اللطف لا يعني غياب المدافعة؛ بل المدافعة نفسها جزءٌ من التدبير الإلهي، فهو لطف يصاحب الإنسان في ساحة المعركة أنى كان شكلها فيقوي القلب ويثبت القدم؛ فيواجه الإنسان أعباء الحياة وتكاليف المدافعة من غير أن ينظر للباطل بعقدة النقص..

من المواجهة العسكرية إلى المنازلة السياسية: المشهد بعد طوفان الأقصى

فمنذ أن انتهت معركة طوفان الأقصى في صورتها الصاخبة وبدأ وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، وإذ بحالةٍ من الغموض تسود بخصوص المرحلة الثانية وبات كثيرٌ من الناس يسألون: ما الذي يجري؟ وإلى أين تتدحرج الأمور؟!

الولايات المتحدة والنظام الدولي: استمرار مشروع كسر غزة بوسائل جديدة

وإنه لا يخفى أنَّ الولايات المتحدة مُنتَعِلةً للنظام الدولي ومؤسساته قد دخلت المعركة من أول يوم، وقررت تأديب غزة؛ بل العمل على محوها من الخارطة تمامًا، وتولت الإنفاق على الكيان ومدِّه بأكثر من اثنين وعشرين مليار دولار وما يحتاج من السلاح والذخيرة حتى كانت زِنَةُ المتفجرات التي نزلت على أهل غزة أكثر من 200 ألف طن، وهذا قدرٌ لم ينزل على أيِّ بقعةٍ في العالم قبل ذلك بما في ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية بالنظر إلى القدر والمساحة الجغرافية التي نزل فيها.

المنازلة السياسية لا المواجهة العسكرية

وبعد أن توقف إطلاق النار عند صفقة التبادل والدخول في المرحلة الثانية التي يصر فيها العدو على نزع السلاح والحُكم، صرنا في جوف ساحةٍ جديدةٍ من ساحات الحرب عنوانها الأبرز هذه المرة: المنازلة السياسية لا المواجهة العسكرية.

وهذا يعني أنَّ النظام الدولي يواصل سعيه في كسر غزة ولكن من خلال جولةٍ سياسيةٍ لها سماتها وملامحها، ويَنظمون عملهم من خلال “مجلس السلام” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي ترامب، والذي يتمدد يومًا بعد آخر ليتولى ملفات المنطقة بشكلٍ عام، بل يذهب بعض المحللين إلى أنَّ ترامب يريده بديلًا عن الأمم المتحدة.

ولئن سارت الولايات المتحدة في ذلك فهو من التطور الذي يندرج في التدهور؛ فإنَّ الدول التي شكَّلت النظام العالمي القائم إبان الحرب العالمية الثانية ما تمكنت من قيادة العالم وتسخير الجميع لمصالح الفريق المنتصر إلا عبر الأجسام المؤسسية الدولية التي تظهر فيها الدول المنتصرة مجرد أعضاء في المنظومة الدولية، أما حين تتسيد هي المشهد بشكل مباشرٍ فيبدأ انفضاض الناس عنها إذ لا بد أن تتباين خارطة المصالح لدى الأطراف.

الحكمة من وراء المناورة: تفريق المقاومة بين الحكومة والحكم

وفي هذه المقالة أحب أن أقرر بعض المفاهيم التي نحتاجها في تجاوز المرحلة المقبلة، ولست أقف عند خصوص السياسات التي يذهب إليها قادة المقاومة في غزة الآن؛ فهم يعتمدون المناورة في باب السلاح مع دوام العمل في ترتيب البِنية الجهادية وإعادة لملمة الذات واستعادة المقدرات، ولهذا تنشط حركة التصنيع في وقت الحديث عن نزع السلاح، هذا بالإضافة إلى التخلي عن إدارة الحكومة مع بقاء النفوذ في إدارة المشهد بما يشبه أن يكون تفريقًا بين الحكومة والحكم فيتساهلون في الحكومة ويتشددون في الحكم.

مدافعة الضعفاء للأقوياء: سنة إلهية لا تتطلب تساوي القوى

وأول ما أذكره أن المدافعة هي من طبيعة الحياة البشرية، وهي لا تقف عند حد ولا شكل، ولا يلزم لها التساوي في القوة؛ بل تبقى المدافعة بين الحق والباطل أنى بلغت قوة أهل الباطل وضعف أهل الحق، مما يعني أنَّ مدافعة الضعفاء للأقوياء أمرٌ ممكن، وهذا من فضل الله على عباده ولطفه بهم وتأييده لهم.

غير أن الظفر بالمطلوب يحتاج إلى الأخذ بالأسباب ورعاية السنن الإلهية إلى جانب التوكل على الله تعالى، وإذا قام العبد بما يلزم ناله من لطف الله وتأييده ما يُحبط به كيد الأعداء أو يخففه ويُهوِّنه، وإذا قصَّر في ذلك جرت عليه السنن، ولهذا إذا لم تتم إدارة المرحلة المقبلة على قواعد السنن فلا يؤمن من انفتاح أبواب الفتن الداخلية وهي إذا بدأت فقد لا تقف الأزمات عند حد.

وقد رأيت أن أعرض طرفًا من متعلقات ذلك في الواقع السياسي العالمي عامة والواقع الغزي خاصة تحت اسم كريمٍ من أسماء الله الحسنى هو اسم اللطيف، وأجعل ذلك في أربعة محاور كما يلي:

الأول: الكلام عن اسم الله اللطيف.

الثاني: صراع الأقوياء على الساحة الدولية.

الثالث: طرفٌ من الألطاف الإلهية.

الرابع: كلمةٌ بخصوص الواقع السياسي المحلي.

وآخذ في الكلام عن ذلك على بركة الله..

المحور الأول: اسم الله اللطيف… معاني اليقين والتثبيت في قلب المعركة

اسم الله اللطيف له عدة معانٍ من أشهرها: أنه العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها، وأنه الذي يوصل إلى عباده وأوليائه مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرقٍ لا يشعرون بها، وقد جمع ابن القيم رحمه الله بين هذين المعنيين فقال: واسم اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة، وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية.

وعلى هذا؛ فإنَّ قدر الله مهما اشتد فلا ينفك عن لطف، وهذا اللطف يُؤنِسُ القلوب ويُثَبِّتُ الأقدام أنى بلغت ضراوة المعركة؛ لأنَّ العبد يعاين من ذلك ما يكاد يطيش بالعقول، فالذي يرقب المشهد من بعيد قد يراه قاتم السواد ولكن من كان داخل فرن البلاء فإنه تُعرض له نسائم الألطاف الإلهية فيهون عليه الابتلاء لما يرى من عظيم اللطف وجزيل العطاء.

وهذه جرعةٌ نحتاجها ونحن نعالج المرحلة المعقدة الحالية.

بين التبشير والتفتير: كيف نبث الأمل دون أن نعطل العمل؟

وأنبه منذ البداية أن مقصود الكلام بث اليقين والأمل بما يدفع إلى الشعور بالمسؤولية والعمل، فليس هو التبشير الذي يمنح العذر بأن العمل قد سقط بالعجز، وليس هو الذي يملأ القلب باليقين بما يُقعد عن العمل إذ للدين ربٌّ يحميه، والله يقيم العباد فيما أراد.

فالكلام هنا عن تبشيرٍ بلا تفتير، وتربية على اليقين بلا دعوةٍ للسكون، وبث للأمل مع الحث على العمل، وتقرير لسُنَّة الفرج مع القيام بواجبات الوقت.

وعادة النفوس أنها حين تتألم تلجأ لنصوص الوحي وللغيبيات لتخفف عنها ما يعرض لها، وهذا حق، ولكن اليقين الذي يبثه الوحي لا يلغي الأسباب بل يعتبرها، ولا يهدف لنوم القلب وتسكينه بل يعمل على تثبيته وتحريكه كما قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰناً وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، فهم لم يقعدوا بل زادهم اجتماع الناس عليهم إيمانًا بمنطوق الآية.

اللطف الإلهي لا يعني غياب المدافعة بل هو رفيقها

وعلى هذا فاللطف لا يعني غياب المدافعة؛ بل المدافعة نفسها جزءٌ من التدبير الإلهي، فهو لطف يصاحب الإنسان في ساحة المعركة أنى كان شكلها فيقوي القلب ويثبت القدم؛ فيواجه الإنسان أعباء الحياة وتكاليف المدافعة من غير أن ينظر للباطل بعقدة النقص، والباطل مهما قوي فإنه يمكن أن يُغالب أمام القلوب الصادقة والعقول الناضجة والنفوس المتزنة القوية.

وعلى هذا فلا بد من الحركة، ومن سار فللسائر أرزاق في طريقه، وأرزاق الطريق نعمة لا يكاد يخطئها أحدٌ يمشي، وقد قال نجيب محفوظ: “جاءني قومٌ وقالوا: إنهم قرروا التوقف حتى يعرفوا معنى الحياة. فقلت لهم: تحركوا دون إبطاء فالمعنى كامنٌ في الحركة”.

المحور الثاني: صراع الأقوياء وقصورهم على الساحة الدولية

لعل أهمَّ مشهدٍ سياسيٍّ على الساحة الدولية اليوم يُظهر قصور الأقوياء أنى بلغت قوتهم وامتد نفوذهم، هو سرعة نزول الولايات المتحدة بعد الصعود الذي صارت عليه؛ فإنَّ الولايات المتحدة صعدت لكرسي قيادة العالم إلى جوار الاتحاد السوفيتي عقب الحرب العالمية الثانية سنة 1945، ومن ذلك الوقت وهي تخوض حربًا مع الاتحاد السوفيتي من أجل القضاء عليه والتفرد بحكم العالم، واستمرت الحرب أكثر من أربعين سنة شهدت عدة محطات حتى انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي تمامًا سنة 1991.

لحظة الانفراد الأمريكي: من نشوة التسيد إلى أول صدمة (أحداث سبتمبر)

هنا في هذه اللحظة التاريخية حصلت حالة عارمة من الاحتفاء الأمريكي بسيادة العالم، وبدأت تتعالى صيحات النصر حتى امتدت للساحة الثقافية والقيمية والفكرية، وبدأ التنظير الواضح لسيادة المنهج الليبرالي والرأسمالي والديمقراطي وفق الثقافة الغربية، والمطالبة الواضحة بتحويل القيم الأمريكية والغربية إلى قيمٍ معياريةٍ ينشد العالم الاقتداء بها، وهو ما يعني أنه يجب على كل أمة أن تنحني وأن تتنازل عن ثقافتها وقيمها لصالح الثقافة الأمريكية والقيم الأمريكية.

وبدأت جولةٌ من التنظير لقرنٍ أمريكيٍّ قادم عنوانه سيادة الولايات المتحدة، وأنها من سيقوم بالعمل على تحضير العالم وفق الثقافة الأمريكية، ويقول بعض القادة الأمريكان: إنَّ القدر والتاريخ ألقيا على عاتق الولايات المتحدة هذه المهمة الكبيرة!

وبرزت هذه اللغة على لسان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أثناء تنصيبه للمرة الثانية في يناير سنة 1997 إذ قال: “مع انبلاج فجر القرن الواحد والعشرين تقف أميركا بوصفها الأمة أو الدولة التي لا يمكن الاستغناءُ عنها بالنسبة للعالم”. بينما صرَّح خَلَفُهُ بوش سنة 2000 قائلًا: “أمتنا اختارها الرب وكلَّفها التاريخُ لتكون أنموذجًا للعدالة”.

حدث صغير.. تداعيات كبرى: كيف أربكت أفغانستان العقل الأمريكي؟

وبعد سنةٍ واحدةٍ من هذا التصريح، وبعد عشر سنوات فقط من لحظة التسيد الأمريكي والتفرد بحكم العالم حصل حدثٌ صغيرٌ جدًّا في ميزان السياسة الدولية من جهة التأثير الحسي؛ إذ قام تنظيم القاعدة بقيادة الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله بمهاجمة مبنى البنتاغون وبرجي التجارة، لكن قيمته في ضرب الرمزية الأمريكية.

هذا الحدث كان يمكن للولايات المتحدة أن تتجاوزه بشيءٍ من الدهاء والاحتواء، ولكن الضعيف إذا كانت نقطة ضعفه هي الضعف فإنَّ فقْد التوازن هو نقطة ضعف القوي.

فهنا في ظلال تفرد الولايات المتحدة بالهيمنة وبما تمتلكه من السلاح على صعيد النوعية والكمية لم تستطع استيعاب الضربة، وقررت سريعًا أن تغزو أفغانستان مع أنها تعلم يقينًا أنَّ حركة طالبان لا علاقة لها بالأمر قط، بل هي من أشد المعترضين على العملية، ولكن الجُرم أنها تؤوي الشيخ أسامة بن لادن وترفض تسليمه بناءً على الحكم الفقهي الذي يمنع من ذلك، ولكنها أصرت على الغزو لتُرعب العالم من خلال البطش الذي ينزل بالأفغان جريًا على سياستها من إلحاق الهزيمة بأعداءٍ ضعاف ليخاف الأقوياء، ولكن الذي جرى هو قصور الأقوياء في أول استعراضٍ مع الضعفاء!

إنَّ المجاهدين الأفغان منذ أن تماسكوا بدأوا يضربون القوات الأمريكية حتى أدخلوها في أودية الاستنزاف، وهو ما ألجأهم إلى كتابة “استراتيجية مكافحة التمرد” سنة 2006 بعد أن أدركوا أنهم وقعوا في الفخ، وصدر في ذلك “دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد”، وأتبعوه بكتابة “الدليل الأمريكي لمكافحة التمرد” سنة 2009، ثم “دليل وكالة الاستخبارات الأمريكية لتحليل التمرد” سنة 2012.

وقد بقوا يُكابرون طويلًا حتى زادت التكاليف عن العوائد فاضطروا أن ينسحبوا بعد عشرين سنة من الاحتلال.

والسؤال هنا: هل وقف قصور العقل الأمريكي عند ذلك؟

كلا!

أخطاء القراءة الاستراتيجية: كيف فات واشنطن الصعود الروسي والصيني؟

وذلك أن الولايات المتحدة حين انشغلت بأعداء محليين أو إقليميين وذلك في أفغانستان ثم العراق لم تفطن أنها وفَّرت السياق الخادم لروسيا لتعمل على استعادة التعافي بعد عشرية الضياع، كما أنها وفَّرت السياق الخادم للصعود الصيني، وقد انطلقت في التعامل مع الصين من ثلاثة افتراضات خاطئة:

الأول: أن الصين لن تشكل تنافسًا حقيقيًّا اقتصاديًّا مع الولايات المتحدة؛ وذلك بناءً على أنَّ الاقتصادَ الصينيَّ في سنة 1979 لم يكن يمثل أكثر من 5% من الاقتصاد الأمريكي.

الثاني: أنَّ الصين كلما تقدمت اقتصاديًّا وزادت انفتاحًا أصبحت أكثر حداثةً وأكثر غربيةً؛ أي أكثر مركزيةً في التوجه للمركزية الغربية، وأكثر انفتاحًا على الليبرالية الغربية.

الثالث: أن الصين ليس لها اهتماماتٌ إمبراطورية، كما أنها من الناحية العسكرية هي دولةٌ متقوقعةٌ على ذاتها، وبالتالي فإنها لن تُمثِّل خطرًا على الهيمنة الأمريكية.

ولكن العقل الأمريكي أخطأ في قراءة العقل الصيني وكذا الروسي، كما أنه أخطأ في قراءة العقل الأفغاني وكذا العراقي.

وحاصل ذلك أنَّ الولايات المتحدة انشغلت بعدو محلي أو إقليمي ووفَّرت السياق الذي يستفيد منه الأعداء الاستراتيجيون على الساحة الدولية، وهو ما يؤذن بالتحول من نظامٍ أحاديِّ القطب إلى نظامٍ متعدد الأقطاب بما يمنح كثيرًا من الهوامش المتاحة أمام الشعوب الضعيفة، بل يمنح لقادة الأمة إعادة التموضع في خارطة موازين القوى لدى النظام العالمي المرتقب لو وجدت النية وتوفر العزم.

من 11 سبتمبر إلى 7 أكتوبر: دروس التاريخ في استنزاف القوى العظمى

وإذا رجعنا إلى هذا الوضع فإنَّ أحد أهم أسبابه هو حدث الحادي عشر من سبتمبر!

حدثٌ صغير كان عاملًا مهمًّا في نقض الغرور العالمي، وفتح أبواب الاستنزاف على الولايات المتحدة حاكمة العالم، وهو ما أدى بها إلى التقهقر بعد التبختر، حتى إنَّ بعض الباحثين يعدون زمن التفرد الأمريكي قد ولى وانتهى وأننا قد بتنا في بدايات زمن تعدد الأقطاب.

وقل قريبًا من ذلك في حدث هجوم السابع من أكتوبر؛ فإنه حدثٌ صغير في موازين السياسة الدولية، ولكن الكيان الصهيوني قد فقد توازنه ومن خلفه الولايات المتحدة، وأطالوا الحرب ليكسروا البلد، ولكن طول المعركة وفَّر السياق المناسب للثورة السورية حتى تنتصر وهو ما كان بفضل الله تعالى فضلًا عن تراجع المشروع الإيراني في المنطقة، وهذا وجهٌ مهم من وجوه لطف الله الذي يتخلل الشدائد، فقدر الله مهما اشتد لا ينفك عن لطف.

المصدر

مجلة أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، الشيخ محمد محمد الأسطل.

اقرأ أيضا

غزة أم المعارك

السنن الإلهية في معركة طوفان الأقصى

غزة الفاضحة كشفت وبعثرت

التعليقات معطلة