تظلم صفحة الرجال في التاريخ أحياناً، وتسودّ سيرتهم، فيمر القارئ على تلك الصفحات فيجد فيها انكساراً تاماً وعاماً يورث حزناً وكآبة. إلا أن تلك البروق اللامعة لمواقف المرأة المسلمة تبقى استثناءً مضيئاً في قلب العتمة. وقد تكرر هذا الحال في أزمنة النكبات والهزائم، لا سيما في حدثين عظيمين هزّاً أركان العالم الإسلامي في وقت متقارب: اجتياح المغول للشرق، وسقوط الأندلس في الغرب.

لحظة انكسار الأمة

كان النصف الأول من القرن السابع الهجري لحظة فارقة في تاريخ العالم الإسلامي، وكأن الأفق قد أظلم من كل اتجاه. ففي الشرق، اجتاحت جيوش المغول بقيادة جنكيز خان ثم هولاكو، فدمرت المدن، وأحرقت المكتبات، وأباحت الدماء والأعراض. وفي الغرب، انهارت دولة الموحدين بعد معركة العقاب (609هـ)، وتهاوت حواضر الإسلام الكبرى في الأندلس مثل قرطبة وإشبيلية، وبدا التاريخ وكأنه يكتب تآكل الإمبراطورية الإسلامية من ذات اليمين وذات الشمال.

سيوف الإسلام الخفية: حين صنعت المرأة المسلمة النصر من رحم الهزيمة

لكن الذي لم يكن يخطر ببال أحد هو أن النصر الحقيقي لن يأتي من سيوف الرجال هذه المرة، بل من “سيوف خفية” – نساء مسلمات، بعضهن كن سبايا مغلوبات، وبعضهن كن يعشن تحت أشد أنواع التعذيب في محاكم التفتيش. هن من صنعن تحولاً عجيباً: دخل الغالبون في دين المغلوبين، وانتصرت القوة الحضارية الإسلامية على القوة العسكرية المغولية، وثبت الإسلام في بيوت الأندلس رغم أفظع حملة إبادة دينية عرفها التاريخ.

أولاً: في الشرق – المغول.. من السبي إلى صناعة الملوك

1. الأميرة رسالة: من هامش السبي إلى قلب العرش

كانت الأميرة رسالة بنت السلطان علاء الدين خوارزم شاه، وأخت السلطان جلال الدين منكبرتي آخر سلاطين الدولة الخوارزمية، واحدة من أولئك السبايا اللاتي انتهت بهن تصاريف الأيام إلى بلاط جوجي ابن جنكيز خان. لقد عاشت في أسرة جوجي أسيرة، لكنها لم ترضَ أن تكون على هامش التاريخ وهي أسيرة من السبي.

كان لها التأثير الملموس على أسرة جوجي، ولا سيما على ابنيه “باتو” و”بركة”. وهما اللذان تزعما فيما بعد فرع القبيلة الذهبية المغولية، تلك القبيلة التي سيطرت على شمال المملكة المغولية في القوقاز وروسيا. كانت الإمبراطورية المغولية تضطهد المسلمين الذين صاروا تحت سلطانها، لكن الوضع كان مغايراً في القبيلة الذهبية.

2. بركة خان: أول ملك مغولي يسلم ويحارب هولاكو

عُرف “باتو” بعطفه على المسلمين وإن لم يكن قد دخل في الإسلام. وبعد موته جاء بركة خان الذي أسلم وبايع الخليفة المستنصر آخر خلفاء العباسيين (لم تكن بغداد قد سقطت بعد). كان إسلامه حدثاً عظيماً، إذ خرج بهذا الإسلام من كل عصبية قومية، وحاول جهدَه أن يوقف زحف هولاكو على الأرض الإسلامية. بل حارب هولاكو في أكثر من موقعة، وتحالف مع المماليك – لا سيما الظاهر بيبرس – ضد هولاكو. وكان بركة خان هو العامل الأهم في إسلام القبيلة الذهبية واستقرار هذا الدين في مناطق روسيا والقوقاز قروناً بعد ذلك.

3. زوجة “نقولا”: كيف أسلم ملك فارس النصراني؟

بعد نصف قرن من دخول المغول بغداد، دخل سابع الأيلخانات (الملوك) المغول في فارس في الإسلام، اسمه “غازان خان”. لكن الأهم – في سياقنا هنا – كان فيمن خلفه على العرش: أخوه أوليجاتو، الذي كان نصرانياً وتعمّد وتسمى بنقولا، لأن أمه كانت على النصرانية التي انتشرت لبعض الوقت عند ملوك المغول. غير أن “نقولا” لم يلبث أن أسلم وهو شاب في مقتبل العمر بتأثير من زوجته. وبهذا الإسلام تجذر إسلام المغول في أرض فارس.

4. أرغنة: مسلمة في قصر ألد أعداء المسلمين

ثمة زوجة أخرى مسلمة لا نعرف إلا أنها “أرغنة (Organa)”، يُرجع إليها المؤرخون إسلام ابنها “مبارك شاه” الذي تولى الملك على الفرع الأوسط لمملكة المغول (سيطر على وسط آسيا). ولا نعرف عظمة هذا الإنجاز إلا إذا علمنا أنها كانت زوجة قرة هولاكو، الذي هو حفيد جغطائي بن جنكيز خان – وكان جغطائي ألد أعداء المسلمين من بين خانات المغول كافة، لا يطيق أن ينطق أحد بكلمة “مسلم” في حضرته إلا على سبيل التحقير.

وقفة متأملة: جنود الله الخفية

حقاً، إن لله جنوداً لم تروها. فمن كان يفكر أن سبية قد أُخذت في الحرب قهراً، وأخذها كان انتهاكاً لحرمات المسلمين وأعراضهم، هي نفسها التي ستفتح باباً عجزت سيوف الدول والرجال أن تفتحه؟! وصدق رسول الله ﷺ: “لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة” (رواه أحمد وابن ماجه وحسنه الألباني).

ثانياً: في الغرب – الأندلس.. البيوت حصون والنساء قلاع

5. محاكم التفتيش: أفظع آلة تعذيب في التاريخ الإنساني

بينما كان المغول يتحولون إلى الإسلام في الشرق، كانت الأندلس تعاني أقصى الغرب الإسلامي من نكبة لا تقل فظاعة. طُرد الإسلام من الأندلس بالقوة، وطورد في داخل الصدور، واستُعمل في ذلك أبشع وأشنع وسائل التعذيب عبر محاكم التفتيش الرهيبة، التي كانت واحدة من أسوأ المخازي في التاريخ الإنساني. لكن في تلك الصفحة السوداء نرى من مجد المرأة المسلمة مواقف ساطعة في الجهاد والتربية والتعليم والحفاظ على الدين.

6. “جدتي علمتني حب محمد”: شهادات الأطفال التي أزعجت القضاة

يُعزى تمسك الأندلسيين بدينهم وصبرهم عليه – رغم قوة المطاردات – إلى قدرتهم على الاحتفاظ بتماسكهم الداخلي في بيوتهم وحياتهم الخاصة. كانت التقاليد الإسلامية متينة داخل البيوت، وهذه المهمة كانت المسلمة هي من تحمل القسم الأعظم من عبئها.

لقد تسربت إلى سجلات محاكم التفتيش العديد من الحكايات التي استخلصها المحققون والمخبرون من الأطفال. هذا يقول: “أحب محمداً أكثر من أي شيء لأن جدتي علمتني هذا”. وهذا يقول لجارته المسيحية: “لا تخبري أمي أني أكلت عندك لحم خنزير، فستجلدني لو علمت”.

7. الاغتسال الذي لا يُنسى: قصة ذاكرة موريسكية خفية

كانت عادات الزفاف والولادة والدفن للنساء مما قامت به المرأة المسلمة. كما أن المسلمة هي التي علمت ابنها الوضوء والاغتسال والصلاة والصيام. وقد رسخ هذا في مجتمع المسلمين لقرون طويلة.

حتى أنني قبل أيام كنت أشاهد فيلماً وثائقياً بعنوان “البحث عن جذوري الموريسكية”، وفيه ذكرت امرأة إسبانية أن زوجها حين أسلم علَّموه الاغتسال، ففوجئ بأن هذا هو نفسه الاغتسال الذي تعلمه صغيراً من أمه!!

8. “أنا مسلمة وأفتخر”: نسوة جابهن محاكم التفتيش

بعض النساء كان لديها من الشجاعة والجرأة ما جابهت قضاة محكمة التفتيش، وأعلنت أمامهم أنها مسلمة وتفخر بهذا، وأنها تتألم لكونها لم تتعلم شعائر الإسلام، ولو تعلمتها لأقامتها، وأنها تؤمن بالله وبمحمد وبالقرآن.

ومن النساء من استطاعت تضليل قضاة محاكم التفتيش أكثر من مرة، فحوكمت ثم عوقبت ثم اكتشف أنها لا تزال مسلمة ثم عوقبت مرة أخرى حتى أُحرقت في نهاية الأمر.

9. الأمهات كصمام أمان السرّ

في قصة ابن عبد الرفيع الأندلسي كان أبوه يعلمه الدين سراً، ثم تحاول أمه استدراجه في الكلام لكي تتثبت من قدرته على الكتمان وحفظ السر. وبقدر ما يبدي من هذا الحزم بقدر ما يُطمأنُّ إليه فيزيدون في تعليمه الدين. هذه القصة رواها هو بنفسه في كتابه من بعد ما استطاع الفرار إلى تونس.

10. قاعدة النجاة: كلما زاد عدد النساء المتهمات، زاد ثبات الإسلام

لقد كانت المسلمة الأندلسية المصدر الأول لتعلم شعائر الدين. وسجلت محاضر محاكم التفتيش أن المتهم غالباً ما يكون قد تعلم الدين من إحدى نساء عائلته. بل وتحركت المرأة الأندلسية مع زوجها بين القرى والمناطق لتدعو النساء وتعلمهن دينهن. وفي بعض المناطق والأحياء، كانت المسلمات المتهمات بممارسة الإسلام والدعوة إليه هن العدد الأكبر من مجموع المتهمين الذين يُحاكمون أمام محاكم التفتيش.

وبالعموم، يتحدث المؤرخون عن أن المرأة المسلمة كانت الأقل ذوباناً في الهوية المسيحية. بل يصرح بعضهم أن “ثبات الإسلام في منطقة بعينها له علاقة مباشرة تناسبية مع عدد النساء المتهمات”.

11. الحجاب كدليل فشل: من شارل الخامس إلى القوانين المعاصرة

إن حفاظ المرأة المسلمة على حجابها وحيائها مما يثير غيظ أولئك الذين يعادون الدين، وهذه المعركة لا تزال قائمة حتى الآن. يبدو الحجاب وما يعبر عنه من الحياء كدليل على الفشل في إخراج الإسلام من قلب المسلمة. لذلك فإن كل سلطة قهرت المسلمين أصدرت القوانين التي تشجع على السفور أو تفرضه فرضاً، منذ شارل الخامس وحتى الحكومات المعاصرة.

رأى إسباني أندلسية لا تزاحم الرجال على شراء الكمثرى، فقال لها: “تقدمي أيتها الكلبة فلن يلتهموكي”! (نفس المقولة مستمرة حتى الآن: لن يلتهموكي!!). وقد دافع عنها مسلم ما لبث أن سيق إلى محكمة التفتيش.

12. الدعم الميداني: تمويل، تضليل، وتحذير

ساعدت الأندلسية المسلمة الرجال في المعارك والثورات التي خاضوها ضد السلطة الإسبانية، وسُجلت في هذا مواقف مشهودة وتضحيات باسلة. بل إن بعضهن أشرن على الحسابات المالية لمجموعات مسلمة، كما علمت أخريات على إعاقة وتضليل قوات محاكم التفتيش التي تقصد القبض على مسلم، أو عملت المرأة على تحذير المتهم الذي تجري مراقبته، وغير ذلك من أعمال الدعم والإسناد المادي في المجتمع المستضعف المظلوم.

13. كسب الإسبان للإسلام عبر الزوجات

فوق ذلك استطاعت بعض النساء أن تكسب للإسلام عدداً من الإسبان. تورد المصادر قصة أندلسية زُوِّجت من مسيحي إسباني – وهو ما كان عادة بطريق الإجبار – لكنها استطاعت أن تقنعه بالذهاب إلى الجزائر. ولما وصلا هناك أعلنت إسلامها، واشترطت أن يُسلم إذا أراد البقاء معها. فأسلم زوجها، وبهذا نَجَت من جحيم محاكم التفتيش والمطاردة، واحتفظت بدينها ثم كسبت إليه نفساً جديدة.

ثالثاً: الخيط المشترك – لماذا صمدت المرأة؟

14. التربية في العافية: الزاد الذي لا يُسرق في المحنة

لا يتسع المقام لسرد كثير من التفاصيل، مع أن العظمة لا تظهر إلا في قراءة الحكايات بتفاصيلها. لكن التأمل في تربية طفل واحد في بيئة بهذه الخطورة والشراسة – سواء في بلاط المغول أو تحت وطأة محاكم التفتيش – يقطع بأنه عمل عظيم، لا يملك جزاءه إلا الله تبارك وتعالى.

إن الأمر يتعلق بالتربية والتنشئة والتقوى التي يحفظها المرء في العافية فيجدها في المحنة. فالذي يحرص على الدين في السلامة والسعة يعينه الله على الشدة والفتنة. وأما الذي لا يهتم لأمر الدين ويفرط فيه، فلا يلبث أن يُفتن ويتحول. وهذا في المرأة كما هو في الرجل.

15. ليس كل النساء صمدن: قراءة واقعية

لا يعني ما سبق أن كل المسلمات كنَّ هكذا. بل منهن من فُتِن، ومنهن من تشرب المسيحية حتى أخلص لها، ومنهن من امتنع عن تعلم الإسلام والعربية. إلا أن هذا هو الأمر الطبيعي الذي تسوق إليه طبيعة عوامل القوة والضعف في المجتمع. إنه ليس مثيراً ولا لافتاً للنظر أن يخضع الضعيف للقوي حتى يُستلب وينهزم روحياً وفكرياً بعد هزيمته العسكرية.

إنما المثير المدهش الذي يلتفت إليه التاريخ والذي يمثل برقاً زاهراً في الظلمة الحالكة هو قدرة الضعيف على الصمود وتمسكه بدينه ومبدئه في ظل أعتى الهزائم وفي أشد الظروف.

درس لكل زمان ومكان

في الشرق كانت المرأة المسلمة سبية فأصبحت ملكة تصنع الملوك. وفي الغرب كانت مهددة بالحرق فصارت قلعة تصنع المؤمنين. هذا هو النصر الحقيقي الذي لا تسجله الكتب العسكرية، بل تسجله دموع الأمهات في خفاء، وصبر الزوجات في قصور العدو، وتعاليم الجدات لأحفادهن تحت طائلة الموت.

لقد أثبتت المرأة المسلمة عبر التاريخ أنها حين تكون حاملة للدين بوعي وإخلاص، تصبح أقوى من الجيوش وأبقى من الممالك. وما أحوجنا اليوم إلى استلهام هذه الروح، في زمن تتصاعد فيه الحروب الثقافية والقوانين المجردة من القيم، ويظل فيه الحجاب والحياء – كما كان في الأندلس – دليلاً على فشل كل مشروع استلابي.

ختاماً، نعيد الحديث النبوي الذي يحمل بشرى لكل غرس خفي في هذا الدين:

“لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة”

(رواه أحمد وابن ماجه وحسنه الألباني)

المصدر

1- محمد إلهامي مقال: سيوف الإسلام الخفية”، موقع الألوكة.

2- محمد إلهامي مقال: “شذرات من مجد المرأة المسلمة بعد سقوط الأندلس”، مجلة المجتمع.

اقرأ أيضا

المرأة وخدمة العقيدة

حارسة القلعة في زمن الغربة

امرأة وموقف

التعليقات معطلة