اعتادت السجون المصرية تسليم جثث المسلمين لأهليهم كعمل روتيني بعد قتلهم مرضا وتضييقا وتعذيبا؛ ثم ينفّضون أيديهم استعداد لقتلى آخرين، بلا تبعة ولا تحرج ولا خوف من عقوبة..!

الخبر

“قالت مصادر حقوقية مصرية إن معتقلا سياسيا (مسعد زكي الدين سليمان الشهير “بمسعد البعلي”)، جديدا لفظ أنفاسه داخل محبسه، في ساعة متأخرة مساء أمس الأحد (8/3/2020)، وذلك على خلفية تعرضه للإهمال الطبي المتعمد رغم تدهور حالته الصحية.

وأوضحت أسرة المتوفي أن عائلها تعرض داخل محبسه في سجن وادي النطرون لإهمال طبي متعمد، وتعنّت في إدخال العلاج اللازم له. وأكدت أسرته، تقدمها بطلبات عدة إلى الجهات الرسمية في الدولة، ولمنظمات المجتمع المدني، ولكل من يهمه الأمر؛ بالتحرك لإنقاذ حياته، إلا أنهم واجهوا تعنتا شديدا من قبل إدارة مصلحة السجون.

ويضاف هذا الأسير إلى قائمة الوفيات في السجون المصرية التي بلغت منذ بداية العام الحالي (13).

وحسب تقرير حقوقي مشترك نشر نهاية العام الماضي، توفي (917) سجينًا (في الفترة بين يونيو/حزيران 2013 وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2019) بزيادة مفرطة خلال عام (2019)، حسب آخر تحديث حقوقي، بينهم (677) نتيجة الإهمال الطبي، و(136) نتيجة التعذيب.

كما يواجه الآلاف من المعتقلين السياسيين في السجون المصرية خطر الموت، على وقع تعرضهم للتعذيب والإهمال الطبي المتعمد، وقد تحولت السجون ومقرات الاحتجاز ـ منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 ـ إلى ما يشبه المقابر الجماعية بالنظر إلى المعاملة غير الآدمية، والتعذيب البدني والنفسي غير المسبوقين”. (1موقع “الجزيرة”،9/3/2020، على الرابط: في ثاني حالة بمارس.. وفاة سجين مصري جديد)

التعليق

لا يظن الناس أن يسجن الطغاة وأعوانُهم ومن يؤيدهم من الجماهير الغافلة أو المستغفلة أو المجرمة، لا يظنوا أنهم يسجنون أولياء الله ويقتلونهم أسرا ومرضا وقهرا وألما وتعذيبا؛ ثم يأخذون جثثهم فيدفنونهم، أو يسلمونهم لأهليهم في مشهد كأنه أصبح روتينيا..! ثم تمضي الحياة بلا نكير..!! فكم سأل ربنا تعالى عباده ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي كيف كان إنكار الله تعالى على أعدئه..؟

ولم يكن هذا  للماضي فقط، بل كان السؤال عما مضى لتوجيه القلوب والعقول نحو الاعتبار بما مضى ليحذورا فيما يستقبلون.

نعم إنك ترى الحياة تضج من حولك، ولا زال انشغال الغافلين بالحياة وتضاعيف تفاصيلها الكثيرة، ولا زالت ضحكات المجرمين والغافلين واللاهين تجلجل في الأنحاء.. فظنَّ من ظنَّ أن الأمر استتب للطغاة وأن الحياة تمضي في صالحهم وأنهم امتلكوا ناصية الأمور وأن لهم بقية الأيام والمستقبل، وظن مسيؤوا الظن بالله تعالى أن المؤمنين ـ وآلامهم وما يقاسونه ـ على هامش الحياة تتقلب بهم الأمواج ثم ترمي بهم بعيدا ليملأ الفراغَ لكع بن لكع، أو جاهل نزق، أو لص سارق، أو طاغية خائن، أو عميل فاجر.. وظن من ظن أن لهم الجولة الحالية وبقية الجولات مستقرةً لهم الأمور، وأن التاريخ يُطوى على الإسلام وأهله..

إنك إذا رأيت هذا وظننتَ، أو رأيت من يظن هذا؛ فاعلم أنه واهِم، وأن لله تعالى غضبته، وأنه يدافع عن الذين آمنوا، وأن ألم المجرمين قائم فهم يتألمون، وأنه لو قُسمت لهم جولة فهي مؤقتة لا دوام لها ولا أخوات.

وقد يكون في فيروس “كورونا” والفزع العالمي مثالا. وسواء كان مصطنعا أم حقيقيا، وإصابته لقواد الجيوش والسياسيين والإعلاميين والمشاهير والممثلين ونجوم الكرة وغيرهم.. وسواء كان بأسباب غير بشرية، أو بأسباب بشرية مقصودة في حرب بيولوجية فأذِن الله أن يسلط بعض المجرمين أو ينفذ بعض المكر بإذنه وعلمه تعالى عقوبةً للناس..

فالله تعالى قد يعاقب خلقه بعقوبة مباشرة بواسطة جنده من الملائكة، أو بواسطة بعض خلقه على بعض؛ كما قال تعالى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (الأنعام: 65).

وفي كل حال فلم يخرج خلقه عن قبضته ولم يخرجوا عن قَدَره ومشيئته فهو القائل ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 137)، وهو تعالى يأذن ببعض هذا البلاء ليرجعوا الى ربهم ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (المؤمنون: 76) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (الأعراف: 94).

إن أولياء الله الذين يتقلبون في ظلمات أَسْرهم، وحرارة وبرودة زنازينهم، وضيق محبسهم، وبُعدهم عن أولادهم وأهليهم، وأهم من هذا كله الحيلولة بينهم وبين دعوتهم التي هي قرة عيونهم، وعن نصرة دينهم وهو الذي نذروا أنفسهم له.. إن لهؤلاء الأولياء رباً يغضب لهم، ويثأر لهم كما يثأر الليث الحَرِب.

بل إن الله يُجري من أقداره لهم ما يفوق خيالهم وما لم يخطر ببالهم؛ فإنه تعالى أجاب دعوةً لعبده نوحا فأغرق الأرض بالكافرين، وأجاب دعوة وتوكلا لعبده إبراهيم فسلب من النار إحراقها وإتلافها، وأجاب دعوة محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر؛ فغلبت فئةٌ قليلة فئة كثيرة، ويجيب الله دعوة نبي الله عيسى فيهلك أمة بكاملها “يأجوج ومأجوج”. وهكذا؛ إن الله تعالى لا يُسْلم أولياه لأعدائه..

نذكر هذا مرة  بعد مرة، كلما فاضت روح مؤمن في أَسْره، ويتعالى الطغاة فرحا واستهانة، ويجلب الفساق بضجيجهم حتى لا يسمع الناس أنّاته ولا أنّات ذويه. وكلما طُعنت قلوب المسلمين بأسر العلماء والدعاة وموتهم مرضا أو كمدا أو بقهر الرجال في بلاد مصر أو بلاد الحرمين أو سائر بلاد المسلمين؛ نقول إن الجولة قائمة وكيد الله متين وقدَره جارٍ وسيكون ما يسُر المؤمنين.

خاتمة

قد يكون وباء “الكورونا” شيئا من التذكرة للخلق والعقوبة لما يلاقيه أولياؤه، ولجرائم أعدائه، سواء شاء الله أن يذيق بعض الناس بأس بعض في حروب بيويولجية واقتصادية وللحصول على الأموال، أو كان عقوبة سماوية محضة بلا تدبير؛ وقصْد البعض لحدوث هذا لا ينفي أنه بقدر الله وعلمه وإذنه.

إن العبرة قائمة في كل حال..

إن تقلُّب الأسرى في سجنهم أجر، وطعامهم وشرابهم، أجر، وكل حين يمر عليهم لهم فيه أجر.. ثم سيكون لهم من آيات الله ما يليق باجتماع العالَم عليهم وقدرة الله على العالمين.

……………………………..

هوامش:

  1. موقع “الجزيرة”،9/3/2020، على الرابط:
    في ثاني حالة بمارس.. وفاة سجين مصري جديد

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة