اليمين الإنجيلي لم يولد من رحم الأزمة الدينية الروحية، بل كرد فعل سياسي على تحولات مجتمعية شعر معها المحافظون أن هيمنتهم الثقافية مهددة. وما يجعل هذا التيار خطيراً ليس فقط قوته الانتخابية، بل قدرته على تحويل الخوف والإحباط إلى تنظيم دائم، مع جيل كامل من الكوادر التي تخرجت من مدارسه ومعاهده.

الجندي الذي يلبس صليب الحروب الصليبية: مشاهد من أمريكا المتديّنة

في مشهد لم يكن ليخطر ببال كثير من المحللين قبل عقدين من الزمن، يقف جندي أمريكي في تدريبات قتالية بجزر الكاريبي، وخوذته العسكرية تزينها رقعة تحمل صليباً كان رمزاً للحروب الصليبية في العصور الوسطى. ليس هذا مشهداً لفيلم تسجيلي عن التطرف، بل صورة نشرها الجيش الأمريكي بنفسه على حسابه الرسمي في إنستغرام في ديسمبر 2025.

وفي الطرف الآخر من المشهد السياسي، يقف بيت هيكس، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، متباهياً بوشم على ذراعه اليمنى يكتب عليه “كافر”، ومعلناً في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية” أن غزوه للعراق وأفغانستان لم يكن مجرد حرب سياسية، بل كان امتداداً لواجب ديني مقدس. وحتى في البيت الأبيض، لم يسلم المشهد من الطقوس الدينية: فقد استقدم ترامب الرهبان والوعاظ ليقرؤوا عليه الصلوات، وسط مزاعم أن بعضهم كان “يطرد الأرواح الشريرة” من غرف البيت الأبيض.

هذه المشاهد لم تعد حكراً على هوامش المتطرفين في أمريكا. بل أصبحت تتصدر الشاشات وتفرض نفسها على مراكز القرار السياسي والعسكري الأكثر نفوذاً في العالم. إنها “ظاهرة التديين” التي تتسارع في المؤسسات الأمريكية، وتكشف كيف تحول الدين من قضية شخصية إلى أداة رسمية لتغيير طبيعة التدريب العسكري وصياغة السياسات الخارجية.

عندما تصبح أكاديمية القوات الجوية مدرسة لاهوتية

في أبريل 2026، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراً أثار حفيظة المراقبين: تعيين إريكا كيرك في الهيئة الإشرافية لأكاديمية القوات الجوية الأمريكية. إريكا كيرك ليست جنرالية مخضرمة، ولا خبيرة في الاستراتيجيات العسكرية، ولا حتى لديها خبرة قتالية. لم تسافر في مهمة عسكرية خارج الولايات المتحدة، ولم تعمل في أي منصب سيادي يتعلق بالأمن القومي. كل ما تملكه هو خلفية في العلوم السياسية والإعلام، ودراسات عليا في “اللاهوت الإنجيلي”، ونشاط مكثف في التبشير المسيحي.

لكن ترامب لم يخف سبب تعيينها. قال بكل صراحة إنها موجودة في هذا المنصب الحساس “لتشرف على التعليم الديني للطلاب”، و”لتشرف على المناهج التعليمية ومدى ملاءمتها للقيم المسيحية التي تأسست عليها أمريكا”. بعبارة أخرى، أصبح منصباً عسكرياً علياً مبرره الأساسي هو “تأديب” الضباط الشباب على العقيدة الإنجيلية.

هذا ليس حدثاً معزولاً. بل هو تتويج لمسيرة من تسلل التيار الإنجيلي إلى أعلى هرم السلطة التنفيذية، والذي بدأ يتشكل قبل نصف قرن بالضبط، في سبعينيات القرن الماضي.

ترامب: المؤمن الحقيقي أم المتاجر بالدين؟

أحد الأسئلة المحورية التي تطرح في هذا السياق: هل ترامب نفسه مقتنع بهذه الأفكار أم أنه يستخدمها سياسياً؟ الإجابة تأتي من روايتين متكاملتين:

الرواية الأولى (التي يتبناها الإنجيليون أنفسهم): ترامب ليس نموذجاً للرجل المسيحي الصالح. فهو رجل “داعر وخمرجي” ومتهم بقضايا تحرش جنسي وعلاقات مع إبستين وفضائح أخلاقية. لكنهم يرونه مثل “الإمبراطور سايرس”، الإمبراطور الوثني الذي استخدمه الرب لخدمة أهدافه. فهو “رسول مبعوث من الرب”، وليس مؤمناً بالضرورة. بولا وايت، رئيسة مكتب البيت الأبيض للشؤون الدينية، تذهب إلى أبعد من ذلك فتقول: “أنا أطرد الأرواح وأستجلب الملائكة، والذي يقف الآن معي ليس ترامب بل الإله بنفسه، ومن ينتخب ترامب فهو ينتخب الرب”.

الرواية الثانية: ترامب يدرك أن هناك قاعدة انتخابية هائلة من الإنجيليين. فالكنائس الضخمة (الميجا تيرشيز) التي تضم أكثر من 2000 مصلٍّ لكل كنيسة، يبلغ عددها 1700 كنيسة في أمريكا، وتضم ما لا يقل عن 7 ملايين ناخب. هذه القوة الهائلة تجعل من الضروري لأي مرشح للرئاسة أن يتحدث لغتهم، وأن يتلو صلواتهم، وأن يعين شخصياتهم في مناصب حساسة.

وهكذا، سواء كان ترامب مؤمناً حقيقياً أو متاجراً بالإيمان، فإن النتيجة واحدة: تعميق حضور الدين في مؤسسات الدولة، وتكريس فكرة أن “أمريكا دولة مسيحية” وليست دولة علمانية.

الجذور التاريخية: من صدمة الستينيات إلى تنظيم السبعينيات

لكن من أين جاء هذا التيار؟ ولماذا ظهر بقوة في السبعينيات تحديداً؟ للإجابة، يجب أن نعود إلى ثلاث قضايا كبرى هزت المجتمع الأمريكي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي:

القضية الأولى: إلغاء الفصل العنصري

حتى عام 1960، كان التمييز العنصري مؤسساً في القانون الأمريكي. كان “ذوو البشرة السوداء” يُمنعون من الجلوس في أماكن واحدة مع البيض، ويُمنعون من التدريس في قاعات واحدة، ويُمنعون من الزواج المختلط. في الستينيات، بدأت قوانين الفصل العنصري تسقط الواحدة تلو الأخرى. بالنسبة للمحافظين، كان هذا “انتهاكاً للنظام الطبيعي” الذي وصفوه بـ “المقدس”. بل إن بعض القساوسة خرجوا ليعلنوا أن إلغاء الفصل العنصري “حرام بنص الكتاب المقدس”، لأن “الفصل العنصري مقدس وواجب شرعي في الإنجيل”.

القضية الثانية: الإجهاض

في أوائل السبعينيات، تم تقنين الإجهاض في الولايات المتحدة. لم يعد الإجهاض جريمة، بل أصبح حقاً قانونياً للمرأة. بالنسبة للإنجيليين، كان هذا “قتلاً للأرواح” وتحدياً صارخاً للقيم المسيحية.

القضية الثالثة: ثورة المثليين وحقوق المرأة

في عام 1969، وقعت أحداث “ستون وول” التي تعتبر نقطة انطلاق حركة المثليين في أمريكا. وفي نفس الفترة، انتشرت الموجة النسوية الثانية بقوة مع كتابات بيتي فريدمان، وحركات تحرر المرأة التي حملت قدراً من العداء للقيم المحافظة التقليدية.

هذه القضايا الثلاث مجتمعة شكلت “كارثة حضارية” في عيون المسيحيين المحافظين. المجتمع الذي كانوا يعرفونه يتغير أمام أعينهم، والقيم التي كانوا يعتبرونها “أبدية” أصبحت محل نقض وسخرية.

بول وايريك – العبقري الذي حوّل الخوف إلى تنظيم سياسي

في هذا الجو من القلق والغضب، ظهر رجل يُدعى بول وايريك. هذا الرجل، وهو مسيحي محافظ، أدرك أن الحل ليس في العزلة أو الانسحاب من السياسة. فالمسيحيون المحافظون كانوا حتى ذلك الحين يتخذون موقفاً “انعزالياً” تجاه السياسة الأمريكية، يرونها “فاسدة” و”بعيدة عن قانون الرب”. لكن وايريك قرر كسر هذه العزلة.

ما الذي فعله بول وايريك؟

أولاً: بدأ بتنظيم التيار المحافظ داخل الكنائس. لم يكن هدفه التبشير أو التعليم الديني، بل تسييس المؤمنين. كيف؟ بالتركيز على قضايا “تسهل الحشد” مثل الإجهاض. لماذا الإجهاض بالتحديد؟ لأنه يثير المشاعر، ولا يحتاج إلى شرح معقد، ويجعل الناس تنزل إلى الشوارع وصناديق الاقتراع بسهولة.

ثانياً: أسس أو شارك في تأسيس منظمات سياسية دينية، أبرزها منظمة “الأغلبية الأخلاقية” (Moral Majority) في عام 1979، ومجلس الحريات الدينية في عام 1981. هذه المنظمات عملت على تحويل الكنائس إلى مراكز انتخابية.

ثالثاً: طور أسلوباً دقيقاً في الدعاية. لم يكن بإمكان القساوسة أن يقولوا صراحة “انتخبوا فلاناً” أو “لا تنتخبوا فلاناً”، لأن ذلك قد يعرض وضعهم الضريبي أو القانوني للخطر. لكنهم كانوا يقولون: “أولئك اليساريون، النسويون، الذين يشجعون على الإجهاض، أولئك كفار لا يؤمنون بالمسيح، أولئك ملحدون بلا رب”. ثم يتركون الناخبين ليستنتجوا بأنفسهم من يجب أن يصوتوا ضده.

المفارقة الكبرى: الإنجيلي السياسي الذي لا يصلي

أحد أهم الاكتشافات التي تقدمها هذه الدراسة هي “المفارقة الكبرى” في هذا التيار: هناك أناس كثر ليسوا متدينين في حياتهم اليومية، لا يصلون ولا يذهبون إلى الكنائس، لكن خياراتهم السياسية “تلتزم بالكتاب المقدس”.

أي أن الانتماء إلى “اليمين الإنجيلي” لم يعد يتطلب أن تكون مصلياً أو مؤمناً حقيقياً. بل يتطلب أن تؤمن بـ “القيم” – قيم التفوق الأبيض، الاستثنائية الأمريكية، القومية المسيحية، والصهيونية المسيحية. هذا يعني أن التيار أصبح هوية سياسية أكثر منه مذهباً دينياً.

كتب أحد الباحثين في كتاب “The Kingdom for God” (2018) أن هذه الظاهرة تفسر لماذا تجد منظمات مثل “كوفي كريستيانز يونايتد فور إسرائيل” تضم ملايين الأعضاء الذين ليسوا بالضرورة متدينين، لكنهم “مؤمنون بالقيم المسيحية” سياسياً.

من الهامش إلى المركز: صعود التيار واقتحام الكابيتول

ما بدأ في السبعينيات كتنظيم صغير من المحافظين الغاضبين، تحول اليوم إلى قوة عظمى في السياسة الأمريكية. هناك اليوم أكثر من 1700 كنيسة “ميجا تيرشيز” في أمريكا، يحضر كل واحدة منها أكثر من 2000 مصلٍّ. هذه الكنائس وحدها تضم ما لا يقل عن 7 ملايين ناخب. وهؤلاء يمثلون قاعدة انتخابية لا يمكن لأي مرشح للرئاسة أن يتجاهلها.

ولم يتوقف التيار عند حدود الكنائس. فقد تمكن من التغلغل في الجامعات والمدارس والجيش والمحاكم. وقد بلغت الأمور ذروتها في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021. المتظاهرون لم يكونوا مجرد غاضبين سياسياً؛ بل كانوا يحملون الصلبان، ويمسكون بالكتاب المقدس بأيدٍ تلوح بالأعلام، ويرتدون قبعات مكتوب عليها “ترامب – الرب – الأسلحة”. مشاهد العنف والقتل داخل مبنى الكابيتول الذي يرمز في الوعي السياسي الأمريكي إلى “قدس الأقداس” للديمقراطية، لم تكن مجرد ثورة غاضبة على نتيجة انتخابات. بل كانت تتويجاً لهذا التيار الذي بدأ يتشكل قبل نصف قرن.

في عام 2025، صدرت وثيقة بعنوان “Integrating Our Practices” تحكي كيف فشل بول وايريك في تغيير المؤسسات بالوسائل الإصلاحية، فقرر أن الحل هو تدمير المؤسسات الديمقراطية وبناء مؤسسات إنجيلية على أنقاضها. وهذه الوثيقة، كما يؤكد المحللون، هي نفسها ما يفعله ترامب وأنصاره اليوم. أحداث الكابيتول ليست مجرد شغب، بل هي “تطبيق عملي” لرؤية تأسست قبل نصف قرن.

خلاصة

اليمين الإنجيلي لم يولد من رحم الأزمة الدينية الروحية، بل كرد فعل سياسي على تحولات مجتمعية شعر معها المحافظون أن هيمنتهم الثقافية مهددة. وما يجعل هذا التيار خطيراً ليس فقط قوته الانتخابية، بل قدرته على تحويل الخوف والإحباط إلى تنظيم دائم، مع جيل كامل من الكوادر التي تخرجت من مدارسه ومعاهده.

من خوذة الجندي الحامل للصليب في جزر الكاريبي، إلى وشم بيت هيكس “كافر” على ذراعه، إلى تعيين إريكا كيرك في أكاديمية القوات الجوية، إلى اقتحام الكابيتول بالصلبان والكتب المقدسة، كلها حلقات في سلسلة واحدة تمتد جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي. اليوم، بعد خمسين عاماً من الانطلاق، لم يعد هذا التيار مجرد “ضاغط انتخابي”، بل أصبح هو “الدولة” نفسها.

والسؤال الذي يبقى مطروحاً بقوة: ماذا يعني هذا التحول للعالم، وللمسلمين بشكل خاص، في ظل عقيدة هذا التيار التي ترى في الآخر (المسلم، العربي، الفلسطيني) عدواً وجودياً يجب إبادته أو تحويله؟ هذا ما سنكشفه في المقالات التالية من هذه السلسلة.

المصدر

كيف يرى الإنجيليون ترامب “مرسلاً من الرب” وهو غير متدين؟ | بودكاست عربي بوست

بودكاست عربي بوست، الدكتور إسماعيل عرفة. بتصرف.

اقرأ أيضا

بيت هيغسيث والحملة الصليبية الجديدة

المشروع الصليبي الاستعماري في المشرق الإسلامي

التعليقات معطلة