حارسة القلعة في زمن الغربة


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

تقوم المرأة المسلمة اليوم بدور حضاري محوري في مواجهة الجاهلية الأوروبية، وإحباط رسائل الانحلال والتفكك، وتخوض معركة النصر في زمن الغربة.

مقدمة

إلى أختي المسلمة..

إلى من رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، نبياً ورسولاً.

إلى من رضيت بعائشة بنت الصِّديق، وأسماء، وفاطمة؛ أسوة حسنة.

إلى من أعزّها الله بالإسلام ووقفت وسط جاهلية القرن العشرين تُمسك بحبل الله المتين وتحرص على مرضاته، وترغب في الفرار إليه لتفوز في الدنيا والآخرة وتكون لها الحياة الطيبة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:97].

في بيت الدعوة وزمن الغربة

إلى شريكة العبد المسلم وحارسة قلعة العقيدة..

إليها في بيتها “بيت الدعوة”.. أُهدي هذه الكلمات، لتعلم أنها في بيتها تقف على خط الدفاع الأول ضد أعداء الإسلام، وأن وقفتها هذه تمثل نقطة الارتكاز في دائرة امتداد هذا الدين، وأن نسيج ثوبها الشرعي هو نسيج الراية الإسلامية في الصراع بين الإسلام والجاهلية.

أختاه.. تعلمين أنه في مكة، وحين كان الإسلام يعيش غربته الأولى، كانت المرأة بجانب الرجل في مسيرة الدعوة؛ أختاً وزوجاً وأمًا؛ تعيش همه؛ بل كان ربع المجتمع الوليد في مكة من النساء، وعاشت المرأة هذه المرحلة تحاول مع زوجها إزالة غربة الإسلام وتحفظ السر وتكتمه.

وتعلمين ـ يا أختاه ـ أن هذه الغربة الأولى للإسلام؛ غربة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأسرة ياسر وبلال وغيرهم.. قد عادت للذين يقولون “ربنا الله لا قيصر”، و”الحاكمية لله لا للبشر”. وأن هؤلاء الغرباء مكلفون أن يُصلحوا ما أفسد الناس؛ فمهمتهم كمهمة الغرباء الأوائل أن يُزيلوا غربة الإسلام ويمكّنوا له في الأرض!

في صراعنا مع الجاهلية

وتعلمين ـ يا أختاه ـ أن من أهم حقائق صراعنا مع الجاهلية من حولنا أنه صراع اجتماعى قائم بين واقع إسلامي وواقع جاهلي، وأننا في حاجة إلى سنوات طويلة من صمود “الظاهرة الاجتماعية الإسلامية” في وجه “الظاهرة الاجتماعية الجاهلية” الغالبة الآن، والتي تحمل بين طياتها عوامل فنائها من العفن الخلقي والشقاء المعيشي..!!

وتعلمين ـ يا أختاه ـ أن بيتك خلية من خلايا كثيرة يتألف منها الجسم الحي للواقع الإسلامي، فبيتك قلعة من قلاع هذا الدين، وفي هذه القلعة يقف كل فرد على ثغرة حتى لا ينفذ إليها الأعداء؟ !

وأنت ـ يا أختاه ـ حارسة هذه القلعة، ولقد أفردك الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالمسئولية فقال: «والمرأة راعية في بيتها ومسئولة عن رعيتها» (1متفق عليه)؛ فأنت حارسة النشء الذي هو بذور المستقبل، وطفلك اليوم هو رجل الغد وامرأة الغد، ولكلٍ دورُه في الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، وينبغي أن يؤهَّل لهذا الجهاد منذ مولده بإعطائه القدْر المضبوط من الحب والحنان والرعاية بغير نقص مفسد أو زيادة مفسدة..!! ثم حماية مبادئ الإسلام ومفاهيمه في ذهنه.

أعلمُ ـ يا أختاه ـ أنك تشعرين بثقل الوطأة الساحقة لهذا المجتمع بكل ما فيه من مكائد ومثيرات، وبما فيه من تقاليد موروثة تأخذ في بعض الأحيان طابع العقيدة، وتضغط على حسّك ـ يا أختاه ـ أضعاف ضغطها على حسّ الرجل، وهذا يتطلب منك مضاعفة الجهد، وأنت قادرة على ذلك ـ بإذن الله ـ فأنتِ صاحبة عقيدة قوية واهتمامات عالية؛ فهدفك عبادة الله وحده لا شريك له، ورسالتك العمل على بناء المجتمع المسلم، ومسئوليتك تربية جيل مسلم، ووجهتك رضا الله وجنته في الآخرة.

الدور الحضاري للمسلمة

ولا شك ـ يا أختاه ـ أنك لكي تقومي بدورك الحضاري على أتمِّه لا بد أن تعرفي واقعك، وعندها ستجدين أن دورك يتطلب قسطاً من الصفات الأخلاقية والفكرية والعقائدية.. بل كل الصفات التي تلزم مجاهدة في معركة بين الحق والباطل، معركة يقف فيها أمامك أكابر مجرمي قُرانا ينفّذون أوامر أسيادهم من اليهود؛ فينشرون فكراً قذراً وأدباً مريضاً يحاولون به تدمير الأسرة، بل وتدمير جميع المعوقات الأخلاقية حتى يُخرجوا أجيالاً مدمَّرة مهدَّمة لا تعرف حقوق الله.

وصدق الله العظيم ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ومَا يَمْكُرُونَ إلاَّ بِأَنفُسِهِمْ ومَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام:123].

وصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». (2رواه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات 3/ 1680 (2128))

فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يربط في هذا الحديث بين الاستبداد السياسي وبين الانحلال الخلقي! فاحذري ـ أختاه ـ المجرمين الذين يريدون أن يسيروا بك بخطى سريعة وحاسمة إلى الجاهلية الأولى أو إلى جاهلية القرن العشرين..!

إنهم يقولون لك إن الرجل قد ظلمك حين فرض عليك ارتداء الحجاب، ولا بد من التخلص من هذا الظلم وخلع الحجاب..!!

فقولي لهم ـ يا أختاه:

“لم يكن الرجل هو الذي فرض الحجاب على المرأة فترفع قضيتها ضده لتتخلص من ظلمه، إنما الذي فرض الحجاب على المرأة هو ربها وخالقها الذي لا تملك ـ إن كانت مؤمنة ـ أن تجادل فيما أمر به، أو يكون لها الخيرة في الأمر ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:36]

وقولي لهم:

“لقد أسلمت نفسي لله وخرجت من إسار الشيطان ورضيت بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وارتقيت في فكري وسلوكي؛ ولله الحمد والمنة”.

المقارنة بالمرأة الأوروبية

وهم يقولون لك ـ يا أختاه ـ أن أختك الأوربية قد حملَت قضيتها وأخذَت حقوقها، وقضايا المرأة واحدة في كل بلاد العالم..!!

فقولي لهم بادئ ذي بدء لا أخوّة بيني وبين الأوربية؛ لأن المسلمة لا تؤاخي المشركة.

وأما عن الحقوق التي تزعمونها للمرأة الأوربية، ففي الحقيقة لقد كانت هذه المرأة ضحية من ضحايا المجتمع الذي “حررها” فقذف بها إلى المصنع والمكتب، وقال لها: عليك أن تأكلي من عرق جبينك، في بيئة مليئة بالأخطار على أخلاقها، فتركها في حرية مشئومة ليس لها ولا للمجتمع فيها نفْع، ففقدَت الشعور بالعاطفة نحو الأسرة، وأصبحَت بما أُلقي عليها من متاعب العمل صورة مشوَّهة للرجل دون أن تبقى امرأة.

وهكذا حرم المجتمع من هذا العنصر الأساسي في بناء الأسرة، وجنَت أوربا ثمار هذه الأسرة المنحلة مشكلات كثيرة..

تلك هي الحقيقة يا من تحاولون إعطاء كلمة “تحرير المرأة” معنى السفور والاختلاط، بينما الإسلام يرى أن التحرر إنما هو في الحجاب، فقد كانت المحجبة هي الحرة، والسافرة هي الأَمَة؛ فالسفور هو العبودية.

وهم يقولون.. ويقولون.. ويقولون.. ولسان حالهم يشير إلى اليهود والملاحدة والفاسقين إشارة الحب والرضى: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [النساء:51].

ولما كان هذا هو ادعاءهم واعتقادهم، فأَجيبيهم ـ يا أختاه ـ بقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:115] وقولي لهم:

“لقد ودعت مواكب الفارغات وأسأل الله لكم الهداية ولي الثبات”.

خاتمة

أختاه.. كانت هذه بعض التحديات التي تحيط بك من خارج بيتك متمثلة في مكر وكيد أكابر المجرمين وذيولهم فماذا عن التحديات التي تواجهك داخل البيت؟

…………………………..

الهوامش:

  1. متفق عليه.
  2. رواه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات 3/ 1680 (2128).

المصدر:

  • مجلة البيان شوال – 1409هـ، مايو – 1989م، (السنة: 3)، د. محمد محمد بدري

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.