرة.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن الطائفة المنصورة في وقته:

أما الطائفة بالشام ومصر ونحوها فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام..

وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم؛ حتى تقوم الساعة».(1سبق تخريجه) وفي رواية لمسلم: «لا يزال أهل الغرب». (2سبق تخريجها)

والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا الكلام بمدينته النبوية، فغرْبُه ما يغرب عنها؛ وشرقه ما يشرق عنها فإن التشريق والتغريب من الأمور النسبية؛ إذ كل بلد له شرق وغرب..

ولهذا إذا قدم الرجل إلى الإسكندرية من الغرب يقولون: سافر إلى الشرق وكان أهل المدينة يسمون أهل الشام أهل الغرب، ويسمون أهل نجد والعراق أهل الشرق، كما في حديث ابن عمر قال: قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا.

وفي رواية: «من أهل نجد» ولهذا قال أحمد بن حنبل: أهل الغرب هم أهل الشام. (3«الفتاوى الكبرى» (3/ 548))

ولو تأملنا الصفات السابقة للطائفة المنصورة كما جاءت في روايات الحديث لرأينا أنها صفات من اصطفاه الله عز وجل لنصرة دينه والجهاد في سبيله الذين استجابوا لربهم عندما قال لهم سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ(الصف: 14)..

ولا يخلو بحمد الله تعالى عصر من أنصارٍ لله قائمين بالحق مخلصين لربهم متبعين لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، مستعينين بالله عز وجل على مراد الله عز وجل متوكلين عليه، وهذه هي مقومات النصر وصفات الناصرين لدين الله عز وجل على مراد الله عز وجل لا على مراد النفوس وأهوائها وادعاءاتها.

وقد ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم صفات هذه الطائفة بما يؤكد الصفات السابق ذكرها من حديث الطائفة وذلك في سورة المائدة وذلك في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. (المائدة: 54-56)

مرتكزات الطائفة المنصورة:

وقد اشتملت هذه الآيات على أهم الصفات والمرتكزات التي يجب توفرها في الطائفة المنصورة ألا وهي:

محبة الله لهم

المرتكز الأول: بذل أسباب محبة الله لهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾.

ومحبة الله للمختارين لنصرة الدين، تستوجبها أسباب عديدة، عدَّ الإمام ابن القيم رحمه الله منها عشرة، ووصف منزلة المحبة بأنها: «هي المنزلة التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروَّح العابدون». (4«مدارج السالكين» (7/3))

حبهم لله تعالى

المرتكز الثاني: حبهم هم لله ﴿وَيُحِبُّونَهُ

بأن تكون أعمالهم وقرباتهم نابعة من خالص الحب المقترن بخالص التذلل، وهم بهذا يحققون جوهر العبودية التي قال ابن القيم عنها:

معقد نسبة العبودية هو المحبة..

فالعبودية معقودة بها، بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية. (5«مدارج السالكين» (3/ 36))

والمحبة مطلوبة هنا بلوازمها، ومن لوازم محبة العبد لربه كما قال الشيخ السعدي رحمه الله:

«إنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا في أقواله وأعماله وجميع أحواله…

كما أن من لوازم محبة العبد لله أن يكثر من التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل…

ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى والإكثار من ذكره؛ فإن المحبة بدون معرفة الله ناقصة جدًّا، بل غير موجودة، وإن وجدت دعواها.

ومن أحب الله أكثر من ذكره، وإذا أحب الله عبدًا قبل منه اليسير من العمل وغفر له الكثير من الزلل». (6«تفسير السعدي» (ص235))

رحمتهم لأهل الإسلام

المرتكز الثالث: التذلل والتواضع والشفقة والرقة والرحمة بأهل الإسلام ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ﴾.

قال على رضي الله عنه كما نقل ذلك عنه ابن جرير في تفسيره: «أهل رقة على أهل دينهم». (7«تفسير الطبري» (4/ 622))

فأهل النصرة ليسوا من أهل الغلظة والشدة الذين يستحلون أعراض المؤمنين أو أموالهم أو دماءهم، وإنما هم حافظون أمناء، ورءوفون رحماء، مقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رأفته ورحمته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.(التوبة: 128)

العزة على أهل الباطل

المرتكز الرابع: العزة على أهل الباطل من الكفار والشدة في إبطال باطلهم ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وبخاصة إذا جاهروا بالعداء، أو ظاهروا الأعداء؛ حيث بذلك تكمل عقيدة الولاء والبراء.

قال البغوي رحمه الله:

﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ يعادونهم ويغالبونهم، كما قال عطاء: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ كالسبع على فريسته. (8«تفسير البغوي» (1/ 69))

وهذه العِزّة مشروطة بعدم الظلم وعدم الغدر، وعدم النقض للعهود أو الخفر للذمم.

وأهل نصرة الدين لا يتعززون على الكفار انتقامًا لذواتهم، أو تكبُّرًا بخواصهم من عرق أو لون أو جنس، وإنما يفعلون هذا انتصارًا لدينهم، وانتصافًا لكرامة إخوانهم.

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى:

فهؤلاء فيهم على الكافرين شماس وإباء واستعلاء، ولهذه الخصائص هنا موضع…

إنها ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس، وإنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين..

إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير، وأن دورهم أن يطوّعوا الآخرين للخير الذي معهم، لا أن يطوّعوا الآخرين لأنفسهم. (9«في ظلال القرآن» (2/ 919))

افتداء الدين بالغالي والثمين

المرتكز الخامس: افتداء الدين بالغالي والثمين..

جهادًا بالنفس وجهادًا بالمال وبالوقت والجهد، مع احتساب الأجر على الله وحده: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾..

فالجهاد ذروة سنام الإسلام وأعلى الجهاد وأغلاه الجهاد بالنفس قتالًا في سبيل الله.

فالجهاد المذكور في النصوص الشرعية ينصرف إلى هذا في الأساس، وما عداه من أنواع الجهاد تبَع.

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنصار الدين أو الطائفة المنصورة بأنهم: «يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال».

وفي زمن استأسد فيه أهل الباطل، وتدججوا بكل أنواع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية لا يصح أن يكون أهل الحق (مدجنين) في مواجهة هؤلاء (المدججين). ولن تقوم دعوة الإسلام الكاملة الصحيحة إلا بالمزج بين الأمرين.

قال ابن القيم رحمه الله:

أقام الله الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان؛ فكلاهما في نصرة الدين شقيقان. (10«الفروسية» (ص83، 84))

الصدع بالحق

المرتكز السادس: الصدع بالحق والشهادة بالصدق

مع عدم الاعتبار بإنكار المنكرين ولوم اللائمين في مرضاة الله رب العالمين ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍۚ﴾.

فأنصار الله بمجموع صفاتهم السابقة، سوف يستجلبون حتمًا سخط الساخطين، وتبرم المتضررين من علو شأن الدين، سواء كان هؤلاء من الكفار أو المنافقين أو العصاة المفرطين..

وهنا لا بد لأنصار الله من المضي في سبيلهم المَرضي عند الله دون التفات للومة لائم، أيًّا كان هذا اللائم؛ فمحبة الله ورضاه مقدَّمة على محبة أي مخلوق، وعلى كل مَن سواه:

﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. (التوبة: 24)

وقد بايع المؤمنون الأوائل من المهاجرين والأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الخوف من لوم اللائمين في سعيهم لإقامة الدين.

قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه كما أخرجاه في «الصحيحين»: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألّا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». (11البخاري (7199)، ومسلم (1840))

قال ابن كثير في تفسير ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍۚ﴾:

«أي: لا يردّهم عما هم فيه من طاعة الله وقتال أعدائه وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك رادٌّ، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل». (12«تفسير ابن كثير» (2/ 97))

لا يداهنون

فالمداهنة في الدين ليست من خلق الصادقين ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.(القلم: 9)

خاتمة

إن القيام بهذه المرتكزات والتخلّق بتلك الصفات يحتاج إلى رجال يستحقون المنة والإفضال من ذي الكبرياء والجلال سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال عز وجل عقيب الصفات المذكورة: ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.(المائدة: 54)

وبهذا الفضل العظيم يستوفي المؤمنون مؤهلات التمكين وصفات أنصار الدين الموجبة لولاية رب العالمين..

ولهذا قال الله تعالى في الآيات بعدها: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(المائدة: 55-56).

فاللّهم اجعلنا من أوليائك وحزبك، وهيئنا لأن نكون من أنصار دينك؛ آمين..! (13انظر: «افتتاحية مجلة البيان» العدد (231) ذو القعدة (1427هـ))

……………………………………..

هوامش:

  1. سبق تخريجها.
  2. سبق تخريجها.
  3. «الفتاوى الكبرى» (3/548).
  4. «مدارج السالكين» (7/3).
  5. «مدارج السالكين» (3/36).
  6. «تفسير السعدي» (ص235).
  7. «تفسير الطبري» (4/622).
  8. «تفسير البغوي» (1/69).
  9. «في ظلال القرآن» (2/919).
  10. «الفروسية» (ص83، 84).
  11. البخاري (7199)، ومسلم (1840).
  12. «تفسير ابن كثير» (2/97).
  13. انظر: «افتتاحية مجلة البيان» العدد (231) ذو القعدة (1427هـ).

لقراءة بقية السلسلة:

  1. المقال الأول
  2. المقال الثاني
  3. المقال الثالث
  4. المقال الرابع
  5. المقال السادس
  6. المقال السابع
  7. المقال الثامن

لتحميل البحث كاملا على الرابط التالي:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد