الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
تنتشر في هذه الأيام وبصورة موسعة حلقات تذيعها منصة “مجتمع”، تستضيف باحثين يتناولون كتاب الله عزّ وجلّ بالتفسير، وينتهجون في تفسيرهم منهج المدارس اللسانية في الغرب، إذْ يُقْصون التراث كلّه بما فيه السنة النبوية، ويتعاملون مع النصّ القرآنيّ منفردًا، ويزعمون أنّهم يفسرون باللسان العربيّ عن طريق وضع النص القرآنيّ في سياقه التاريخيّ مع مراعاة تطور الأيديولوجيا السياسية وأثرها في تشكل معنى النصّ.
وقد تتبع بعض أعضاء اللجنة مخرجات هذه المحاولات؛ فوجدوها جميعًا تصبّ في اتجاه إفراغ الإسلام من مضمونه، وتحويل الشريعة إلى منظومة توجيهات مدنية، فالإسلام ليس سوى كفّ الأذى عن الناس، والإيمان لا يعدو كونه حالة يأمن فيها الناس على أنفسهم وأموالهم من أذى الآخرين .. وهكذا، وحيال هذه المهزلة أصدرت اللجنة هذا البيان؛ لتؤكد فيه على ما يلي:
أولا: هذه الطريقة المتبعة في المنصة المذكورة ليست جديدة ولا مبتكرة، وإنّما هي أثر من آثار الفكر الذي ينشره الحداثيون العرب، ومن تأمّل أقوالهم وأقوال أساتذتهم من الحداثيين العرب وجدها لا تخرج عن أقوال المستشرقين الأوائل، من أمثال: جولدتسيهر وشاخت وأرنست رينان ونيللينو ومرجليوث وبروكلمان ومكدونالد وغيرهم، هؤلاء المستشرقون – عندما اضطروا صاغرين للإقرار بسلامة النصّ القرآني من التحريف والتبديل – أرادوا بخبث ومكر أن يطبقوا على هذا النصّ العزيز مناهج المدارس التي نشأت في الغرب لدراسة النصوص الدينية والقانونية والأدبية، فاستعاروا من تلك المدارس أدوات مثل الفيلولوجيا والهرمنيوطيقا وغيرها، من الأدوات التي تقوم على الحفر البنيوي والتفكيك اللساني للنص نفسه بمعزل عن التراث الذي أحاط به، عبر مراحل يسودها منهج الشكّ المعرفيّ، واستدعوا معدات “شلايرماخر” و”دلتاي” و”هايدغر” و”غادامير” و”دي سوسير” و”ليفي ستراوس” و”ميشيل فوكو”؛ لتكون طريقة علمية يفسرون بها القرآن بعد عزله عن التراث الإسلاميّ بما فيه السنة النبوية المباركة، فهذه “شنشنة نعرفها من أخزم”.
ثانيًا: لقد غفل هؤلاء – أو بالأحرى تغافلوا – عن حقيقة واضحة وضوح الشمس الساطعة، وهي أنّ تراث الأمة الأوربية شيءٌ، وتراثُ أمّتنا شيء آخر مختلف؛ فتراثنا نشأ ونَمَا عبر تراكمية علمية، تواصلت مراحلها، واطَّرَد تيَّارُها الجارف، بلا انقطاع يفصل اللاحق عن السابق، ولا اضطراب يضعضع الطريق أو يخلخل المسار، هذه المسيرة المباركة توسطها الإسناد كما يتوسط العمود الفقريّ جسد الإنسان الكامل، وعَضَّدَها تواترُ الهيكل العامِّ لشريعة الإسلام والنظام الكلّيِّ للدين الإسلاميّ، تواترًا يجعل من هذا الهيكل العام وهذا النظام الكليّ قوةَ جذب كتلك التي تتوسط المجرة وتنتظمها فتمسكها من الاندثار وتحْرِزُها من الانحلال، هذه هي الحقيقة التي تُعَدُّ مصدر قوة وثقة لهذه الأمة كما تُعَدُّ شاهد حقّ وعدل على جدارة هذا الدين بأن يكون رسالة عالمية خاتمة، ولولا ذلك لما تحقق لهذه الأمة ما وصفها الله به: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143).
وعلى كثرة النوائب التي حلّت بالأمة منذُ نشأتها إلى يوم الناس هذا؛ لا يمكن لدراسة جادّة صادقة أن تقف على هوة في المسيرة تمثل انكسارًا حادًّا أو انقطاعًا صارخًا، فلم تزل حلقات الإسناد متصلة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصر التدوين، بل وظلّت ممتدة حتى طعنت في القرون المتطاولة بعد عصر التدوين، ومنذ عصر التدوين – بل قبله – لم تزل طبقات الفقهاء وطبقات المحدثين وطبقات المفسرين وطبقات المذاهب، لم تزل متصلة، كل طبقة تسلم إلى التي تليها وتمسك بذيل التي تسبقها، فكل راو في كل طبقة وكل فقيه في كل مذهب معروف من هم شيوخه ومن هم تلاميذه وفي أيّ مرحلة يقع إنتاجه.
أمّا ما خلا أمة الإسلام من الأمم فالأمر فيها على الضدّ والنقيض، والفرق بين تراث المسلمين وتراث أهل الكتاب كالفرق بين قلعة صلاح الدين في القاهرة وآثار قوم لوط في قرى المؤتفكات، فلا يعرف لأي كتاب عندهم ينسب إلى الربّ سند ولو كسند الحديث الضعيف عندنا، وهذا هو العامل الحاسم في توجه العلوم الإنسانية في الغرب إلى آلات الحفر المعرفي؛ عَلّها تقترب من بعض اليقين في بعض ما حملته المسيرة العلمية والدينية والأدبية من آثار.
أمّا نحن فلسنا بحاجة إلى شيء من ذلك؛ وما حاجة الصحيح لدواء العليل؟! ولو قال أحد بأنّه بالإمكان استيراد بعض أجزاء من هذه المعدات وتركيبها في جسم “أصول الفقه” بشروطنا لا بشروط المورِّد؛ فلربما ساغ ذلك عند بعض علمائنا؛ لا لفقر وعوز من شحة آليات الفهم والاستنباط، فقد حوت علوم الحديث وعلم أصول الفقه وعلوم القرآن على ما يكفي ويفي.
ثالثًا: القرآن والسنة قَرِينَان لا يفترقان حتى يفترق في القلب النابض الشقّان، وفي المخ النابه الفصّان، ولا ينفصل الثاني منهما عن الأول إلا إذا انفصلت النخلة الباسقة عن أصلها، والنبتة اليافعة عن جذرها، ولا يعامل أحدهما بإدناء أو إقصاء إلا دخل الآخر معه في المعاملة ذاتها بلا فرق، ولا يُقصَدُ أحدهما بإقرار أو إنكار إلا كان القصد شاملاً لهما جميعاً بلا تأخير لأحدهما ولا تقديم للآخر، هذه الحقيقة أمر بدهيّ في منطق العقل وفي خطاب الوحي وفي مجرى الشرع.
فليس الرسول – وحاشاه – بوقاً يتلو على الناس كلمات الله ثم يمضي، ويتركهم في مواجهة النصّ الإلهيّ بلا بيان يُستَفاد ولا تطبيق يُحتَذَى، وهذا الذي ينفيه العقل ويحيله ينفيه كذلك الواقع التاريخيّ المنقول بالتواتر ويحيله؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ، ويُفَصِّل ما أُبْهِم، ويطبق ما في الكتاب وينفذه، ويُشَرِّعُ ويأمر، وينهى ويزجر، ويعظ ويذكر، ويربي ويجاهد، ويقود الجيوش، ويسوس المجتمع، ويتحرك في الحياة في جميع اتجاهاتها تحرك القدوة الذي لو تمثل القرآن رجلاً لم يكن إلا شخصه الكريم العظيم، وكان في جميع حركاته وسكناته قدوة يُقْتَدى وأسوة يُحْتَذَى، وقرآناً يمشي على الأرض.
فهل وقع كل هذا ليخرج علينا وعلى الناس من يقول: أمَّا ما أنزل على هذا الرسول من الكتاب فهو فوق رؤوسنا، وأمَّا ما قاله هو وما فعله فمكانه خلف ظهورنا؟ إنَّ الكتاب والسنة صنوان لا يفترقان، ووحيان لا ينفصلان، فمن كان واضحاً صريحاً أخذهما جميعاً أو تركهما جميعا! أمَّا من رام المراوغة ودخل في مسارب متعرجة وشعاب ملتوية فلن يجد من الخلق بعد طول الجهد إلا النفور والصدود.
هذه الجملة الآنفة متسقة تمام الاتساق، ومنسجمة غاية الانسجام، ومستقيمة في العقل والشرع والواقع والتاريخ، وقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم – إلى جانب البلاغ العام لما أوحي إليه – بالتربية والتدريس والتطبيق العمليّ لمقتضى الوحي حقيقةٌ أكدها الكتاب العزيز – الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – ففي أربعة مواضع منه يأتي النصّ على ثلاث وظائف رئيسية تنبثق منها كل المهام الرسالية، وَلَمْ تُمَثِّلْ تلاوة آيات الكتاب بما تحمله من معاني البلاغ العام سوى وظيفة واحدة من هذه الوظائف الثلاثة:
قال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة 129)
وقال سبحانه: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة 151)
وقال عزَّ وجل: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران 164)
وقال جلَّ شأنه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الجمعة 2).
وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الوظائف الثلاثة وما يتفرع عنها خير قيام، فكان يتلو ويبلغ، ويزكي ويربي ويبني، ويُعَلِّم ويفهم ويدرس، وطبيعيّ ومنطقيٌّ أن يرث الأصحاب عنه تراثاً ضخماً مرتبطاً بالكتاب ارتباط الدوحة الغناء بأصلها وجذعها، هذا الميراث سنة وحكمة؛ سنة لأنَّه منهج وطريق صاحب الرسالة، وحكمة لأنه منبثق من فهم صاحب الرسالة لرسالته، ومُحالٌ أن يكون هذا عملاً بشرياً محضاً منقطعاً عن الكتاب؛ إذ لم تكن العلاقة بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين الكتاب علاقة بين عقل ونص التقيا على غير ميعاد فتفاعلا كما يجري في كثير من التجارب البشرية العابرة، وإنما كانت علاقة بين رسولٍ ورسالةٍ أُرْسِلَ بها، بين رسول أُمر بأن يُبَيِّن للناس ما نُزِّلَ إليهم: (وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل 44)، ورسالةٍ أُريدَ لها أن تقومَ بها الحجةُ على العالمين: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (الناس 165).
وجميع المسلمين على علم بآيات القرآن الكثيرة التي وضعت رسول الله في وضعيته الصحيحة، ففيها قرن الحق تبارك وتعالى بين طاعة الرسول وبين طاعته، وجعلهما شيئاً واحداً، وجعل طاعة رسوله من طاعته، وأمر بالاستجابة للرسول ونهى عن عصيانه، وحذر من الفتنة التي تحيق بالناس إذا خالفوا أمره، وحتَّم على المؤمنين أن يتحاكموا إليه في كل ما شجر بينهم مع الرضا والتسليم بما يقضي، كل هذا بأساليب متنوعة، تختلف في مبناها وتأتلف في معناها ومؤَدَّاها؛ فهل يُستساغ في بداهة العقل القول بأننا مأمورون في هذه الآيات بطاعة الرسول فيما يتلوه علينا من الكتاب فقط، دون ما يُبَيِّنُهُ من مُبْهَمه وما يُفَصِّلُه من مُجْمَله وما يُطَبقه من أحكامه، وهو الرسول الموحَى إليه بهذا الكتاب؟ إنَّ مثل هذا القول إن اجْتَرَأَ أخرقٌ على الهذيان به؛ فلا يستسيغه ولا يمرره إلا من هجر عقله وطَلَّقه فَبَتَّ طلاقَهُ.
رابعًا: يجب على المسلمين ألّا يغتروا بهذه المنصّات المغرضة، وبأمثالها من المنصّات التي تنشر التشكيك وتصرف الخلق عن الحق، وينبغي لهم أن يحوطوا أولادهم بالرعاية والعناية والتربية، وأن يغرسوا فيهم تعظيم النبيّ الكريم وتعظيم سنّته المباركة، كما يجب على علماء أمتنا وعلى المؤسسات العلمائية والعلمية أن تتصدّى للمغرضين المشككين؛ فإنّ هذه المرحلة تمرّ فيها الأمة الإسلامية من نفق مظلم ضيق، يكون بعده الميلاد الكبير، فلنصبر لها، ولنعتصم بالحقّ، ولنبعث في أمتنا الأمل المشرق والطموح الوثّاب.
خامسًا: التجديد بمعناه الصحيح واجب على العلماء الربّانيين، إن لم يقوموا به على وجهه الصحيح فسيفسحون المجال ويخلون الساحة للعابثين، فينبغي أن تشكل من علماء أمتنا وحدات تقوم على واجب التجديد في كل المجالات والميادين، بعد وضع معايير أصولية وشرعية تمضي عليها هذه العملية، وأن يتسع التجديد ليشمل الجانب الحركيّ للأمة، وأن يمضي على وفق خطة منبثقة من مشروع الأمة.


