في عصرنا هذا أخذت شبهة ترك المنافقين بعداً آخر، فإن غالب من كتب عن حرية الرأي، أو شرعنة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو إنكار حد الردة، تحت ضغوط الأيديولوجيا الغربية فإنك تجده يحتج بشبهة ترك النبي ﷺ للمنافقين…
إشكالية الاستدلال بترك النبي للمنافقين: قراءة تاريخية ونقدية
تتمتع شبهة ترك الرسول للمنافقين بتاريخ متقدم نسبياً، حيث كانت تستعمل هذه الشبهة كواحدة من أهم الأدوات لتعطيل العقوبات الشرعية، والتشويش على جهود المصلحين والمحتسبين.
موقف الإمام محمد بن عبدالوهاب من الشبهة
ومن أئمة الدين الذين تمت مواجهتهم بهذه الشبهة الإمام محمد بن عبدالوهاب، حيث كان هناك طالب علم يقال له (أحمد بن عبدالكريم) وهو من أهل الأحساء، وفي بداية أمره نصر التوحيد وعارض سدنة القبور، ثم إن عدداً من دعاة الشركيات أغروه بشيء من الدنيا فانتكس، ثم راسل الشيخ محمد بن عبدالوهاب يخبره بتراجعه عن مواقفه الأولى واحتج بجملة أمور منها أن النبي ﷺ ترك المنافقين.
فرد عليه الشيخ محمد بن عبدالوهاب برسالة موجودة في الرسائل الشخصية للشيخ وهي الرسالة الثالثة والثلاثون، يقول الشيخ محمد رحمه الله:
“ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر، أما استدلالك بترك النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم؛ فقد عرف الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمةً واحدة أو فعلاً واحداً من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد أنهم يقتلون أشر قتله، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة؛ فقل لي”1(1) الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ص215.
تطور الشبهة في العصر الحديث
وفي عصرنا هذا أخذت شبهة ترك المنافقين بعداً آخر، فإن غالب من كتب عن حرية الرأي، أو شرعنة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو إنكار حد الردة، تحت ضغوط الأيديولوجيا الغربية فإنك تجده يحتج بشبهة ترك النبي ﷺ للمنافقين، ولا يمكن عرض كل من استعمل هذه الشبهة، لكن يمكن لنا أن نشير لبعض النماذج:
رشيد رضا وموقفه النقدي من الشبهة
من الواضح أن هذه الشبهة طرحت وراجت مبكراً منذ أيام ما يسمى برموز النهضة الأوائل كالأفغاني وعبده، والعامل الذي يوحي بذلك أننا نجد الأستاذ رشيد رضا (ت1935م) يرد على هذه الشبهة في مواضع من تفسيره، ومن نماذج ذلك قول الأستاذ رشيد رضا:
“فإن قيل إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الإسلام في معاملة أهل الكتاب أن يسمح للمنافقين بأن يظهروا كفرهم؟ قلنا: إن الجمع بين إظهار كفرهم وحسبانهم من المسلمين، لهم ما لهم من الحقوق وليس عليهم ما عليهم من الواجبات؛ تناقض لا يقول به عاقل.
فإن قيل: إن القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم، ولم ينفذ النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم أحكام المرتدين عن الإسلام، بل بقي يعاملهم هو وأصحابه معاملة المسلمين؟ قلنا: إن ما بينه الله تعالى من حال المنافقين إنما كان وصفا لأناس غير معينين بأشخاصهم.
وكان الذين عرف النبي ﷺ وبعض أصحابه أشخاصهم قليلين جداً”2(2) تفسير المنار، سورة التوبة، ص129.
نماذج بارزة من المستشكلين المعاصرين
عبدالمتعال الصعيدي: بين مشروعين فكريين
ومن أوائل من استعمل هذه الشبهة –أيضاً- الشخصية الأزهرية الجدلية عبدالمتعال الصعيدي (ت1966م) في كتابه (الحرية الدينية في الإسلام)، وقد لاحظت أن عدداً من مؤرخي الفكر السياسي العربي اعتنوا بأطروحات الصعيدي، لكن اللافت أن الصعيدي نفسه في كتابه الآخر (السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين) المنشور 1961م دافع فيه دفاعاً مستميتاً عن حرب أبي بكر للمرتدين 3(3) السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، عبدالمتعال الصعيدي، ص60.
الدكتور أحمد صبحي منصور: من الأزهر إلى العلمانية
وممن استعمل هذه الشبهة –أيضاً- الدكتور المصري المعروف أحمد صبحي منصور وهو من غلاة العلمانيين، وكان مدرساً بجامعة الأزهر، ثم طرح عدة كتب تضمنت إنكار السنة النبوية، فجرت بينه وبين علماء الأزهر سجالات انتهت بفصله من الوظيفة عام 1987م، وكان لهذه الحادثة دوي وضجيج في الساحة الفكرية المصرية، فاستمر حانقاً على علماء الأزهر، وفي عام 1994م نشر دراسة بعنوان (حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين) وحاول أن يؤسس فيها مفهوم الحرية بناء على آيات المنافقين، ويقول الدكتور في إشارة لمن انتقده: (رددت عليه بأني استشهد بآيات القرآن الكريم وهي التي تضمنت تقريراً كاملاً عن حرية المنافقين القولية والفعلية، وأمر النبي والمؤمنين بالإعراض عنهم).
وقد استمر الدكتور أحمد صبحي منصور في عرض هذه الشبهة في كتبه الأخرى ومنها كتابه عن (الحسبة) الذي نشره عام 1995م حيث يقول فيه:
“كان تآمر المنافقين يبلغ درجة الخيانة العظمى حيث كانوا يتحالفون مع أعداء الدولة، أو يتآمرون معهم ضد المسلمين وقت الحرب، أي أنه كانت للمنافقين كأفراد وجماعات حرية المعارضة للدين والدولة كيفما شاؤوا، وكان القرآن ينزل يحكم بكفرهم، ويفضح تآمرهم، ولكن يأمر النبي والمؤمنين بالإعراض عنهم، اكتفاء بما ينتظرهم من مصير بائس يوم القيامة”4(4) الحسبة: دراسة أصولية تاريخية، د. أحمد صبحي منصور، ص61.
الدكتور حاكم المطيري: من الحرية إلى الفرقان
وفي عام (2003م) نشر الدكتور حاكم المطيري كتابه ذائع الصيت (الحرية أو الطوفان)، لكنه في سبيل شرعنته لمفهوم الحرية الغربي فإنه لم يشر إلا إشارة عابرة لكون النبي ﷺ لم يتعرض للمنافقين5(5) الحرية أو الطوفان، د. حاكم المطيري، ص61 بينما كثف تأصيله على ما ذكره الفقهاء من الحالات التي لا يقاتل فيها البغاة والخوارج، وبعج هذه الحالات ومططها وأخرجها عن سياقها ليركز فوقها مفهوم الحرية الغربي، والحقيقة أن الدكتور حاكم بعد كتابه الأخير (الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان) المنشور في 2010م اتضح فيه بشكل حاد مناقضته الجوهرية لتيار التنويريين والإصلاحيين في مسائل (التكفير والخروج) واقترابه من لغة عبدالسلام فرج صاحب الفريضة الغائبة.
الدكتور طه جابر العلواني وتوظيف الشبهة
وفي عام 2006م نشر الدكتور طه جابر العلواني بحثاً بعنوان (لا إكراه في الدين) احتج فيه على الحرية وتعطيل حد الردة بجملة أمور منها ترك النبي –صلى الله عليه وسلم- قتل المنافقين.
الكتابات الإلكترونية وتأثير المنتديات
ثم إن الكاتب الإنترنتي المعروف زائر الوسطية (=سعيد الكثيري) قام بتصميم كتاب نشره قبل عدة سنوات على شبكة الإنترنت اسمه (تجديد فهم الوحي) (www.tajdeedat.com) وقد رأيته أول مرة على الشبكة عام 2007م ولا أدري هل وجد قبل ذلك أم لا، وذكر فيه آيات النفاق محتجاً بها على الحرية، وكان يستل منه أجزاءً ويعيد حقنها في المنتديات الحوارية بشكل دوري، ويستغل غالباً أي جدل يثار هنا أو هناك في المنتديات الحوارية ليدخل في الجدل ويقحم أجزاءً من مادة كتابه6(6) انظر مثلاً ذات آيات النفاق نشرها بمنتدى محاور بتاريخ 21/4/2007م.
زائر الوسطية (سعيد الكثيري) ومشروع تجديد فهم الوحي
ثم في فترة لاحقة قامت الشبكة العربية للأبحاث والنشر بطباعة هذا الكتاب بنفس العنوان (تجديد فهم الوحي) لكن وضعوا للمؤلف اسماً مستعاراً آخر وهو (إبراهيم الخليفة).
عرض وتحليل لنصوص إبراهيم الخليفة
وسأعرض جزءاً مختصراً مما قاله الأستاذ ابراهيم الخليفة (=زائر الوسطية) في كتابه هذا حول دلالة آيات النفاق على الحرية، يقول المؤلف:
(لقد قال المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفعلوا أسوأ مما قاله وفعله الكثير من المخالفين للدين في عصرنا.
ماذا كان يقول المنافقون في عهد الرسول عن أنفسهم وعن الصحابة؟!.
كانوا يقولون إنهم مصلحون، ويصفون الصحابة بأنهم سفهاء:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ)
المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله:
(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)
المنافقون كانوا يدعمون أعداء مجتمعهم ولو بالأقوال والآراء والوعود:
(أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُـونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْـلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ).
كان المنافقون يكذبون على الرسول: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ)
كانوا كافرين بالفعل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا).
كانوا يرفضون استغفار الرسول لهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ)
كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا).
في قلب الأزمات كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).
كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَـا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا).
بعض المنافقين لم يكونوا يشككون في نزاهة الصحابة أو العلماء والقضاة، بل كانوا يشككون في نزاهة الرسول:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُـوا مِنْهَا رَضُـوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَـوْا مِنْهَا إِذَا هُـمْ يَسْخَطُونَ).
بعض المنافقين كانوا يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس:
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)؟
هل يتحمل الموقف من قيمة الحرية أي اختلاف أو توقف أو تحفظ؟.
وهل تكفي الآيات التي تم عرضها لإثبات مشروعية وضرورة إعادة ترتيب سلم القيم؟!.)7(7) تجديد فهم الوحي، إبراهيم الخليفة، ص447، مع حذف بعض الفقرات.
نواف القديمي وإعادة إنتاج الخطاب
وممن تابع هذا الاتجاه الأستاذ نواف القديمي، حيث أعاد عرض ذات المادة التي صاغها زائر الوسطية -مع شيء من الاختصار- في ثلاثة مواضع: في كتابه أشواق الحرية8(8) أشواق الحرية، نواف القديمي، ص56 حيث استعارها القديمي للرد على موقف السلفية من الديمقراطية، ثم استعار ذات المادة مرةً أخرى في مقالته (على هامش فتوى البراك) وكانت رداً على فضيلة الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك، ثم استعارها مرةً ثالثة في مقالته (هامش الحرية والورطة أمام النص الشرعي) للرد على المشايخ الفضلاء (فهد العجلان، محمد القصاص، بدر باسعد، عبداللطيف التويجري).
وفي كل المواضع الثلاث لم يشِر الأستاذ القديمي للمصدر الذي استعار منه هذه المادة.
الهوامش
(1) الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ص215
(2) تفسير المنار، سورة التوبة، ص129
(3) السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، عبدالمتعال الصعيدي، ص60
(4) الحسبة: دراسة أصولية تاريخية، د. أحمد صبحي منصور، ص61
(5) الحرية أو الطوفان، د. حاكم المطيري، ص61
(6) انظر مثلاً ذات آيات النفاق نشرها بمنتدى محاور بتاريخ 21/4/2007م
(7) تجديد فهم الوحي، إبراهيم الخليفة، ص447، مع حذف بعض الفقرات
(8) أشواق الحرية، نواف القديمي، ص56
المصدر
دراسة للشيخ إبراهيم السكران بعنوان: “شبهة حرية المنافقين”، بتصرف.
اقرأ أيضا
من هو الحر..؟ وما حقيقة الحرية..؟

