”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

الشيخ عبد الرحمن الدوسري .. تميُز وفراسةٌ وقوة في الحق

لا يفرغ العلماء من عهدة التكليف بمجرد حمل العلم؛ بل لا بد من العمل والبلاغ، ومعرفة انحراف الواقع ومداواته بما أنزل الله وما حملوه من العلم والأمانة.

مقدمة

الناصح لله المحب الصادق في محبته لله، لا يحب أحدًا من الطواغيت الحاكمين بلادهم حكمًا علمانيًّا كافرًا؛ يبيحون فيه الخمور والفواحش والزنا حالة الرضا والمراقص والربا والبلاجات العارية والقمار، ويحلون كل ما حرم الله، ويحكمون بغير شريعة الله، هؤلاء لا يجوز للمسلم محبة أي رئيس من رؤسائهم ولا التبرع في سبيلهم حتى لو ادَّعوا حرب إسرائيل وهم لو حاربوها فهم كاذبون.

وجُعلت أدمغة الشباب متبلورة بدعاوى الطواغيت (أن) سلاح العدو أقوى، العدو وراءه أمريكا.. هذه الكلمات الملعونة تأثر بها العرب، حيث تكونت فيهم هزيمة نفسية واعتذارات للطواغيت المصطلِحين مع إسرائيل، بحجة عدم وفرة السلاح”.

المولد والنشأة

هو “عبد الرحمن بن محمد بن خلف بن عبد الله الفهد آل نادر الدوسري” من قبيلة الدواسر ومن أسرة هم أمراء بلد (السليل) المشهور.

وُلد في مدينة البحرين عام 1332 هـ، نزح جده “عبد الله بن فهد آل نادر” من قومه وبلاده إلى قرية الشماسية في منطقة القصيم، وتزوَّج بها ورُزق عدد من الأبناء منهم خلف والد محمد، انتقل محمد بعدما تزوج بزوجته إلى الكويت، ثم سافر بها إلى البحرين لزيارة أبيها الذي هو الشيخ “علي بن سليمان اليحيى”، وهناك وضعت ابنها “عبد الرحمن” صاحب الترجمة الذي رافق والده عند عودته إلى الكويت، ونشأ بها ودرس وتعلَّم ما شاء الله، وبقي فيها أكثر عمره ـ قرابة خمسين عاما ـ يزاول التجارة؛ ليستغني بها عن ابتذال علمه بالوظائف، التي إما تخرسه عن الصراحة بالحق، أو تجعله يساير رغبات الدولة التي توظفه، فلهذا لجأ إلى العمل الحر شحًّا بدينه، وعرفانًا بقيمته، وارتفاعًا بكرامته عن ملابسات الوظائف.

تلقى الشيخ تعليمه في المدرسة المباركية الأهلية القائمة على مناهج العلماء وعلى طريقة المتقدمين من أهل العلم، فحفظ بها كثيرًا من المتون العلمية، وكثيرًا من قصائد الشعر.

ولقد نشأ الشيخ نشأة علمية رصينة على منهج السلف الصحيح والصريح، ما جعله على قواعد راسخة وأصول سليمة في منهجه الفكري، وجمع بين علوم الشريعة والثقافة المعاصرة باطلاعه وصِلته المباشرة بأحداث عصره.

ثم بعد خروجه من هذه المدرسة ـ المباركة في زمنها ـ درس الفقه والتوحيد على الشيخ المرحوم “عبد الله بن خلف الدحيان”، وعلى الشيخ “صالح بن عبد الرحمن الدويش” رحمه الله، وفي أثناء سفراته للبحرين يحظى بمقابلة الشيخ العلامة “قاسم بن مهزع”، ويتدارس معه البحوث المهمة.

رؤيته لأهمية امتلاك الإعلام والمدارس

يرى في مستقبل الجيل الإسلامي ضرورة مقابلة علماء المسلمين وولاتهم لمخططات أعدائهم بما يقابلها ويحبطها، فيقومون بإنشاء المدارس الدينية والروضات التربوية الروحية، وأن يُصنَع أولاد المسلمين على أعينهم لا على أعين أعدائهم وتلاميذ أعدائهم، وأن يعملوا على إصلاح الأجهزة الإعلامية بتركيز الركائز الطيبة وتغيير برامجها تغييرًا جذريًّا؛ بل يرى أن من أوجب الواجب على علماء المسلمين أن يبثّوا الوعي الديني الصحيح في طبقات الأمة، ويلهبوا حماس شبابها وأثريائها؛ ليسخوا بتأسيس جميع ما يكفل عودة القيادة الفكرية إليهم، فإذا نجحوا في التربية الروحية وحازوا القيادة الفكرية التي انتزعها منهم أعداؤهم وهم سادرون، كانوا جديرين بالحياة الصحيحة؛ أما دون هذا فإن مجهودهم يشبه عمل من يعالج الجرح والرأس مقطوع ـ عياذًا بالله من مثل السوء ومن عاقبة السوء ـ فإن كل مخطط لا يُحبطه إلا ما يوازيه أو يزيد عليه، والماسونية اليهودية وإن سبقتنا أشواطًا بعيدة في هذا المضمار، فإنه بقوة الوعي، وحسن القصد، والصدق في العمل، سنغلبهم في وقت قصير؛ كما قيل: (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)، والمسألة تتطلب:

  • الوعي العام الصحيح.
  • العمل الجاد المتواصل.
  • اطراح الجبن والشح اللذين هما أصل البلاء ومجمع الشرور.
  • السخاء في سبيل الله.
  • البصيرة النافذة بتركيز الركائز الإسلامية الصالحة في كل ميدان، وإعطاء كل عمل حقه.
  • عدم ترك فراغ يشغله أعداؤنا.
  • مجابهة كل خطة شرٍ بما يفسدها.

وليكن جميع ذلك بصدق مع الله وإخلاص لدينه، بحيث لا يشوبه رياء ولا سمعة، ولا أي شيء من الأنانية، وهنالك يسدد الله الخطأ، ويسلك بذا سبيل النصر؛ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ[يوسف:21].

  • فراسته الصادقة

فقد كان الشيخ من أثر علمه وتقواه وغيرته على دين الله، وحماسته لنصرة الشريعة، ذا فراسة صادقة صائبة في كثير من آرائه وتطلعاته، فكان يحذر من كثير من الأمور قبل وقوعها، وكان مما قاله في بعض محاضراته: أنه لما حصل ما حصل من احتلال اليهود لفلسطين، ووجود دعاة القومية، الذين كانوا يعلنون أنهم سوف يلغون إسرائيل من الخارطة، وأنهم سوف يلقون اليهود في البحر، وسوف يحررون العالم العربي، وأنهم، وأنهم. كما كان زعيمهم الأكبر “جمال عبد الناصر” الذي كان الشيخ الدوسري يسميه: “العبد الخاسر”. كان الشيخ يقول عن ذلك:

إن حصلت الحرب فسيهزم القوم، وتضيع الجولان وسيناء والضفة الغربية، وتكون بعد ذلك مفاوضات تسبق إليها مصر.

وكان الأمر كما قال الشيخ في ذلك الوقت المتقدم، وكانت له الكثير من المقالات التي ينبِّه فيها على أخطار الماسونية والعلمانية، في الوقت الذي لم يكن أحد يتنبه لذلك، ولا يدركه، ولا يتصور عواقبه، وما قد يترتب عليه.

دوره في تغيير المناهج التربوية

قبل أن ينتقل الشيخ إلى نجد كانت الماسونية تلعب بوسائل المناهج التربوية. فلما نظر إلى المنهج نظرة فهم وتدقيق على ضوء العقيدة الصحيحة انبهر من بعض المواد المدسوسة على الإسلام، وفي إحدى الجمع قام الشيخ بعد صلاة الجمعة في الجامع الكبير بالرياض فتكلم عن خطورة المحافل الماسونية ووسائل تلاعبها وخطورتها على العالم الإسلامي، ثم تحدث عن واضعي المناهج وتلاعبهم بها. وكان من الحاضرين في هذا الجامع الملك “فيصل بن عبد العزيز”، الذي أحرجه كلام الشيخ، فما أن وصل إلى قصره حتى أمر وزير المعارف بتكوين لجنة لبحث المناهج وتغييرها وجعلها على النمط الإسلامي، فغُيّرت في أنحاء المملكة بفضل الله ثم بصراحة وشجاعة الشيخ الذي تكلم بصدق وإخلاص والذي لم يكن يعرف النفاق والملق كما نرى اليوم من بعض علماء السوء والمناصب والتشريفات.

شجاعته في الدفاع عن الحق

وكان الشيخ “عبد الله العقيل” وقد عايش الشيخ في الكويت يقول عن الشيخ الدوسري:

“كان فيه من قوة الحجة والصرامة في الحق ما يُسْقِط دعاوى المجادلين، ويُرهب المبطلين، حيث كان الكثيرون يُشفقون عليه من هذه الجرأة، ولكنه لا يزداد إلا صدعًا بالحق، إعلاءًا لكلمة الدين، وتعرية لسَوْاءات الباطل، وكشفًا لعورات الفساد وتعرية للمفسدين والهدَّامين.

ولا أنسى مواقفه الصريحة الصلبة أمام دعاة الأخذ بالقوانين الوضعية والأنظمة الجاهلية، فقد كان الشيخ كالسيف الباتر، هو الوحيد في وقته الذي كان متنبِّهًا أعظم التنبُّه وأكبره، لدسائس الماسونية والعلمانية، ولقضية القوانين الوضعية والأحوال الشخصية”.

وقد كان له موقف قوي في نقد دستور الكويت، فنقده وبين مخالفته للشريعة، وألّف في ذلك مع الشيخ محمد النوري كتابًا في سبعة أجزاء (الحق أحق أن يتبع)، فنَّدوا فيه هذا القانون، وبيَّنوا فيه المواد المخالِفة لشريعة الله، وكان هو من أشد الناس على دعاة القومية العربية، التي كانت النغمة السائدة في ذلك الوقت، فقد كان ينقدها، وينقد زعماءها، بل يصفهم بأقذع الأوصاف في غير ما ضعف ولا مواربة.

ملامح منهجية فكرية صافية، ففي مسائل العقيدة

فقد كان الشيخ يهتم بعلاج أوضاع المسلمين ومجابهة أعدائهم، ويركِّز على حقيقة العقيدة ومفهومها الصحيح، ويهتم بشمول العقيدة لسائر جوانب الحياة، وخاض في دحض الشبهات ونبذ الخرافات ومحاربة البدع والشركيات معارك ضارية مع العلمانيين والماسونيين والمنافقين الذين يسيرون في ركاب الطغاة، فكتب في ذلك كتابات نفيسة، كان لها في وقتها وما زال أثرٌ كبير، فقد كانت أكثر البلاد العربية واقعة تحت سلطان الاحتلال الأجنبي، وكان هناك دعاة القومية العربية والاشتراكية الذين كانوا يبيعون قضايا الأمة بثمن بخس دراهم معدودة أو مناصب وهمية، وكانت سيطرة الماسوينة التي تنظِّر لهذه المذاهب الوضعية، وتضع لها القواعد والأصول، وكانت هناك بدايات العلمانية التي كانت تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وكانت قضية العقيدة هي أن يكون الحكم بشرع الله في كل مناحي الحياة كانت لدى جموع غفيرة قضية مستهجنة غريبة، وكانت قضية خطيرة، ومع ذلك حملها الشيخ حملاً قويًّا جريئًا.

ومما كان يوضِّحُه أن العقيدة ليس لها تدرج وليس فيها تميُّع، لذلك قال في تفسيره عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “لم يكن من سيرته وطريقته التدرُّج في العقيدة، بل عكس ذلك طريقته الصارمة التامة فيها، وحادثة هدم صنم اللات مشهورة، حيث طلبوا منه إمهالهم شهرًا، فلم يُمهلهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا ساعة، وكان قد ربَّى أمته على ذلك؛ بحيث كان الرجل إذا أسلم خلع على عتبة إسلامه جميع أحوال الجاهلية، وصرامة النبي صلى الله عليه وسلم معروفة، وقد هدم مسجد الضرار وأحرقه بكل سرعة ودون مبالاة بملابسات القضية، لأن رسالته العظمى توجب عليه أن يكون مسيِّرًا لا مسايرًا، صريحًا لا مداهنًا، قويًّا صارمًا، لا خائنًا محابيًا”.

كما يقول بعض الناس: أن نساير العصر، وأن نتكيَّف مع الواقع.

وكان الشيخ يبين أن العقيدة أساس الولاء والبراء، وأساس الوحدة والترابط، وأساس الانفصام والانقطاع، وبين الشيخ معنى الجاهلية المذكورة في القرآن ردًّا على من يقصرونها على الحقبة الزمنية التي سبقت الرسالة المحمدية، فبالجملة من أهم نقاطه المنهجية الفكرية تركيزه الصحيح والواعي على قضية العقيدة، لتتحول إلى أمر مهيمن على حياة المسلمين كلها، ولتتحول إلى صورة حية متحركة في واقعهم، وليكونوا بها مواجهين لأعداء الإسلام، وعارفين لجاهليتهم وشركياتهم، وما عليه بعض المسلمين مما وافقوا فيه أهل الكفر في بعض جوانب حياتهم .

وكان رحمه الله شديد التأثر بمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وبدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

والوعي بفقه الواقع المعاصر، كان من أبرز السمات المنهجية الواضحة في سيرة الشيخ؛ وكان يربط التفسير بالواقع المعاصر، وينزِّل الآيات على ما يجدّ في حياة المسلمين، وألف في الوعي المعاصر ما يبين الانحرافات المعاصرة، ومن ذلك كتابه الذي ألفه عن المنافقين، بيَّن فيه صفات المنافقين وربطها بنفاق العلمانيين والإشتراكيين والقوميين، الذين يأخذون جزءًا من الدين ويتركون جزءًا، ويريدون أن يجعلوا في الإسلام اشتراكية، وينادون بوحدة الأديان، وكان يرد على مقالاتهم وما ينشرونه في صحفهم ومجلاتهم، وألف كتبًا في الرد عليهم، وقد فصَّل في ذلك تفصيلاً واسعًا وبيَّن مخططات اليهودية، وما أنشأته من المذاهب الوضعية، فكان في هذا الباب نجمًا ساطعًا وعَلَمًا بارزًا.

مؤلفاته

قد بلغَت مؤلفاته أكثر من ثلاثين مؤلفًا، منها:

  • الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة
  • الجواهر البهية في نظم المسائل الفقهية (وهي اثنا عشر ألف بيت)
  • إيضاح الغوامض من علم الفرائض
  • الجواب المفيد في الفرق بين الغناء والتجويد
  • إرشاد المسلمين إلى فهم حقيقة الدين
  • معارج الوصول إلى علم الأصول
  • مشكاة التنوير على شرح الكوكب المنير
  • صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم
  • الإنسان العامل الشريف والحيوان الناطق المخيف
  • الحق أحق أن يتبع

وغيرها من الكتب.

وصرف رحمه الله جزءًا مهمًّا من وقته في سنينه الأخيرة في كتابة تفسيره للقرآن الكريم الذي أسماه: (صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم)، وأُذيع معظمه على شكل حلقات في إذاعة المملكة العربية السعودية، فلقي إقبالًا ورواجًا بين أهل العلم والفضل، وشاء الله أن يفارق الوالد هذه الحياة دون أن ينتهي من التفسير، وإن كان قد قطع فيه مراحل طيبة والحمد لله.

وركز رحمه الله في تفسيره على قضايا العقيدة، وبشكل أخص قضايا العقيدة المعاصرة، فرد على شبهات أعداء الإسلام، ودحض أباطيلهم، وبدد أراجيفهم.

مرضه ووفاته

مرض رحمه الله، وأثقلته الأمراض، ومع ذلك كان يسافر شمالاً وجنوبًا، ويكتب ويؤلف، ويناقش ويرد، ويناضل ويناظر، حتى خطب خطبة في لندن في المركز الإسلامي، ومات في ذي القعدة سنة 1399هـ، ودُفن في الرياض.

رحم الله الشيخ الفاضل والداعية الجليل فضيلة الشيخ عبدالرحمن الدوسري، وغفر لنا وله وأدخلنا وإياه في عباده الصالحين.

………………………………..

المصادر:

  • الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله قاهر الماسونية 1332-1399هـ، صبري بن سلامة شاهين.
  • نبذة عن حياة الشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري، بقلم ولده إبراهيم عبدالرحمن الدوسري
  • عبد الرحمن الدوسري، المكتبة الشاملة.
  • جهود الشيخ عبد الرحمن الدوسري في توضيح عقيدة السلف والدفاع عنها، يحي بن محمد مباركي. “ماجيستر”.
  • حياة الداعية الشيخ عبد الرحمن الدوسري، سليمان بن ناصر الطيار. “ماجيستر”.
  • “عبدالرحمن الدوسري العلامة الذي سبق زمانه”، المجلة الشرعية.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد