هذا المقال هو محاولة لتفكيك الخيوط، استنادًا إلى رؤية تحليلية للدوافع الإسرائيلية، والتحديات التي تواجهها، والفرص التي تستغلها، ومآلات الصراع في المنطقة التي باتت تعيش حالة من “اللاحل السياسي” و”الحسم الميداني”.
في أعنف مراحل التحول
منذ السابع من أكتوبر 2023، مرّت المنطقة بمراحل متعددة: هدنة، عودة إلى الحرب، حديث عن توقف، ثم انفجار جديد. واليوم، وبعد أكثر من عامين، نجد أنفسنا أمام مشهد إقليمي غريب ومعقد، يستدعي وقفة متأنية لفهم ما يجري من صراعات تمتد من غزة إلى لبنان، فسوريا، فإيران، وحتى دول القرن الأفريقي.
أولاً: كيف قرأ الإسرائيليون 7 أكتوبر؟
- انهيار نظرية الأمن الإسرائيلية
يمثل السابع من أكتوبر لحظة فارقة في الوعي الإسرائيلي، ليس فقط بسبب حجم الخسائر، بل لأنه قوّض ركائز “نظرية الأمن” الإسرائيلية التي تشكلت بمرور الوقت. أحد أبرز أركان هذه النظرية هو الإنذار المبكر، والذي فشل على ثلاثة مستويات:
المستوى الاستراتيجي: كان يفترض أن تستشف أجهزة الاستخبارات أن حماس تتجه نحو حرب، لكن التقدير الأمني والسياسي الإسرائيلي كان أن حماس “مرضوضة” وليست راغبة في مواجهة كبرى.
المستوى العملياتي: رغم أن حماس راكمت قوة ومقدرات عسكرية، لم يتوقع الجيش الإسرائيلي أن تنفذ عملية بهذا الحجم.
المستوى التكتيكي: فشل “الشاباك” والاستخبارات العسكرية في إعطاء إنذار بعملية وشيكة، رغم مؤشرات متعددة كتفعيل شرائح اتصالات ومقرات طوارئ ومنظومات إطلاق صواريخ، تم تفسيرها على أنها “مناورات تدريبية”.
- العودة إلى “روح 48“
المفاجأة التي حدثت في صبيحة 7 أكتوبر أعادت إسرائيل إلى مرحلة 1948. فهذه العملية لم تحدث داخل غزة أو الضفة، بل على أراضي فلسطين التاريخية ذاتها. شعرت إسرائيل بتهديد وجودي أكبر مما نتخيل:
خسائر هي الأكبر في تاريخها في يوم واحد (حوالي 1200 قتيل).
هجوم نفذه نحو 3000 مقاتل، عجزت عنه فرقة غزة بالكامل.
هذا الشعور بالخطر الوجودي دفع الولايات المتحدة وحلفاءها (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا) لإرسال سفن وتعزيزات وتضامن غير مسبوق.
- الاستنتاج الإسرائيلي: لا للتعايش مع أي سلاح
الدرس الأساسي الذي استخلصه صناع القرار في إسرائيل هو:
“لا يمكن السماح لأي قوة في المحيط – سواء كانت فصيلاً أو دولة – أن تمتلك مقدرات عسكرية يمكن أن تهدد إسرائيل في يوم من الأيام.”
بناءً على ذلك، أصبحت العقيدة الأمنية الجديدة تقوم على:
- نزع السلاح في غزة.
- نزع سلاح حزب الله في لبنان.
- نزع السلاح الثقيل من جنوب سوريا (من دمشق إلى الحدود).
- تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتقييد المدى الصاروخي، ووقف دعم طهران للفصائل.
ثانياً: ترتيب الأولويات: من غزة إلى إيران
- معركة غزة (أكتوبر 2023 – حتى الآن)
كانت البداية مع غزة. بعد ذلك، انتقل التصعيد إلى جبهة لبنان في سبتمبر 2024، ثم جاء الدور على إيران باعتبارها الداعم الأول لحماس والجهاد الإسلامي وحزب الله (بالمال، الخبرات، التدريب، الاستشارات).
الرؤية الإسرائيلية واضحة: بقاء النظام في طهران يعني أنه قادر على ترميم أي خسائر يتعرض لها حلفاؤه. لذا، فإن التخلص من الحالة التي أنتجت 7 أكتوبر يتطلب تغيير السلطة في إيران، أو على الأقل تغيير سياساتها.
- المطالب المطروحة على إيران
قبل الحرب، وبعدها، طرحت إسرائيل والولايات المتحدة مطالب على إيران عبر وساطات (باكستانية بشكل أساسي):
- تفكيك البرنامج النووي.
- تقييد المدى الصاروخي.
- وقف دعم الجماعات المسلحة.
في ظل تحييد الطبقة السياسية الإيرانية القديمة (المرشد خامنئي، لاريجاني، شمخاني، قائد الحرس، وزير الدفاع)، تسعى الإدارة الأمريكية إلى “بدء صفحة جديدة”. لكن إسرائيل ترى أن طالما بقي النظام على سياساته، فإنه سيعيد ترميم ما أصيب به.
- التصريح التركي الملفت
منذ أيام، صرّح هاكان فيدان (وزير الخارجية التركي ورئيس الاستخبارات سابقاً) بأن تقديره هو:
“ما يمنع إسرائيل من تنفيذ مخططاتها في سوريا هي الحرب مع إيران. فمجرد انتهاء مسار الحرب مع إيران، ستتجه إسرائيل لتفعيل رؤيتها في سوريا.”
وهذا يؤكد أن إسرائيل لم تعد تقبل التعايش مع أي مكون مسلح في محيطها، سواء كان دولة أو تنظيماً.
ثالثاً: الطموحات الإسرائيلية خارج إيران
- عودة مشاريع اليمين المتطرف
مع انشغال المنطقة بالحرب على إيران، تستعد إسرائيل لإعادة طرح مشاريع كانت مؤجلة:
- تهجير أهل غزة.
- الضم في الضفة الغربية.
- التوسع شمالاً إلى نهر الليطاني في لبنان.
- تشجيع مشاريع التفتيت في المنطقة (جنوب اليمن، الصومال، إلخ).
- الملف السوري: لا ثقة بالحكام الجدد
الرؤية الإسرائيلية تجاه الإدارة السورية الجديدة (بقيادة أحمد الشرع) تقوم على التشبيه بيحيى السنوار:
“مثلما أعطانا السنوار رسائل طمأنة من 2017 ثم فاجأنا في 2023، فإن الرئيس الشرعي يمارس خداعاً استراتيجياً. لا يمكن الوثوق به.”
لذا، تسعى إسرائيل إلى:
- منع وجود سلاح ثقيل في جنوب سوريا.
- إضعاف الجيش السوري الجديد.
- فرض منطقة عازلة، مع استمرار الاغتيالات والغارات اليومية.
رابعاً: التحديات التي تواجه الطموح الإسرائيلي
رغم كل الإنجازات الميدانية، تواجه إسرائيل تحديات كبيرة على مستويات متعددة:
- التحدي الميداني: لم يتحقق النصر الكامل
في غزة: لم تسلم الفصائل سلاحها، ولم تقبل بنزع السلاح، رغم تدمير 90% من المباني.
في لبنان: رغم اغتيال معظم قيادات حزب الله (حسن نصر الله، هاشم صفي الدين، وآخرين)، وتدمير الكثير من مقدراته، أثبت الحزب في المعركة الأخيرة أنه لا يزال يمتلك قدرات كبيرة. يقول رافي ميلو (قائد الجبهة الشمالية): “هناك فارق بين ما توقعناه وما وجدناه في الميدان”.
في إيران: شعار “استسلام بدون شروط” لم يتحقق، والأمور تتجه نحو التفاوض، وليس الإسقاط.
- التحدي الإقليمي: تحول النظرة إلى إسرائيل
أصبحت العديد من الدول ترى في إسرائيل تهديداً، حتى تلك التي انخرطت في مسارات التطبيع:
مصر: ترفض خيار تهجير أهل غزة رغم اتفاقية كامب ديفيد (1979).
تركيا: ترى تهديدات في العلاقات الإسرائيلية المتنامية مع اليونان وقبرص، والاعتراف بـ”أرض الصومال”، والتواجد التركي في الصومال وشرق المتوسط.
السعودية: لم تعد تتحدث عن تطبيع، بل نراها في تنسيق متزايد مع باكستان ومصر وتركيا.
باكستان: دورها أصبح أكبر في الوساطة وخطة ترامب لغزة.
الدول الأوروبية: إسبانيا تنتقد، إيطاليا ألغت اتفاقية تعاون عسكري مع إسرائيل، وحتى المجر (حليف نتنياهو) بدأ يشهد تغيراً في المشهد السياسي.
- التحدي الأمريكي: تململ متزايد
حتى داخل الولايات المتحدة، لم يعد الموقف مؤيداً بالكامل:
أصوات ديمقراطية متزايدة تنتقد.
جمهوريون (حتى من المقربين من ترامب) يعتبرون أن إسرائيل ورطت أمريكا في معركة ليس لها مصلحة فيها. شعار “أمريكا أولاً” يتعارض مع خوض حروب من أجل الآخرين.
- التحدي الداخلي الإسرائيلي: هجرة واستقطاب
منذ 7 أكتوبر، يعيش المستوطن الإسرائيلي حالة من عدم الاستقرار:
- صواريخ باليستية تسقط على المدن.
- جنود يُقتلون في غزة ولبنان.
- دعوات متكررة للاحتياط، تؤثر على الحياة المدنية.
- هجرة عكسية (125 ألف إسرائيلي غادروا منذ 2022 حسب بعض التقديرات).
- استقطاب حاد حول تجنيد الحريديم (مظاهرات حريدية رافضة).
- غموض حول المستقبل: إلى أين تتجه إسرائيل بعد كل هذه الحروب؟
هذا الشعور بعدم الأمن يضرب في صميم فلسفة قيام دولة الاحتلال التي قامت على توفير الأمن كبعد أساسي.
- التحدي الجيو-استراتيجي: استحالة القضاء على الخصوم
يرى بعض المحللين الإسرائيليين (مثل جوزيف/أوري بار يوسف) أن الجموح الحالي لحكومة نتنياهو سيجعل إسرائيل في صدام دائم، وأن فكرة القضاء على جميع الخصوم ثبت عملياً أنها مستحيلة وكلفتها كبيرة.
ففي محيط عربي وإسلامي، مهما قتلت، تظهر أجيال جديدة وأشكال جديدة للمقاومة:
منظمة التحرير ← الجبهة الشعبية ← حماس ← الجهاد الإسلامي ← حزب الله ← وغداً تجليات أخرى.
خامساً: ما الذي يحرك إسرائيل أكثر؟ التحالفات أم الإيديولوجيا؟
- دافعان أساسيان
الشعور بالخطر الوجودي بعد 7 أكتوبر: إسرائيل تعيش “حرب تأسيس ثانية” أو “حرب قيامة ثانية” كما يسميها نتنياهو.
صعود اليمين الإيديولوجي (سموتريتش، بن غفير): هؤلاء لا يخضعون لحسابات التكلفة والربح. لديهم رؤية مرتبطة بـ”آخر الزمان” و”مملكة إسرائيل”. حتى لو قلت لهم إن قرارهم سيؤدي لخسائر، يقولون: “لا يهم”. هم مثل تنظيم داعش من حيث الإيديولوجية الجامدة.
- فرصة تاريخية مع إدارة ترامب
ترى إسرائيل في ترامب فرصة ذهبية لأن:
- في ولايته الأولى: اعترف بالجولان، نقل السفارة إلى القدس، طرح “صفقة القرن”، أطلق “الاتفاق الإبراهيمي” (تطبيع بمعزل عن الحقوق الفلسطينية).
- بايدن لم يلغِ أي شيء مما فعله ترامب.
- ترامب عاد، ومعه فريق مقرب منه أغلبهم من الصهاينة أو الإنجيليين:
- جاريد كوشنر (صهره، يهودي صهيوني).
- ستيف ويتكوف (مبعوثه، صهيوني التوجه).
- السفير هاكابي (صهيوني إنجيلي يقول إن لإسرائيل الحق في السيطرة من النيل إلى الفرات).
- سوزان (مديرة موظفي البيت الأبيض، كانت مستشارة لنتنياهو سابقاً، وهي أقوى شخصيات الإدارة حالياً).
- ترامب نفسه ليس خبيراً استراتيجياً، والمحيطون به يزينون له القرارات لصالح إسرائيل، في مقابل دعم مالي ورجال أعمال مقربين.
- العلاقة الخاصة بين نتنياهو وترامب
هناك من يعزو انصياع ترامب لنتنياهو إلى “ملفات حساسة” أو “تسريبات” (لا توجد معلومات موثقة)، لكن الأكيد هو التقاء المصالح بين الفريق المحيط بترامب (معظمهم صهاينة أو إنجيليون) وبين أجندة نتنياهو.
سادساً: قراءة في الحرب على إيران (2025-2026)
- من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف
كان التقدير الأمريكي في بداية الحرب (فبراير 2026) أنها ستكون قصيرة:
- 4-5 أيام ← ثم 4 أسابيع ← ثم 6 أسابيع وما زالت مستمرة.
- نظام الملالي لم يسقط.
- إطلاق الصواريخ الباليستية مستمر.
- ترامب وصل إلى مرحلة التهديد بتدمير البنية التحتية لإيران.
- منعطف خطير: تدمير متبادل أم تفاوض؟
وصلت الأمور إلى مفترق طرق:
الخيار الأول: تدمير البنية التحتية المتبادل (يضر الجميع، بما في ذلك دول الخليج).
الخيار الثاني: عمل بري داخل إيران (لا يريده ترامب لأنه يحول الحرب إلى استنزاف، وحتى وزير الخزانة البريطاني قال: “أمريكا دخلت حرباً بلا خطة للخروج”).
- التفاوض الباكستاني: رغبة أمريكية وإيرانية
التقت الإرادة الأمريكية والإيرانية في البحث عن حل:
– أمريكا تريد إنهاء الحرب بعد إلحاق ضرر كبير يلين الموقف الإيراني.
– إيران تريد إنهاء الحرب مع بقاء النظام (لتسوقه كمكسب).
الوساطة الباكستانية أدت إلى جولة مفاوضات، لكن المطالب ما زالت متباعدة:
– أمريكا: تفكيك البرنامج النووي، تسليم اليورانيوم المخصب، إنهاء التخصيب.
– إيران: تجميد التخصيب لسنوات (5 إلى 10 سنوات) مع التفاوض على النسبة.
- هل نعود إلى الحرب؟ الاحتمال قائم
مع استمرار التباين، واحتمال فشل التفاهم، تبقى العودة إلى الحرب واردة. لكن كلا الطرفين لا يريد العودة لمزيد من التصعيد وتدمير المقدرات. وقد يؤثر التباين بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي على المشهد.
كما قال مائير بن شبات (مستشار الأمن القومي الإسرائيلي سابقاً) في مقال بمعاريف:
“ينبغي أن نقول الحقيقة: لن يحدث استقرار لإسرائيل إلا بزوال نظام الملالي في طهران.”
طالما النظام موجود، ستظل إسرائيل في حالة صراع معه، حتى لو حصلت هدنة مطولة. وترامب نفسه أشار إلى أن عدم الوصول لحل يعني إعادة الحرب كل 5-10 سنوات.
سابعاً: نماذج من الاتفاقات الإسرائيلية المنتهكة
تكشف تجارب غزة ولبنان وإيران نمطاً واضحاً: إسرائيل توقع اتفاقيات ثم لا تلتزم بها.
- نموذج غزة
نوفمبر 2023: اتفاق هدنة قصيرة، ثم تجددت الحرب.
يناير 2025: اتفاق بضغط ويتكوف، ثم انتهكته إسرائيل وعادت للحرب بعنف.
خطة ترامب (20 نقطة): تقوم على نزع سلاح غزة، لكن إسرائيل لم تلتزم ببنود المرحلة الأولى، والمتداول عسكرياً أن هناك عملية عسكرية جديدة قادمة.
- نموذج لبنان
نوفمبر 2024: اتفاق وقف إطلاق النار، ينص على انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني، ونزع سلاحه، وآلية (ميكانيزم) أمريكي-فرنسي لمتابعة التنفيذ.
خلال 15 شهراً: إسرائيل لم تلتزم، بل شنت غارات واغتيالات، ومنعت عودة السكان، بينما لم يطلق حزب الله طلقة واحدة تجاه إسرائيل.
- نموذج إيران
حرب 2025 (12 يوماً): تدخلت أمريكا بقصف منشآت نووية، وادعى ترامب أنه دمر البرنامج النووي (حتى عندما شككت استخبارات الدفاع الأمريكي).
2026: شن حرباً جديدة، بحجة منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
الخلاصة: إسرائيل تعتبر الاتفاقات “مؤقتة” ومن حقها خرقها
حتى في حال الوصول إلى اتفاق، لا تلبث إسرائيل أن تتنصل منه، وتبرر خرقها بمصالحها، ولا تحاسب على ذلك دولياً.
ثامناً: ماذا عن حزب الله؟
تعرض حزب الله لضربات قاسية في 2024:
- تفجيرات البيجر اللاسلكي.
- اغتيال حسن نصر الله، ثم هاشم صفي الدين.
- اختراق واسع لمنظومة الاتصالات.
- اغتيال نحو 450 من كوادره وعناصره خلال 15 شهراً.
- استراتيجية الحزب بعد الحرب
- إعادة بناء وضعه الداخلي بما يتلاءم مع دروس الحرب لتفادي الانكشاف.
مراقبة ملفين حاسمين:
سوريا: شريان الإمداد الرئيسي من العراق عبر إيران. كيف سيتشكل المشهد في سوريا؟
إيران: مستقبل النظام. سقوط طهران يعني تفكك الحزب.
هل يدخل الحزب المعركة؟
آلية التفكير لدى الحزب تقول:
“صبرت 15 شهراً وأنا أتعرض للاستهداف. إذا دخلت المعركة الآن، وثبت أن إيران صامدة، فسأحسن وضعي الداخلي والتفاوضي مع إسرائيل.”
صراع الربط والفصل
إيران: تريد ربط وقف النار في لبنان بوقف النار معها، لتظهر أن الحزب لعب دوراً إيجابياً يحسن وضعه الداخلي أمام الحكومة اللبنانية والحاضنة المجتمعية.
إسرائيل: تريد فصل مسار لبنان عن مسار إيران، وتريد تفاوضاً مباشراً مع الحكومة اللبنانية، بل تصل إلى المطالبة بتصنيف حزب الله “تنظيماً إرهابياً” من قبل الحكومة اللبنانية نفسها.
إذا استمر هذا الوضع، قد يؤدي إلى تفجر المشهد الداخلي في لبنان، خاصة أن شخصيات مثل نبيه بري (رئيس مجلس النواب وقائد حركة أمل) رفضت قراراً لبنانياً بطرد السفير الإيراني سابقاً. فالتركيبة السياسية اللبنانية الهشة قد تنهار تحت وطأة الضغط الإسرائيلي والداخلي.
تاسعاً: لماذا الحل السياسي غير واقعي؟ (من غزة إلى السودان)
الحقيقة المرّة التي تشير إليها التجارب في المنطقة هي:
“الصراعات في منطقتنا لا تُحل سياسياً، بل تُحسم ميدانياً.”
- نموذج فلسطين
كان هناك مسار لحل الدولتين. اليوم إسرائيل ترفضه، وسموتريتش يدعو لحل السلطة الفلسطينية ويحتجز أموال الضرائب.
خطة ترامب لغزة لا تقدم أي رؤية سياسية: فقط نزع سلاح مقابل وقف غارات وانسحاب جزئي وإبقاء شريط أمني إسرائيلي.
- نموذج لبنان
الحل المطروح هو “نزع سلاح حزب الله”، وهو يعني جعل الحزب “مستباحاً” لأطراف خصمة (كالقوات اللبنانية)، وتصنيفه كتنظيم إرهابي. هذا ليس حلاً سياسياً، بل إخضاع بالقوة.
- نموذج سوريا
حتى مع محاولات وسطاء، تظل الرؤية الإسرائيلية قائمة على:
- منع السلاح الثقيل في الجنوب.
- منع أي منظومات دفاع جوي متطورة.
- دفع باتجاه تقسيم سوريا أو تفتيتها.
- نماذج إقليمية أخرى
أوكرانيا: بدأت فبراير 2022، وخمس سنوات من المحاولات فشلت في الوصول لحل سياسي.
السودان: بدأت أبريل 2023، مؤتمرات برلين ولندن وجدة لم تسفر عن شيء، لأن الحل السياسي الذي تريده أمريكا (العودة لما قبل 2023) غير ممكن داخلياً.
ليبيا: الانقسام مستمر، ولا حل سياسي يرضي غرب البلاد وشرقها.
اليمن: حُسم ميدانياً بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية.
القاعدة الذهبية
“طالما هناك غبن وتغول، سيظل الصراع قائماً، وستظل المعارك مشتعلة.”
آخر 3-4 سنوات شهدت زيادة هائلة في حجم الحروب، أكبر مما كان سابقاً. حتى رئيس وزراء كندا قال في تصريحات متكررة:
“النظام الدولي الذي عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية يندثر ويتفكك، ونحن في مخاض ميلاد نظام دولي جديد.”
الخاتمة: منطقة بلا استقرار قادم
من القرن الأفريقي (إثيوبيا-إريتريا، الصومال، السودان) إلى ليبيا، فلبنان، فسوريا، فالعراق، فإيران، واليمن.. كلها أصبحت ساحات لصراعات متعددة، مترابطة، وغير قابلة للحل السياسي في المدى المنظور.
إسرائيل، بدافع الخطر الوجودي وفرصة ترامب وإيديولوجية اليمين المتطرف، تقود مشروعاً لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة، وتعتبر أن “السلام بالقوة” كما يسميه ترامب هو الحل. لكن التاريخ يعلمنا أن القوة لا تنتج سلاماً مستداماً، بل تنتج مزيداً من الغبن، الذي ينتج مزيداً من المقاومة، في حلقة لا نهاية لها.
والسؤال الذي يبقى معلقاً بين إيران وواشنطن والعواصم العربية والإسلامية:
هل يمكن وقف هذا التصعيد قبل أن تتحول المنطقة بأسرها إلى ساحة حرب مفتوحة، أم أننا مقبلون على عقد كامل من الصراعات التي لا تعرف إلا الحسم الميداني؟
المصدر
ملخص كتابي لمحاضرة قيمة: “ما الذي تريده إسرائيل فعلا؟” ألقاها الأستاذ أحمد مولانا، جرى تفريغها وتنظيمها في نقاط رئيسية لتكون أقرب إلى قالب المقال الصحفي.
اقرأ أيضا
انقلاب تاريخي” ضد الهيمنة الإسرائيلية على مراكز الحكم الأمريكية

