على وقع تصدع صخورٍ كانت لا تتزعزع، وانهيار عروشٍ كانت لا تُقهر، يفتح التاريخ صفحته الأكثر دموية وإثارة. هل نحن أمام مجرد أزمة جديدة، أم أننا شهود عيان على ولادة عالم مختلف بالكامل، حيث تنقلب الموازين، وتتبدل الأدوار، وتُكتب القواعد من جديد أمام أعيننا؟
من القمة إلى الحضيض: قراءة في انهيار التحالفات وصعود نظام عالمي جديد
انقلاب الموازين: حين تتفتت الصخور وتنهار العروش
كيف تفككت تحالفات كانت تُعدّ صُخورًا لا تتزعزع، وكيف انهارت لوبيات كانت تتربع على عرش القوة والنفوذ، فإذا هي فجأة أمثلة حية على انقلاب الدهر ومرور سنن الله في خلقه، من القمة إلى الحضيض، ومن الجبروت إلى الوهن؟
لقد بدأ العالم يشهد تحولًا جذريًا شاملاً، تغييرًا لا يبقي ولا يذر، سيُعيد تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية والعسكرية للكوكب بأسره. حتى منظمة أوبك، التي طالما حكمت أسعار النفط بقبضة من حديد، أصبحت فجأة بدون الإمارات، وفقدت السيطرة المطلقة على تدفق الذهب الأسود.
شرق أوسط يشتعل: سوريا وتركيا على مشارف الملاحم
تقف المنطقة المحيطة بسوريا وتركيا اليوم على أعتاب ملاحم تاريخية مرعبة. إنها بحر من الوقود يتطاير فوقه ملايين الشرارات، حيث تكفي أصغرها لتحرق الأخضر واليابس في لحظة واحدة.
العقلاء اليوم هم الأكثر حرصًا على إبطاء عقارب الساعة، يستثمرون الوقت ليستعدوا أكثر، في انتظار اللحظة الحاسمة التي يصبح فيها الانتظار نفسه خطرًا وجوديًا، ويغدو خوض المعارك والدخول في غمار الحروب أفضل قرار لحماية الأمن القومي للدول العربية والإسلامية.
فراغات كبرى: الصراع على ملامح النظام العالمي الجديد
العالم الذي يُعاد هيكلته اليوم، وتُعاد صياغة تحالفاته وأجنداته، سيخلق فراغات سياسية وأمنية وعسكرية شاسعة. والذين سيملأون هذه الفراغات، والذين سيبادرون إلى بسط نفوذهم بسرعة وحزم، هم وحدهم من سيحجزون لأنفسهم مكانة مرموقة في النظام العالمي الجديد.
وقد شكلت الحرب على إيران أفضل بوابة لصياغة ملامح هذا العالم الجديد. فإيران بعد الحرب لن تكون كإيران قبله، والمضيق بعد الحرب لن يكون كما كان، والاقتصاد العالمي أثناء هذه الحرب وبعدها سيولد من جديد.
تحالفات جديدة: تركيا ومصر والسعودية وباكستان في مواجهة التحدي
العالم يتغير، وكل شيء فيه يتغير تغييرًا لا عودة بعده. ولا شك أن هذه هي المرحلة التي يجب على كل دولة أن تتجاوز فيها خطوط خصومها الحمراء دون تردد.
فقد بدأت تركيا تعلن بكل صراحة عن ترسانتها الضخمة من الصواريخ والمسيرات القادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، وتدرب جنودها بالذخيرة الحية وتدريبهم بشكل دائم على أجواء الحرب.
والأعجب من ذلك كله تلك التدريبات المشتركة بين القوات الخاصة المصرية والتركية في ليبيا، إعلان صريح بأن صفحة جديدة قد فُتحت، وأن العدو أصبح واحدًا.
ما الذي دفع مصر وتركيا إلى التقارب السريع إلا إدراكهما أن التحدي القادم كبير، وأن مواجهته يتطلب تنسيقًا جماعيًا يشمل السعودية وباكستان وغيرهما؟ فإذا نجح هذا التحالف الوليد في تجاوز عقباته، فسيصبح حلفًا ماليًا وعسكريًا هائلاً، وربما نوويًا بوجود باكستان فيه، بل أقوى بكثير مما يتصور الكثيرون.
الصين وأمريكا: استراتيجية نقاط الاختناق
ولا يقتصر التغيير على الشرق الأوسط. فالصين تستعد لخطوات حاسمة تجاه تايوان، بينما تنتظر أمريكا سقوطها في الفخ. وقوات الفلبين وإندونيسيا تتربصان، واتفاقيات جديدة تُحاك لخنق شريان الصين الحيوي في مضيق ملقا.
الصين عملاق ضخم، لكنه يحمل نقاط ضعف حساسة، وأمريكا تعرف جيدًا كيف تضغط عليها. فقد فرضت على روسيا عقوبات غير مسبوقة، لكن روسيا نجت بنفطها وغازها. أما الصين فأكثر من نصف احتياجاتها من الطاقة يمر عبر طرق يمكن التحكم فيها.
استراتيجية “نقاط الاختناق” تُطبق اليوم في آن واحد: من هرمز إلى ملقا، ومن الكاريبي إلى أمريكا الوسطى.
غزة: قلب السرديات وطفرة انتشار الإسلام
العالم يتغير تغييرًا سيحدد شكله لعقود قادمة. شعوب صبرت أجيالاً تنتظر التغيير الذي يريحها، لكن التغيير له دومًا ثمن باهظ. وكما أثبتت أحداث 2011، فإن الشعوب التي تحركت دفعت أثمانًا غالية، وستظل تدفع حتى تبني واقعها الجديد.
نشأنا على أقوال علماء أكدوا أننا نعيش زمن التغييرات الكبرى التي ستكون في صالح الإسلام. وعندما كبرنا عاصرنا أحداثًا أثبتت أن ديننا قوة لا تُقهر، وصمودنا فكرة لا تُرد، وإيماننا قادر على قلب السرديات المضللة.
إن صمود أهل غزة وتكبيراتهم في وجه أبشع الجرائم أحدث انفجارًا هائلاً في انتشار الإسلام. أغلبية الذين يدخلون في الدين اليوم يشهدون أن رحلتهم بدأت من مشاهد غزة: شعب يكبر الله ويحمد ربه ولا يستسلم، رغم كل أنواع الأسلحة والجرائم التي ارتكبت أمام أعين العالم دون حساب.
سنة الله في خلقه: من الظلم إلى السقوط
العالم الذي رأى ما حدث في 7 أكتوبر وما تلاه، ورأى عالماً قبيحًا لا يعاقب المجرمين، هذا العالم سيتغير لا محالة. سيتغيّر لأنها سنة الله في خلقه: الظالمون مهما بلغت قوتهم، مصيرهم السقوط.
مفترق طرق تاريخي: فوضى خلاقة وفرصة للمسلمين
نحن اليوم نقف على مفترق طرق تاريخي خطير. عالم قديم ينهار بسرعة مذهلة، وعالم جديد يتشكل وسط نار الحروب وصراع الطاقة والممرات البحرية. كارثة الطاقة التي أطلقتها إغلاقات المضايق وفقدان أكثر من مليار برميل نفط متوقع لم تبدأ آثارها المدمرة بعد. المخزونات تتآكل، والشعوب ستجوع وتغضب، والثورات ستشتعل، والدول ستتهاوى أو تتحالف أو تتحايل أو تسقط بالانتفاضات والتمرد.
إننا مقبلون على مرحلة من الفوضى الخلاقة، حيث يسقط الضعفاء ويصعد الأقوياء، وتُعاد كتابة قواعد اللعبة من جديد. والغالب أن الإسلام والمسلمين، بعد عقود وقرون من التهميش والضغط، سيجدون أنفسهم أمام فرصة تاريخية ليكونوا فاعلين لا مفعولاً بهم في هذا العالم الجديد… بشرط الاستعداد والوحدة والثبات.
فالزمن يتسارع، والتاريخ يفتح صفحة جديدة. والسؤال: من سيملأ الفراغ؟ ومن سيكتب السرد الجديد؟ الله أعلم.
(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].
المصدر
صفحة علي عبد الرازق، على منصة ميتا.

