حول مشاركة المسلمين في جنائز غير المسلمين

بابا روما لن يُمثَّل في جنازة ملك الانجليز جورج السادس . وذلك لأن الصلاة ستجري حسب طقوس الكنيسة الإنجليكانية . وهي طقوس لا يستطيع المندوب البابوي المشاركة فيها!!

مناسبة الكلمة: المشاركة في جنازة بابا الفاتيكان

من روائع الشيخ أحمد شاكر .. حول مشاركة المسلمين في جنائز غير المسلمين :

بمناسبة ما قرأناه أمس من خبر مشاركة بعض المسلمين – ومنهم وزير الأوقاف المصري –في جنازة بابا الفاتيكان الراحل ،وحضورهم القداس الجنائزي الذي أقيم بتلك المناسبة ، والذي شارك فيه نحو ٢٥٠ كاردينالًا، إلى جانب عدد كبير من الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات.

أقول إني قد تذكرت بهذه المناسبة مقالةً كنت قد قرأتها للعلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله ،نشرها في مجلة الهدي النبوي حين كان يرأس تحريرها في بداية الخمسينيات من القرن الميلادي المنصرم، حيث كتب في عدد جمادى الأولى والثانية 1371هـ  كلمةً تحت عنوان : (حضور المسلمين الصلاة في الكنائس) ، وذلك تعليقاً على خبر نشر بالصحف في ذلك الوقت مفاده أن بابا روما لن يُمثَّل في جنازة ملك الانجليز جورج السادس . وذلك لأن الصلاة ستجري حسب طقوس الكنيسة الإنجليكانية . وهي طقوس لا يستطيع المندوب البابوي المشاركة فيها. فقال الشيخ رحمه الله تعليقاً على ذلك :

العودة إلى كلمة تاريخية للشيخ أحمد شاكر

( فهذا رجل مسيحي بل هو رأس المسيحية الغربية المعترف به في دول العالم قاطبة . وملك الإنجليز الميت مسيحي أيضا ، والكنيسة التي ستقام فيها جنازته مسيحية ، وطقوس الجنازة مسيحية .ولكن الفرق بين الفريقين اختلاف المذهب ، لا اختلاف أصل الدين. فهذا الرجل الذي يحرص على طقوس مذهبه، يأبى أن يمثل رسمياً في كنيسة لها طقوس غير طقوسه . ولا يستطيع مندوبه المشاركة فيها . يفعل البابا هذا ويراه حقاً له ، ولا تستطيع رأس أن ترتفع بالدهشة لما صنع ولا يستطيع لسانٌ أن يقول كلمةً ، ولا يستطيع قلمٌ أن يكتب حرفاً ، ولا يستطيع أحدٌ من أتباعه أو من غير أتباعه أن يرميه بالتعصب الديني ، بل بالتعصب المذهبي الفرعي .

موقف البابا الدال: الاعتذار عن حضور جنازة ملك إنجلترا

أما نحن فإذا قلنا إن شريعتنا تحرم على كل مسلم أن يحضر صلاة غير صلاة المسلمين ، في بيعة أو كنيسة أو غيرهما ، ولو لم يشارك فيها ولم يعتقد منها شيئاً . وأنَّ من فعل هذا فقد ظهر بين المسلمين بمظهر الكفر والردة ، لا يقبل منه عذر بمجاملة سياسية ، ولا بنفاق اجتماعي ، ولا بأي عذر من الأعذار ، إذا قلنا شيئاً من هذا ثارت الدنيا وأخذتنا الأقلام، والألسنة من كل جانب ، ونادَوْا بالويل والثبور من تعصب المسلمين تعصباً دينياً ، ورُمينا ببغض المسيحيين وببغض الأجانب ، وقال كلٌ ما شاء، بل يقول ذلك وأكثر منه الكُتَّاب الكبار ، والمتعالمون العظماء ، الذين يرون أنهم أعرف الناس بحقائق الإسلام وشرائعه ، بما ارتضعوا من لبان أوروبة ، وبما شربوا من نتاج المبشرين ، وبما رُبُّوا في أحضان الخواجات) .

المفارقة الصارخة: بين احترام اختلافهم واتهام تعصبنا

تنبيه : هذا الذي ذكره الشيخ أحمد شاكر رحمه الله من حرمة شهود صلاة غير المسلمين على موتاهم لا نعلم فيه خلافاً ، ولا يقدح فيه كون بعض أهل العلم ( الحنفية والشافعية ) قد أجازوا اتباع جنائز غير المسلمين ؛ فإن هذا الجواز مشروط بعدم شهود شيء يخالف ديننا ومعتقدنا ، وذلك لعموم قوله تعالى : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا )[ النساء:140]. وإنَّ ما يقولونه في قُداسهم لا يخلو مما تعده شريعتنا شركاً وكفراً بالله رب العالمين ، وهو من الزور الذي أثنى الله تعالى على عباده بعدم شهوده، في قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) [الفرقان:72] فإن الزور كما قال أهل العلم يشمل كل باطل، وأعظمه الشرك بالله تعالى.

 التأصيل الشرعي: بين حرمة شهود الصلاة وجواز اتباع الجنازة

يؤيد ما قلناه أن من الآثار التي استدل به مَن أجاز اتباع جنائز أهل الكتاب ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 3/ 228) ، عن أبي وائل، قال: ( ماتَتْ أمي وهي نصرانية، فأتيت عمر، فذكرت ذلك له، فقال: “اركب دابةً وسِرْ أمامها”). ومثله عن ابنه عبد الله بن عمر ، كما أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في نفس الموضع أن ابن عمر سئل عن الرجل المسلم يتبع أمَّه النصرانية تموت ، فقال : ( يتبعها ، ويمشي أمامها ). ولا نرى معنى للأمر بالمشي أمام الجنازة إلا أن ذلك من أجل ألا يرى شيئاً من شركهم وباطلهم . يؤكد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في نفس الموضع المشار إليه عن عطاء بن السائب قال : ( ماتت أم رجل من ثقيف وهي نصرانية ، فسئل ابن مغفل فقال إني أحب أن أحضرها ولا أتبعها . قال اركب دابةً ، وسر أمامها غَلْوةً فإنك إذا سرت أمامها فلست معها). والغلوة كما يقول أهل اللغة : مقدارُ رميةِ سهمٍ، وتُقَدَّرُ بثلاث مئة ذراع إِلى أَربع مئة. أي أن التباعد عنهم يجعله كأنه ليس معهم ؛ إذ لا يشهد أقوالهم وأفعالهم الشركية. ولذا جاء في كتاب الآثار للإمام محمد بن الحسن الشيباني ( 2/ 178) : ( قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا نَرَى بِاتِّبَاعِهَا –أي جنازة الكفار- بَأْساً، إِلَّا أَنَّهُ يَتَنَحَّى نَاحِيَةً عَنِ الْجَنَازَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ).

الجمع بين المنع من حضور الطقوس والبر بغير المحاربين

وهذا كله يتمشى مع الأصل العام الذي لا نعلم أحداً من أهل العلم يخالف فيه ، وهو المنع من حضور المسلمين لما يمارسه غيرهم من الطقوس الشركية المخالفة لعقيدة المسلمين . وأن ذلك المنع لا ينافي ما رغَّبتْ فيه الشريعة من البر والقسط إلى غير المحاربين من أهل الكتاب . هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

المصدر

صفحة د. عبد الآخر حماد، على صفحة ميتا.

اقرأ أيضا

من صفات المنافقين المسارعة في ولاء الكافرين

حدود الولاء المكفر .. حفظا للأمة ومنعا للغلو

التعليقات غير متاحة