الدولة التي نريد حديثة أم حداثية

هذا المقال هو عبارة عن مناقشات تجيب عن كثير من الإشكاليات والاعتراضات التي أثارتها مقالاتي الأخيرة حول الشريعة والدولة الحديثة، وأخصّ بالذكر هنا المقالات السابقة التالية: “الحكم الإسلامي والدولة الحديثة: بين الاتفاق والاختلاف”، و“الدولة الحديثة: بين فقه الواقع والتنظير الأكاديمي”، و“الحداثة الإسلامية: من أبي حامد الغزالي إلى أورنكزيب عالِمكير”، بالإضافة إلى دراستي الأخيرة المطوّلة “المجتمع الجاهلي والدولة الحديثة: بين سيد قطب ووائل حلاق”. وجميعها منشور في موقع غراس للإنتاج الفكري.

نقد التصوّر الغربي للدولة: نحو فهم إسلامي للحداثة والدولة

والهدف من هذا المقال هو تعميق فهم الأطروحة التي أقدّمها، وكيف أتصوّر الدولة الحديثة، وتوجيه النظر إلى ضرورة ألّا نظلّ أسرى لوجهة النظر الغربية وتنظيرات فلاسفة الغرب ومفكّريه التي تحمل إلى حدّ كبير نفَسًا استشراقيّا متعجرفًا يُعظّم من الإنجاز الأوروبي في باب الدولة. ومحاولة مقاربة القضيّة من جوانب أخرى غفل عنها الحقل الأكاديمي الغربي المترجَم إلى العربية، الذي صُدّر لنا باعتباره وجهة النظر “المنصفة” و”الصحيحة” فيما يتعلق بالدولة والحداثة والشريعة، بينما هو في الواقع وجهة نظر تحمل قصورًا شديدًا.

وقد رتّبتُ الأفكار على أربعة عناوين، أجد أنّها ستوضّح الصورة بشكل شبه كاملٍ مع قراءة المقالات والدراسات السابقة المذكورة.

أولا: ماذا نقصد بمصطلح “الدولة الحديثة”

تفكيك مفهوم “الدولة الحديثة” وفصل الجوانب التقنية عن الفلسفية

المقصود الأساسي باصطلاح “الدولة الحديثة” أنها مستوفيةٌ لشروط العصر ومستوعبةٌ لخبراته وتحدّياته، وشروطُ العصر المتعلقة بالدول والسلطات ليست شيئًا متعلّقًا بالفلسفات والقيم الغربية بالضرورة.

بكلمات أخرى: هناك مكوناتٌ قيميةٌ فلسفيةٌ ذات سياقٍ أوروبي في الدول الحديثة، مثل: المرجعية الإنسانية المحضة في التشريع والقانون، والمواطنة والهوية القومية، وفصل الدين عن السياسة.

وهناك من جهة أخرى (وهي الأهم والأكثر بنيويةً) تشكُّلاتٌ تنظيميةٌ ساهمتْ في بنائها مختلفُ الحضارات، وتشكّلتْ بشكلٍ أساسيٍ بفعل التقدّم التقني والازدياد السكاني وتطوّر أنماط المجتمعات، بل لاحظناها في دول أخرى قبل الحداثة الأوروبية كالدولة العثمانية ودولة المغول في الهند وغيرهما، مثل: زيادة التنظيم والسيادة على الأقاليم التي تحت سلطة الدولة، والمؤسسية البيروقراطية، وتوحيد القانون وفرضه من جهة الدولة أو بتنظيمها، والتخطيط والإدارة.

السياق التاريخي الطبيعي لتطور البنى التنظيمية للدولة

ولتوضيح التغيّرات غير المتعلّقة بالقيم الغربية فلنقارن مثلًا بين نموذج سلطة القبيلة أو دولة المدينة الذي كان شائعًا يومًا ما في بلدانٍ مختلفة وحضاراتٍ قديمة فيما يسمّى “العالم القديم”، أو حتى القبائل البدائية في أدغال أفريقيا والأمريكيتين. ولنقارنه بنموذج الدول الكبيرة والإمبراطوريّات التي تملك جهازًا إداريّا موزّعًا على الأقاليم، وقضاءً مرتبطًا بالسلطة وأجهزتها، وجهازًا للحسبة، وعمّالًا لجبي الأموال، وغير ذلك كما كان حال الدول الإسلامية تاريخيّا أو حتى دول بعض الحضارات الأخرى القديمة.

هل يمكننا أن نقول إنّ كل تحوّلٍ لتلك المجتمعات من بنيتها السلطوية القديمة (كدولة المدينة أو سلطة القبيلة) راجعٌ إلى تغيّر في القيم والأساس الفلسفي الذي تقوم عليه الدولة؟ أم إنّه راجعٌ إلى تطوّرٍ بشريٍ مرتبطٍ بتراكم خبرات معيّنة تلاقحتْ بين الحضارات المختلفة، وإلى تطوّرٍ تقنيٍ واقتصاديٍ رافقه تطوّرٌ اجتماعي واختلاف طبيعة المجتمعات؟ فلو أنّ قبيلةً في أدغال الأمازون عدد أفرادها 100 فرد دخلتْ في دين الله عام 300 هـ، هل يكون عليها أن تقيم دولةً تشبه الدولة الراشدة أو الأموية أو العباسية التي كانت تسيطر على الجزيرة والعراق وخراسان والشام ومصر في بنيتها الإدارية؟ وهل الاختلاف الجذري في بنية الدولة (بل عدم وجود “دولة”) يجعل تلك القبيلة قاصرةً عن طبيعة الحكم الإسلامي؟ أم تكون لها طبيعةٌ مختلفةٌ في إدارة السلطة ناتجة عن حجم المجتمع الصغير وطبيعة روابطه القبلية وغير ذلك من عوامل؟

فكيف إذا تحدّثنا عن تطوّرٍ تقني هائل وخصوصًا في المجال العسكري ومجال النقل والاتصالات مع نموّ سكاني هائل، هل هذا خاصّ بالغربيين أم بالبشرية أجمع؟ وهل سنُحرَم منه كي لا يؤدي إلى تغيير شكل المجتمعات (وقد تغيّرتْ وانتهى الأمر!)؟ هل كنّا مثلاً قادرين على إيقاف نموّ عدد سكان مصر ليظلّ مليونين أو أقلّ بدلاً من 110 ملايين اليوم؟ هل يمكن الوقوف ضدّ حركة النموّ الطبيعية للأمم والشعوب وضدّ استعمالها للتقنيات وارتيادها للمؤسسات؟ ومن ثمّ هل نستطيع إدانة “البيروقراطية” هكذا بكل بساطة دون الاضطرار إلى ممارسة قَدْرٍ جيّد منها بسبب التضخّم السكاني وتشعُّب العلاقات والاحتياجات وعدم القدرة على التعامل المباشر مع جميع الأفراد، لكنْ مع تنظيمها وضبطها بالقيم والأحكام الشرعية؟

ضرورات التطور التنظيمي: أمثلة من الواقع المعاصر

والأمر ذاته بخصوص سيادة الدولة وتنظيم قانونٍ موحّد تُشرف على نفاذه؛ هل يمكن تجاهل الضرورة التي ألجأت إلى ذلك رويدًا رويدًا منذ قرون في الحضارة الإسلامية ثمّ في أوروبا؟ هل يمكن تجاهل تعقُّد تفاصيل الحياة وازدياد الاحتياجات والممارسات وتشعّبها؟ خذ مثلًا مسألة الأغذية، والمواد الخطرة التي تُستخدم في الخبز لتحسين شكله وبنيته، مع تسبّبها – بحسب كثير من الأبحاث – للسرطان، هل يمكن ترك ذلك لفتاوى الفقهاء الأفراد فيفتي كلٌّ بما يرى؟ أم يحتاج الأمر إلى مجلس موحَّد منظّم يقدّم فتوى تستند إلى آخر الأبحاث الطبية ويصيغها بقانون محكم يضبط هذه العملية التي ستطبَّق على مئات البلدات وآلاف الأفران في الدولة حفظًا للنفوس؟ وقس على ذلك سائر التحدّيات المتجدّدة.

وكذلك الأمر بخصوص ما يسمّى “احتكار العنف” في الإقليم أو الأقاليم التي تحكمها الدولة، هل يمكن تجاهل التطوّر النوعي في طبيعة الأسلحة مقارنةً بما سبق؟ ألن يتفق المسلمون بأنّ وجود أسلحة صاروخية ومتفجّرة وكيميائية وغير ذلك بيد الأفراد خطرٌ عظيمٌ على أمن هذه الأمة، ومن ثمّ يجب “ضبط” ذلك حمايةً لمصالح المسلمين وحفظًا لدمائهم، وهل سيجدون حلّا أفضل من أن تكون “الدولة” – التي تعبّر عن سلطان الجماعة المسلمة وإرادتها – هي التي تضبط ذلك وتحفظه من التسرّب إلى من هبّ ودبّ؟! فهل تبقى بعد هذا خصوصيةٌ غربية لتعريف ماكس فيبر (1864-1920م) للدولة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام الشرعي للقوة المادية في بلدٍ أو إقليم معيّن؟ أليست الضرورة والتطوّر التقني هي التي ستلجئ لذلك؟ وهل مع ذلك مُنع استخدام السلاح الناري في دولٍ عديدة كأمريكا التي ينتشر فيها السلاح المشروع بين الأفراد؟ ثم أليست كثرة الصدامات المسلّحة الخطيرة وتطور وسائل النقل والرصد ومسح الأراضي بسهولةٍ أكبر هي التي مهّدت لقضية وضع الحدود الواضحة بين الدول لضبط النزاعات بينها؟

الاستيعاب الإسلامي التاريخي للأنظمة الإدارية (منهج السلف)

تكشفُ هذه التساؤلات السابقة وغيرها عن السياق الطبيعي لتطوّر الدولة، وهو سياقٌ غير خاصٍ بأوروبا والغرب، وإنْ كان قد تسارع بشكلٍ ملحوظٍ في أوروبا لظروفٍ معيّنةٍ مرتبطةٍ بشكلٍ أساسي بكثرة الصراعات والحروب البينية بين الممالك والدول الأوروبية، وبالسبق في التطوّر العلمي والتقني مع تفوّق النموّ السكّاني، مما دفع إلى تشكّل الدولة الحديثة فيها بشكلٍ حادّ واضح، مع ما فيها من حمولةٍ قيمية فلسفية مرتبطة بثقافتها وقيمها الحضارية.

وقد فقه المسلمون قديمًا حين خرجوا من الجزيرة لفتح البلدان أنّ هناك بنية للدولة تستهدف استيعاب اللحظة التاريخية ومواجهة التحدّيات الناشئة، هذه البنية ليست مرتبطةً بالقيم والعقائد بالضرورة. فمع حملهم للشريعة إلى مختلف البلدان كانوا يدركون أنّ عليهم استيعاب اللحظة التي يعاصرونها والاستفادة من خبرات الأمم الأخرى، فلم يكونوا هم من اخترع نظام النقد وصكّ العملات مثلًا (وهو في صميم الاقتصاد البيزنطي والفارسي آنذاك) ولكنّهم استوعبوه ضمن حضارتهم وأعادوا صياغته شيئًا فشيئًا بما يتفق مع شريعتهم، ابتداءً بضرب رموزهم الإسلامية على العملات الفارسية والبيزنطية، وصولًا إلى إنشاء دور لصكّ عملاتهم الجديدة وتنظيم معاييرها مستفيدين بذلك من خبرات الحضارات السابقة في شأن اقتصادي صميم. وكذلك فعلوا في النظم الإدارية الفارسية والبيزنطية، وانتقلوا بمزيجٍ من توجيهات الشريعة وأحكامها واستيعاب متطلبات الدولة الكبيرة من خلال التجربة الحيّة واكتساب خبرات الدول السابقة إلى نمطٍ مختلف من السلطة والحكم والدولة، نمط مختلف تمامًا عن نمط القبيلة الذي ألِفوه والذي لم يخترعه الإسلام هو أيضًا.

مشكلة المصطلح: بين “الدولة الحديثة” و”الدولة الحداثية”

وهذا الاستيعاب لا يستلزم تبنّي منظومات الدولة المرتبطة بالقيم الغربية المخالفة للشريعة كالمواطنة والهوية القومية وتشريع البشر بمعزل عن الوحي وما شابه.

ولهذا الذي سبق كلّه، قد يكون من الأدقّ أن نستخدم اصطلاح “الدولة الحداثية” أو “الدولة الغربية الحديثة” حين نتكلم عن الدولة الحديثة بمفهومها الغربي، وأن نقول “الدولة الحديثة” مطلقًا باعتبارها الدولة المستوعبة لخبرات العصر وتحدّياته.

وهذا يعيدنا إلى إشكالية اللغة والترجمة، وكيف أننا في كثير من الأحيان نكون أسرى للاستعمالات اللغوية أو لاختيارات المترجمين الأوائل! حتى في الغرب هناك تفريق بين Modernity (أي “الحداثة”) و Modernization (أي “التحديث”)، وكثيرًا ما يفسَّر الاصطلاح الأول (الحداثة) بالجوانب الفكرية القيمية، ويُفسَّر الثاني (التحديث) بالعملية التقنية واستيعاب خبرات العصر. أي أنّ الفكر الغربي نفسه اضطر إلى نَحت مصطلحات جديدة لفضّ هذا الالتباس بين الجانب القيمي والجانب التقني.

وأجد أنّه من الظلم للعربية تحميل مصطلح “الدولة الحديثة” تلقائيّا للمضمون القيمي والفلسفي الغربي بخصوص الدولة، هذا في نظري تعدٍّ على اللغة، خصوصًا حين تكون كلمة “الحديث” أو “الحديثة” مستخدمة في السياق الزمني الذي هو أقرب لمعنى استيعاب خبرات العصر وتقنياته وتحدّياته، وحين يكون لدينا اصطلاح لا خلاف على كونه مرتبطًا بالسياق الفلسفي والقيمي الغربي وهو “الحداثة”، وهو الأَحرى بالاستخدام حين نريد التحدّث عن الخصائص القيمية والفلسفية الغربية الحديثة.

وأنا أعلم أنّ الترجمة الحرفية لاصطلاح The modern state هي “الدولة الحديثة”، فقد كان المقصود بالاصطلاح الأصلي في أوروبا في البداية الإشارة إلى الدولة التي نشأت في الحقبة الحديثة وتختلف عن أنماط الحكم السابقة في الحقب القديمة. لكنّ هذه الدولة الحديثة حملتْ في أوروبا منظومةً قيميةً وفلسفيةً معينة (وفي صلبها العلمانية والقومية)، ولهذا حمل الاصطلاح معه هذه المنظومة.

لكنّا لسنا غربيّين، ومازال وصف “الحديثة” المنسوب للدولة يمثّل في الوعي المعاصر الجدّة ومواكبة العصر وخبراته وعلومه وتقنياته، ولا ينصرف إلى القيم والفلسفات سوى في أذهان المتخصصين الغارقين في الكتابات الأكاديمية الغربية. ومن هنا فأنا لا أحاول تحرير المصطلح من استعمالٍ عربي غلب عليه في العرف، بل من استعمال أكاديمي متحيِّز ومُشكِل، والأَحرى بهؤلاء أن يشيروا حين يريدون الحديث عن دولةٍ حديثةٍ بقيمٍ غربية أن يقولوا “الدولة الغربية الحديثة” أو “الدولة الحداثية”، وبهذا يتحقّق تحرير المصطلح والمقصود منه.

على أنّهم يقعون أسرى لمشكلة أخرى ترتبط باللغة، فإنّ اصطلاحات مثل “الدولة الحديثة” و”الحداثة” و”ما بعد الحداثة” و”البنيوية” وأشباهها مفاهيم عصيّة على الضبط؛ فهي ليست كيانات قائمة بذاتها، بل اصطلاحات لغوية ابتكرها بعض الفلاسفة والمفكرين لمحاولة وصف طيف واسع من الظواهر يربط بينها رابط معيّن باجتهاد صاحب الوصف، ثم تتحوّل مع الزمن كما لو كانت كيانًا قائمًا بذاته في الخارج، ويتعامل معها الناس كما لو كانت قوى غامضة لها سلطانٌ ذاتي، كوحشٍ كاسرٍ أو غولٍ يتجاوز التاريخ، مع أنها ــ في حقيقتها ــ مجرد كلماتٍ مختزِلة جُمعت تحتها وقائع وسياقات متباينة، ثم نُسب إليها – بمبالغة – نوع من “الوجود الكلّي” الذي لا أصل له.

نقد “تجسيد المصطلحات” وخرافة الحتميات البنيوية

فاصطلاح “الدولة الحديثة” لا يمتلك ماهيةً واحدة ثابتة تقع في الخارج؛ لأنّ الموجود في الخارج هو وقائع مختلفة وتحولات تقنية وإدارية وفلسفية، أما جمعها في مصطلح واحد فهو فعلٌ لغوي ذهني لا حقيقة واقعة، لا يلزمنا أن نقبل تحميله المعاني التي أرادها أصحابه. فالمصطلح نفسه متحيّز، وطريقة استعماله تحمل رؤية حضارية مخصوصة، ولسنا ملزمين بأن نُذعن لادعاءاته أو نفرضها على واقعنا ومفاهيمنا. بل حتى في تلك البيئة الحضارية الغربية، سنجد تباينًا ونزاعًا واختلافا في ما يُنسب إلى هذا الاصطلاح!

إنّ المشكلة في كثير من النقاشات هي اعتبار المصطلح “جوهرًا” وتخيله كقوة مستقلة، مع أنه في حقيقته مجرد “اسم” نحمّله فوق ما يحتمل، ثم نحاكم أنفسنا بناء على هذا الحمل الاعتسافي. ومن هنا تنشأ “خيالات الأكاديميين” كما أحبّ تسميتها، والتي تسرّبت إلى غيرهم مع الأسف، ومفادها أنّ الدولة الحديثة “لن تقبل”، والدولة الحديثة “تتناقض مع الشريعة”، أو أنّ وجود “دولة إسلامية حديثة” عبارة “متناقضة ذاتيّا”.. كما لو كانت هذه الدولة ماهية ثابتة محسوسة.

الاستنتاج المركزي: نحو تصور عملي لمستقبل الحكم الإسلامي

وفي هذا الصدد يقترح بعضهم أنّ تعديل منهج الحكم في الدولة الحديثة وطبيعة علاقتها بالمجتمع أمرٌ مستحيلٌ، فإذا قلتَ له إنّ أمر التعديل والتغيير يرجع إلى وجود الرؤية والإرادة والقدرة (كما سأشرح في آخر المقال)، قال لك – بحجاج سفسطائي – “حينئذ لن تظلّ تحمل وصف دولة حديثة”! ممّا يؤكّد أنّ طبيعة هذه الفكرة التي تقول باستحالة وجود دولةٍ حديثة تقيم الشريعة هي طبيعةٌ لغوية منطقية، على نمط المنطق الأرسطي، وليست قضيةً واقعية جادّة، إذ كان صلب ادعاء من يقولون باستحالة الدولة الإسلامية هو وجود معيقات بنيوية تحول دون إمكانية قيام هذه الدولة التي تقيم الشريعة، وإنّ هذه المعيقات كامنةٌ في بنية الدولة الحديثة والنظام الدولي، لكن مع نقاش احتمال تجاوز هذه المعيقات وإقامة الشريعة يُسلَب عنها وصف “دولة حديثة”! فإذا افترضوا قيامها فإنّهم يحتّمون أمورًا:

إما نزع الإسلامية عنها لأنّهم يفترضون خضوعها للمعايير الغربية، أو ينزعون عنها وصف “حديثة” حتى لو كانت قائمة وقوية وتمتلك من التقنيات والقوة والتطوّر شيئًا فشيئًا! أو يمارسون لغة تشاؤمية جبرية فيقولون بأنّ النظام الدولي لن يسمح ببقائها!

فهو فكرٌ افتراضيٌ لغوي مع مزيجٍ من الإيمان الجبري بحتمياتٍ غربية، ومثل هذا الفكر لا يصلح للتفكير في الواقع وممكناته تفكيرًا سياسيّا بَنّاءً يهدف إلى اجتراح التجربة ضمن معطيات الواقع.

ثانيًا: الدولة على دين مشغّليها

الخلاف الجذري: انقسام في فهم مصطلح “الدولة الحديثة”

إنّ جوهر الخلاف بيني وبين من يعترضون عليّ فيما أكتبه حول إمكان إقامة الشريعة ضمن الدولة الحديثة هو اعتقادهم أنّ مجرّد قولنا “الدولة الحديثة” يستلزم دولةً مبنية على رؤيةٍ فلسفية نشأت في الغرب ويستلزم احتواءها على مفاهيم بنيوية لا تنفك عنها كالقومية والقانون الوضعي الذي يمثّل سيادة البشر وغير ذلك كما أوضحت سابقًا.

نقد الادعاء الاستشراقي: أوروبا ليست المنشأ الوحيد

لكني في الواقع أختلف معهم، وأرى أنّ الخلل هو في ابتلاع ادعاء استشراقي غربي كان وائل حلاق (الناقد للمستشرقين بعنف) قد ابتلعه أثناء نقده، ومفاد هذا الادعاء أنّ الدولة الحديثة التي نعرفها اليوم بمركزيتها وتنظيمها ومؤسساتها وهيمنتها وبنيتها هي منتَج أوروبي خالص، وكما يقول كارل شميت إنّ “الدولة لم تكن ممكنة إلّا في الغرب”!

وخلافي الجوهري الذي أوضحته في مقالٍ كتبته منذ سنوات وزدت في إيضاحه في مقالات أخرى هو أنّ نشأة الدولة الحديثة بهذا الشكل الذي يتميّز بالقانون الموحّد والبيروقراطية والهيمنة على المجتمع، أي الانتقال من أنماط الحكم القديمة إلى الحديثة بشكلها الذي بدأنا نراه منذ نحو قرنين كان نتيجة التطورات التقنية والاحتياجات الواقعية بشكل أساسي.

أما المحتوى العلماني أو القومي أو الديمقراطي أو الليبرالي أو غيره فصحيح أنّه أوروبي المنشأ، ولكنه ليس وحده الذي شكّل الدولة الحديثة كما قدّمنا، فبُنيتها الأساسية وما فيها من مركزية وهيمنة ومأسسة وبيروقراطية وتقنين مردّها إلى التطور العلمي والتقني، مرورا بالطباعة، وازدياد التعداد السكاني بشكل هائل، وتطوُّر أنظمة النقل والاتصال وغير ذلك ممّا شرحته في المقال1[1] انظر مقالي “الدولة الإسلامية: بين وائل حلاق وعبد المجيد الشاذلي”، منشور عام 2022 على موقع حكمة يمانية..

الشاهد التاريخي: إمبراطوريات البارود الإسلامية

وأضيف هنا أنّ ما عُرف بإمبراطوريات البارود الإسلامية (العثمانيون، مغول الهند، الصفويون) كانت قد تطوّرت إلى نمط واضح من المركزية في الهيمنة والتنظيم وجمع الضرائب نتيجة اختراع البارود وتطوُّر الجيوش وسباق التسلّح، ممّا استلزم من الدولة طرقًا أخرى أكثر مركزية وبيروقراطية لإدارة مواردها ومجتمعاتها. فالدولة الحديثة التي نراها اليوم لم تنشأ في فقاعة أوروبا، بل ساهمت فيها مختلف الحضارات، والأهم أنها نتيجةٌ مباشرةٌ للتطورات التقنية والتغيرات الديمغرافية الهائلة في القرون الأخيرة، فهي ليست خاصةً بالأيديولوجيات الغربية حتى يصبح مجرد قولنا “الدولة الحديثة” مستلزمًا للمحتوى الفلسفي والقيمي والأيديولوجي العلماني الفاسد.

ضرورة التحديث التقني للبقاء والمنافسة

لكن من جهة أخرى نعم نحتاج أن تكون الدولة الإسلامية “حديثة” بمعنى مواكبة أحدث التقنيات وطرق التنظيم والإدارة، كي تتمكن من الحياة. فأنت مضطرٌ لمواكبة ذلك كي تقاوم الإفناء والتكالب، وكي تتمكن من مواجهة التحدّيات. لا يمكن للسكين أن يواجه مدفعًا، وكذلك لا يمكن لدولةٍ بنمط إمارةٍ بسيطة لا توظّف موارد البلاد والمجتمع بشكلٍ منظّم وذكي وعلى أحدث الطرق المجرّبة (مع التزام أحكام الشريعة) أن تواجه دولًا منظمة حديثة سوف تزدردُها كاللُّقَيمةِ حين تسنح لها الفرصة!

الخطأ العملي: التجربة الداعشية مقابل المنهج الصحيح

لذلك كانت خطيئة داعش (فضلاً عن غلوّها المقيت وتخلفها الفكري والأخلاقي) أنها حاولت بناء دولة بدائية على أطراف الدولة المركزية سواءً في العراق أو سورية. والمطلوب هو استلام هذه الدولة المركزية بمفاصلها ومواردها وقدراتها وأنظمتها وأدواتها التنظيمية، ثم إعادة تعديلها وبنائها بما يتفق مع الشريعة على قدر الاستطاعة وبما يناسب الخصوصية الإسلامية والمجتمعية المحلية، فالدولة الحديثة على دين مشغّليها من البشر وفكرهم متى امتلكوا الرؤية والإرادة والقدرة، ولا يوجد فيها بُنية ثابتة لا تتغيّر مهما حدث ولا يوجد فيها بُنية ثابتة لا تتغيّر مهما حدث، فهذه جبريةٌ بائسةٌ لا يقربها المسلم!

 المثال التوضيحي: حالة سورية والإمكانية الواقعية للتغيير

ولنضرب مثالاً لتقريب الفكرة: فكما يعمل أحمد الشرع ومن معه الآن على إلغاء الإرث الاشتراكي تدريجيّا من الدولة المركزية السورية (وهو أمر سهل بسبب انسجامه مع رغبة المجتمع الدولي المهيمن)، فسيكون قادرًا (لو امتلك الرؤية والإرادة والقدرات المادية) على إلغاء الإرث القومي والوطني والجمهوري والعلماني لبناء نموذجٍ جديدٍ يستند إلى الشريعة. المانع هنا ليس بنيويّا متخيَّلا، بل “بشري”، سواء كان داخليًا مرتبطًا برؤية المشغّلين وإرادتهم وجديّتهم في الأمر، وبوجود أو عدم وجود مجتمعٍ كثيف قوي غالب حاضن للمشروع، أو كان خارجيّا بضغوط الدول الكبرى وتهديداتها وعقوباتها.

ولهذا كان الأستاذ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله يرى ضرورة توفّر عنصُرَي “القوة والتقدم” و”الشرعية الشعبية” كشرطين أساسيّين لإقامة “الشريعة” بالشكل المنشود، فلا يمكنك إقامة الشريعة بغير شرعيةٍ مجتمعيةٍ تحتضن المشروع وتحميه داخليًا، وبغير أدوات القوة المكافئة للعصر التي تمنع – على الأقل – القوى الكبرى من إسقاطك بسهولة دون المخاطرة المؤذية لها بمواردها ونفوس أفرادها2[2] انظر محاضرته القيمة بعنوان “الخلفية التاريخية لاجتياز الهوة الحضارية مع الغرب” على يوتيوب وساوند كلاود..

الخلاصة: العائق ليس البنية بل الإرادة والتبعيَّة الثقافية

والخلاصة أنّ العائق أمام الشريعة ليس بنيويًا مرتبطًا بطبيعة الدولة، فهي ليست عنصرًا غير قابل للتفكيك والتعديل، وأنت متى امتلكتَ الرؤية والإرادة والقدرة ستفكّك البنى السابقة، وكل ما يقال من العجز عن ذلك لوجود الضغوط الدولية أو الداخلية فمردّه إلى ثنائية العجز-القدرة، وهو ينطبق أيضًا على من يحاول بناء شيء من خارج الدولة الحديثة كما يتخيّل بعض الفضلاء! ومتى امتلكتَ القدرة وأحاطك توفيق الله عزّ وجلّ وعملتَ بجدّ واجتهاد وسخّرت كوادر الأمة فلا شكّ أنّ النموذج الذي سينشأ سيكون مختلفًا عن النماذج التي تركن إلى المعايير التي فرضها الاستعمار الغربي على أذهان المتحكّمين بدول المسلمين، فانقادوا إليها كسلًا أو خوفًا أو شعورًا بالعجز أو لعدم وجود رؤية أو لانحراف في الرؤية يسعى للتوفيق أو لأي سبب آخر.

إنّ الذي أعنيه حين أتحدث عن ضرورة استلام الدولة الحديثة القائمة الآن ليس استيعاب الديمقراطية أو العلمانية أو الاقتصاد الليبرالي أو القومية أو غيرها من الأنظمة الغربية الجاهلية ضمن رؤية الشريعة، ومَن فَهِم ذلك لا يستطيع أن يجد كلمةً واحدةً تدلّ عليه في كلامي سوى أنّه يفترض بأنّ مجرد قول “دولة إسلامية” في الواقع الحديث يستلزم ذلك، وهذا راجع إلى انضباع فكري للمقولة الاستشراقية الغربية التي تنسب الدولة وتطوّرها وحداثتها إلى أوروبا، وتنظر إلى المشرق باعتباره نمطًا قبائليًا لديه أنماط حكم اجتماعية بدائية، وهو أمر مغلوط تاريخيًا، يعرفه من قرأ التاريخ الإسلامي وعرف دوله العريقة.

إنّ ما أدعو إليه هو الخروج من هذه التبعية الثقافية التي تتبنى الرؤية الاستشراقية من غير وعي، والتعامل بطريقة المسلمين الذين لا يُسبغون المفاهيم الجاهلية على مصطلحات عامة لا تحمل ألفاظها ودلالتها اللغوية تلك الجاهلية، بل يسمّون الأشياء بمسمّياتها، فيقولون حين يريدون ذمّ المفاهيم الغربية في أنظمة الحكم والسياسة: العلمانية والوطنية والقومية والليبرالية والديمقراطية والشيوعية وغير ذلك. أما اصطلاح “الدولة الحديثة” فلا يحمل بالضرورة هذه المفاهيم كما تقدّم.

ثالثًا: المشكلات البنيوية في الدولة العلمانية الحديثة

حين أقول بضرورة وجود دولةٍ إسلاميةٍ حديثةٍ على أعلى معايير القوة والتنظيم والإدارة والمأسسة فهذا لا يعني أنني لا أرى خللًا في الدول العلمانية الحديثة، بل فيها خلل جوهري يتمثّل بشكل أساسي: بالاجتماع على غير الإسلام رابطةَ ولاء، والانتساب إلى غير الشرع في الأحكام والتشريع.

ومع ذلك هناك تفاصيل أخرى كتبت في نقدِها منذ سنوات في نموذج الدولة القومية الحديثة.

فأنا أولاً مع التخفُّف من “الدولة” قدر الإمكان، وأعني بذلك أنني أرفض بشدّة نموذج الدولة القومية بشعاراتها التي تجعل منها موضعًا للانتماء، فالواجب أن تكون “دولة رعاية”، تقيم العدل وتنصف الحقوق وتحمي البيضة وتصون الحرمات، دون أن تتحوّل إلى كيانٍ ينتمي إليه الإنسان ويتقدّم إليه بشعائر الولاء والتقديس والتعظيم!

ما مشكلتي مع الدولة العلمانية القومية؟ (هذا هو اسمها وليس مطلق “الدولة الحديثة”!)

النقد الأول: الهوية الوهمية القومية مقابل الولاء للإسلام

أنها تصنع هويةً وهميةً تُنتج التعصّب البائس، هذه الهوية المبنيّة على القُطر السياسي ورموزه وشعاراته وعلَمه ونشيده الوطني تُلوّث القلب بشيء من مادة التقديس والتعظيم التي يجب أن تنصرف إلى الله عز وجل، وما يتبع ذلك من ولاء للأمة الإسلامية كلها بلا تفريق بين أقطارها، ولذلك فهي معيقة وخطيرة بل كارثية على المستوى العقائدي وعلى مستوى النتائج الواقعية من ضعف الأمة وتشرذمها.

النقد الثاني: التغول المالي والضرائب الجائرة

تأخذ الدولة بنموذجها العلماني أكثر من حقّها في المال من جيوب المواطنين عبر الضرائب المتنوعة، وتخترع الضرائب تلو الأخرى، كما كان يفعل أمراء الاستبداد في العصور السالفة عبر الإقطاعيين أو “الملتزمين” في نموذج الدولة العثمانية. وفي الإسلام تحددت الأموال التي تأخذها الدولة وتنظّمها كالزكاة وغيرها، وهي مفصّلة في كتب “الأموال” و”الخراج”، مع هامش من الاجتهاد في جمع المال لا يسمح بهذا التغوّل المالي الذي تمارسه الدول اليوم. وصحيح أنّ الدول العلمانية الغربية الحديثة في معظمها تخلّصت من جريمة اعتبار الحاكم الدولةَ ملكيّة خاصة له وعدم تفريقه بين المال الخاص والعام كما حدث في عصور الاستبداد في بلاد المسلمين وما زال، ولكنها حوّلت الدولة إلى كيانٍ ثقيل اليد يبالغ في التغوّل على مرافق الحياة والملكيات العامة، ويتبع ذلك تغوّلٌ في جمع الضرائب والرسوم.

النقد الثالث: قولبة الحياة البشرية (القانون مقابل الفقه)

تُوسّع الدولة العلمانية مساحات التقنين حتى تُثقل كاهل الحياة البشرية وتقحم أنفها في تفاصيل التفاصيل. ولستُ ضدّ التقنين، فهو تطوّر طبيعي لتطوّر البشرية وتعقيد مجالات الحياة وصعوبة التعامل الشخصي مع تضخّم الكتل السكانية. ولكن لا بدّ من مساحة من التحديدات الراجعة إلى كل حالة على حدة بتعامل إنساني قدر الإمكان، وقد ناقشتُ قديمًا تحديد سنّ الطفولة وما يترتّب عليه من حقوق وواجبات وقارنت بين نموذج القانون الحديث ونموذج {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} وما جاء في السنّة في الباب. وهذا الذي يميّز “الفقه” عن “القانون”، فهو اجتهادٌ لكل حالة بظروفها، وفيه تفاعلٌ إنساني حيّ مع المجتمع وتحقيق للذاتية الإنسانية وعدم قولبتها في قوالب جاهزة تُعمَّم على قطاعات ضخمة من الأفراد والمجتمعات.

النقد الرابع: البيروقراطية الخانقة

تربط الدولة العلمانية الإنسان بمجموعةٍ مرهقة ومؤرّقة من الإجراءات والأوراق ليستطيع العيش. وهذا أمر متفاوت بين دولة وأخرى، ومَن تنقّل بين الدول سيجد الفرق بين دول شديدة البيروقراطية، ودول تتخفّف من وطأة هذه البيروقراطية سواء عبر الإجراءات الذاتية عبر الشبكة أو من خلال اختصار الكثير من الإجراءات. فالبيروقراطية لا بدّ منها لتعقّد المجتمعات ومجالات الحياة، لكنّ التخفف منها إلى حدّ كبير ممكن وضروري.

جوهر الرد: هذه العيوب قابلة للتغيير وليست حتمية بنيوية

وهذه كلها لو لاحظنا أمورٌ يمكن التصرّف والتعديل فيها عندما تتوفر الرؤية والإرادة والقدرة، وليست نمطًا واحدًا ولا كتلةً واحدةً مصمتة لا تتغيّر. وفي العالم منذ قرنين حتى اليوم دول تنوّعت بشكل كبير في هذه المحاور بحيث لا يمكن الحديث عن “دولة حديثة” لها صفاتٌ واحدة لا تتغيّر! ومن باب أولى، يمكن بطبيعة الحال تغيير الأيديولوجية التي تحملها الدولة: كالعلمانية والليبرالية والشيوعية والاشتراكية والقومية وغير ذلك ممّا يرجع إلى البنية الفلسفية والقيمية للحداثة الغربية.

نقد أطروحة وائل حلاق: المثالية المنقطعة عن الواقع

وهذا الذي يجعلني أنظر إلى تنظيرات وائل حلاق وأمثاله بخصوص الدولة الحديثة باعتبارها تنظيراتٍ مثالية غير واقعية، سواء من جهة الحديث عن استحالة إقامة الشريعة، أو من جهة توصيفه لشيء ثابت متخيَّل لديه بصورة معيّنة يسمّيه “الدولة الحديثة”، وهو الأمر الذي جلب عليه نقود عدد لا بأس به من الأكاديميين في الغرب والشرق، أو من جهة انقطاعه عن النظر في الواقع الحالي واستقرائه وتفتيق ممكناته ضمن مشروع جادّ لإخراج الأمة من النفق المظلم الذي تعيش فيه، فكلامه من جنس تنظيرات أساتذة الجامعات الغارقين في الكتب والذين يميلون إلى قولبة الواقع ضمن نظريات سهلة التداول، ولا ينظرون إلى هذا الواقع ويشتبكون بهمومه وممكناته.

الخلاصة: تجسيد المصطلحات ومغالطة الماهية الثابتة

إنّ أخطر ما فعله حلاق أنه ولّد خطابًا يعيش في النظرية وتحليلات الفلاسفة والمفكرين ومقولاتهم حول الدولة الحديثة و”أسطرَتها”، ثم يرسم هو من جهته تصوّرًا تاريخيّا قاصرًا عما يتخيّل أنّه “الحكم الإسلامي” ذي الطبيعة الواحدة، وهكذا يسهل عليه العثور على الفروق الجذرية بين نموذج تاريخي متخيَّل عن “الحكم الإسلامي” وبين نموذج نظري موحَّد عن “الدولة الحديثة”.

أما الواقع وتفاصيله؟ أما اختلاف الدول الحديثة عبر قرنين؟ أما حدوث تغييرات جذرية خلال هذين القرنين؟ أما مساحة الممكن النظري والواقعي بخصوص تغيير نمط الدولة والتجارب العديدة في ذلك التي تُلهم أي مشروع إسلامي جادّ في إقامة الشريعة؟ أمّا هذا كله فهو خارج عن دائرة بحثه؛ لأنّه يتصوّر شيئًا اسمه “الدولة الحديثة” له ماهيةٌ ثابتةٌ مكوّنة من عناصر محدّدة، وهذه الماهية لا تتبدل ولا تتحول إلا بنزع اسم الدولة الحديثة عنها.. وهو تصوّر أكاديمي خيالي يناقض التغيّر الدائم في الواقع وطبيعة الأشياء، ويتجاهل أنّ الدولة بمشغّليها قبل كل شيء وليست كائنًا حيّا له صفات لا تتبدّل، فضلاً عن مناقضة تصوّره لطبيعة الشريعة وحركيّتها وطبيعة الإيمان الإسلامي الذي لا يخضع للحتميات البشرية.

رابعًا: عوائق إقامة الشريعة

وأخيرًا: إنّ المانع من قيام دولة إسلامية حديثة تقيم الشريعة ليس تناقض بنية الدولة الحديثة مع بنية الشريعة كما تقدّم، بل المانع يتجلّى والله أعلم في ثلاثة جوانب:

أولا: عدم وجود النية والرؤية، والمقصود بالرؤية تصوّر نموذج تطبيقي والاجتهاد من أجل الحلول وطرق التطبيق التي تواكب العصر، وهذا جهد نتيجته مكفولة في بنية الشريعة وأصول الفقه، ولكنه يحتاج إلى بذل واجتهاد ولن يأتي وحده.

ثانيا: عدم وجود إرادة كافية لإقامة الشريعة من جهة من يصل إلى السلطة إلّا من رحم ربّك، وهذا ينتج عن عوامل عديدة وأبرزها الخوف من الضغوط والعقوبات الدولية، والأخطر: الخوف من إسقاط التجربة. ومنها عدم الثقة بالقدرة على ذلك والجدارة، وهذا مرتبط بالعامل الأول، وهو الرؤية، فطالما أنك لا تملك رؤية واضحة مشتبكة بالواقع ومستوعبة للشريعة وأصولها فستظل متردّدًا ومحجِمًا وخائفًا، وسيظل حلم إقامة الشريعة فكرة تداعب الخيال وليست مشروعًا جادّا.

ثالثًا: عدم وجود القدرة على ذلك، وأعني هنا في الأساس القدرة المادية من خلال الجانب العسكري والسياسي الدبلوماسي، والقدرة المجتمعية من خلال وجود مجتمع قوي هادر يحمل رسالة الشريعة ويدافع عنها، ولا يُشترط أن يكون كل الشعب ولا نصفه، بل يكفي أن يكون من القوة بحيث يحمل معه فئات المجتمع الأخرى، كما حدث في المدينة المنورة مع حدوث التمكين الأول.

المشكلة الجوهرية: التمكين كمدخل لإقامة الشريعة

فمشكلة إقامة الشريعة الأساسية اليوم مشكلة تمكين: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ} (الحج: 41). والتمكين له جوانب عدة منها المتعلق بالرؤية والإعداد، ومنها المتعلق بالإيمان والعزيمة والإرادة، ومنها المتعلق بالقدرات المادية والمجتمعية.

 صلاحية المبدأ لكل عصر ورفض “الاستثناء” التاريخي

وهذه الآية صالحة لكل زمان ومكان، ولا يوجد عصر تفقد فيه صلاحيّتها إلّا لمن حمل خللًا في فهم الإسلام. حتى مع وجود الفساد والصعوبات البنيوية وطول العهد بالبعد عن الشريعة وحاكميّتها وفساد المجتمعات وغير ذلك.. فسنظل محكومين بقواعد الشريعة التي تأمرنا بإقامة ما نستطيعه منها، وهذا من أَبْده بديهيات الدين عند العوام فضلا عن الفقهاء!

التشبيه العملي: الصلاة نموذجاً للتطبيق المرحلي والواقعي

فالصلاة في الإسلام لها صورة هي “المثال”، نتوضّأ بالماء الطاهر، ونصلّي قائمين، ونركع ونسجد، ونقيم كل أركانها وشروطها.. لكنْ لو افترضنا أنّ شخصًا ما واجه عوائق في ذلك: داخلية وخارجية. فأما الداخلية فهي مرض منعه من الوقوف والحركة بالركوع والسجود، وأما الخارجية فهي انعدام الماء فتيمّم أو ربما لم يجد ترابا يتيمّم به أيضًا. فهو إذا صلّى مع هذه العوائق يسمّى “مقيما للصلاة” وإنْ لم يبلغ الصورة “المثالية” للصلاة. وهكذا شأن الشريعة؛ يقيم المسلمون ما يستطيعون منها، وإنّ مقولة “الاستحالة” بحدّ ذاتها تناقض أبسط مبادئ الشريعة لمن فقه، فهي ساقطة بنيويّا!

الإحالة إلى الحلول التطبيقية المقدَّمة سابقاً

أما كيف يكون الشكل التطبيقي للدولة الإسلامية في الواقع الحديث؟ وكيف تواجه الإشكاليات الأيديولوجية والبنيوية الراسخة في الدول الحديثة المعاصرة؟ فهو أمر عالجتُه في مقالات سابقة، ذكرت بعضها في مطلع هذا المقال، ولم أذكر بعضها الآخر، منها دراسة قديمة لي نُشرت على جزئين بعنوان “بين الديمقراطية والآليات الشرعية الإسلامية”، شرحتُ في جزئها الأول الأسس والثوابت التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، ومصادر التلقّي في رسم الصيغة التطبيقية لهذا النظام، وفصّلت في جزئها الثاني صورة تطبيقية معاصرة لنظام الحكم في الإسلام، كنت فيها ملخّصًا للرؤية التطبيقية التي قدّمها الأستاذ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله في كتابه “الحكومة الإسلامية: رؤية تطبيقية معاصرة” مع الاستعانة بمصادر أخرى. وهناك قسم ثالث ما زال قيد الكتابة في هذا الباب، وأرجو من الله أن يوفّقني إلى إخراجه.

الهوامش

[1] انظر مقالي “الدولة الإسلامية: بين وائل حلاق وعبد المجيد الشاذلي”، منشور عام 2022 على موقع حكمة يمانية.

[2] انظر محاضرته القيمة بعنوان “الخلفية التاريخية لاجتياز الهوة الحضارية مع الغرب” على يوتيوب وساوند كلاود.

المصدر

موقع غراس، بقلم: شريف محمد جابر.

اقرأ أيضا

الحكم الإسلامي والدولة الحديثة: بين الاتفاق والاختلاف

التأسيس الفكري لاستعادة التجربة الراشدة

هل ترك النبي ﷺ أزمة دستورية؟ تحليل لكلام الشيخ الددو والردود عليه

التعليقات معطلة