إن تسييس التعليم بهذه الطريقة لا يكشف فقط عن موقف من جماعة أو تيار، بل عن خوف عميق من الفضاء الحر نفسه: من الجامعة كمساحة لا يمكن ضبطها بالكامل، ومن الطالب ككائن قد يعود بأفكار لا تشبه ما خرج به.
قراءة في قرار الإمارات بين بريطانيا وإسرائيل
ليس من السهل على أي دولة أن تتخذ قراراً يطال مستقبل طلابها، لأن التعليم ليس مجرد مسار أكاديمي، بل هو إعادة تشكيل للعقل والهوية وطريقة النظر إلى العالم. لذلك، فإن قرار دولة الإمارات إيقاف الابتعاث إلى الجامعات البريطانية بدعوى الخوف من “التطرف الإسلامي” يفتح باباً واسعاً للأسئلة، لا حول التعليم فحسب، بل حول نفسية صانع القرار ومعاييره وحدود خوفه.
اللافت في هذا القرار أنه لا يأتي في فراغ، بل في سياق إقليمي ودولي طويل تعتبر فيه الإمارات جماعة الإخوان المسلمين تهديداً وجودياً، وتسعى إلى محاصرة أي بيئة يُظن أنها تسمح بتداول أفكار قريبة من هذا التيار. غير أن الإشكال لا يكمن في موقف سياسي معلن من جماعة ما، بل في نقل هذا الصراع إلى فضاء التعليم والجامعة.
الجامعة: فضاء أفكار أم ساحة تهديد؟
الجامعات البريطانية، مثلها مثل أغلب الجامعات في الدول الديمقراطية، تقوم على مبدأ أساسي:
حرية البحث، حرية التعبير، وحق الطالب في الاحتكاك بأفكار متعددة، بعضها مريح وبعضها صادم.
هذا الاحتكاك ليس خللاً في النظام، بل هو جوهره.
الخوف المعلن هنا ليس من عنف، ولا من تدريب عسكري، ولا من تنظيمات مسلحة داخل الحرم الجامعي، بل من الأفكار: نقاشات، جمعيات طلابية، خطاب سياسي، أو رؤى دينية مختلفة. أي أن الخطر، بحسب هذا المنطق، يكمن في أن الطالب قد يفكر خارج الإطار المرسوم له سلفاً.
وهنا يظهر السؤال المركزي:
هل المشكلة في البيئة التعليمية أم في هشاشة الثقة بالطالب نفسه؟
المفارقة الكبرى: ولماذا إسرائيل؟
تزداد هذه الأسئلة حدّة عندما نعلم أن دولاً أخرى، من بينها إسرائيل، لا تزال ضمن قائمة وجهات الابتعاث المعتمدة.
وهنا لا نتحدث عن تقييم أخلاقي أو سياسي لإسرائيل، بل عن مقارنة تعليمية بحتة.
البيئة الأكاديمية في إسرائيل متقدمة تقنياً بلا شك، لكنها:
- مرتبطة عضوياً بالمؤسسة العسكرية
- مشبعة بسردية صراع وهوية قومية مغلقة
- يوظَّف فيها البحث العلمي بشكل مباشر في خدمة مشروع أمني واستراتيجي
في هذا السياق، لا يُخشى على الطالب من “التطرف الديني”، بل يُعاد تشكيل وعيه ضمن منطق الدولة، العدو، والولاء، حيث لا تنفصل الجامعة عن المشروع السياسي العام.
وهنا تتجلى المفارقة:
يُنظر إلى بيئة جامعية مفتوحة في بريطانيا على أنها خطر فكري، بينما لا يُنظر إلى بيئة تعليمية مسيَّسة ومُعسكَرة في إسرائيل على أنها خطر على وعي الطالب أو استقلاله.
هل المشكلة في التعليم أم في السياسة؟
إذا كانت الحجة أن “التعليم يجب أن يكون محايداً وبعيداً عن السياسة”، فإن أول من خالف هذا المبدأ هو من قرر معاقبة جامعة بسبب ما قد يُقال أو يُناقَش داخل قاعاتها.
وإذا كانت الحجة أن “الدولة تحمي أبناءها”، فإن الحماية لا تكون بمنعهم من التفكير، بل ببناء إنسان واثق، قادر على التمييز، لا يخشى الفكرة ولا ينهار أمام الاختلاف.
إن تسييس التعليم بهذه الطريقة لا يكشف فقط عن موقف من جماعة أو تيار، بل عن خوف عميق من الفضاء الحر نفسه:
من الجامعة كمساحة لا يمكن ضبطها بالكامل، ومن الطالب ككائن قد يعود بأفكار لا تشبه ما خرج به.
مفارقة ساخرة غير حقيقية
ولو أردنا أن نأخذ هذا المنطق إلى نهايته العبثية، فقد نصل إلى نتيجة ساخرة تقول:
إن الطالب الإماراتي إذا درس في بريطانيا، فسيعود “إخوانياً”، أما إذا درس في إسرائيل، فسيعود “وطنياً متقدماً”.
وهي بالطبع مفارقة غير حقيقية، لكنها تكشف هشاشة الفكرة التي تقف خلف القرار، لأن الجامعة لا تصنع الخيانة ولا التطرف، بل تصنع إنساناً يفكر… ومن يخاف من التفكير، لا يخاف على أبنائه، بل يخاف منهم.
المصدر
صفحة أحرار بنغازي، على منصة ميتا.

