حادثة فاجعة، وموقف عالمي رافض لمذبحة المصلين في “نيوزيلندا”. على المسلمين والدعاة والمجاهدين واجب نحوه. رفَض الغرب هذا الحادث؛ فما حقيقة الرفض وسببه..؟

مقدمة

الحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم وبارك علي عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فلقد فُجع المسلمون بحادث القتل الشنيع الذي حدث للمصلين يوم الجمعة الراكعين الساجدين علي يد كافر صليبي عنصري حاقد، وندد العالم بأجمعه مسلمُه وكافرُه بهذا الحادث الأليم.

القراءة الشرعية للحدث وملابساته

وبالقراءة الشرعية لهذا الحدث وملابساته تتضح لنا القراءة التالية:

خاتمة صالحة، وشهادة

نسأل الله عز وجل لمن قتل من المسلمين في ذلك المسجد أن يكون من الشهداء وممن خُتم له بعمل صالح، وكفى بذلك أجرا عظيما، كما نسأله سبحانه أن يخلف على ذويهم وأهلهم خيرا، كما نسأله سبحانه أن ينزل بالمجرم القاتل بأسه الذي لا يُردّ عن القوم المجرمين، وأن يشفي بذلك صدور المسلمين في كل مكان.

قدَر الله المحيط، وحسن الظن به

الإيمان بأن ما جرى إنما هو بعلم الله عز وجل وإرادته ومقتضى حكمته، وهذا يجعل المؤمن يُحسن الظن بربه، وأنه أراد بذلك الخير للمقتولين والمآل الحسن للمسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 112) وقال سبحانه: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. (النساء: 19)

ايقاظ الهوية الحقيقية للمسلمين

ومن الخير الذي ظهر لنا من هذا الحادث ـ وسيظهر بصورة أكبر بعد ذلك إن شاء الله تعالى ـ استيقاظ المسلمين وزيادة وعيهم بحقيقة أعدائهم من الكفار وحقدهم على المسلمين، وهذا يرد المسلمين إلي هويتهم الحقيقية الهوية الإسلامية التي تقضي على كل الهويات الجاهلية من وطنية وقومية وغيرها.

كما أنها تقوّي عقيدة الولاء والبراء في قلوب المسلمين وأنه لا محبة ولا مودة مع الكافر ما دام على كفره؛ وإنما هي الخصومة والعداء وأنه حتى لو سالمهم المسلمون فإنهم لا يقبلون إلا أن يترك المسلم دينه أو يقاتلونه.

قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (النساء: 89) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 59)

الذعر من انتشار الإسلام

الحذر من تسطيح الحدث واختزاله في كونه عمل إرهابي من فرد حاقد عنصري؛ وإنما هو عمل إجرامي قد خُطط له من فئاتٍ عنصرية منظمة من الكفار الحاقدين على دين الإسلام وأهله، ولا سيما بعد ما رأوا انتشاره وبصورة سريعة في ديار الغرب والشرق؛ فأصابهم الرعب من ذلك، وهذا ما أوضحه الكاتب الأمريكي باتريك جيه بوكانن” في كتابه المثير للجدل “موت الغرب”.

قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، (التوبة: 32) وقد تجرأ القاتل والقتلة من قَبله على جرائمهم بعد ما صرح إمام الكفر والإجرام “ترامب” وأظهر حقده وحربه على المسلمين جهارا ونهارا بعد تولّيه.

سبب استنكار الغرب للمذبحة

لقد أنكر العالم بأسره وندّد بهذه الجريمه الشنعاء، ولكن هل الغرب الكافر بدوله الحاقدة على الإسلام والمسلمين جادّون في التنديد والشجب؟ أو هو من النفاق السياسي والتضليل والتلبيس؟

والذي أراه ـ والله أعلم ـ أن دول الغرب الحاقد جادة هذه المرة في تنديدها وتضايقها من هذه الجريمة لا حُبا للمسلمين وإنما لأن مثل هذه الأفعال والجرائم المباشرة التي ليس لها غطاء إلا الحقد والعنصرية الصارخة تفسد علي الغرب حقدهم المُشرعن في إبادتهم المغطاة بـ “الحرب على الإرهاب” والذي به دمروا بلاد المسلمين في أفغانستان والعراق وسوريا، وهدموا على المسلمين مساجدهم ومستشفياتهم على رؤوسهم فقتلوا الرجال والنساء والأطفال ولم يحصل آنذاك من الشجب والإنكار عليهم من شيء؛ ذلك أنهم نفذوه بغطاء “التحالف الدولي على الإرهاب”..!

فمثل هذا الحادث يفسد عليهم خططهم وحقدهم الذي يمارسونه في ديار المسلمين على نار هادئة وتحت غطاء هيئة الأمم الكافرة المتحدة على حرب الإسلام ومعهم في ذلك دول المنطقة الإسلامية الذي ابتلى الله عز وجل شعوبها بطواغيت خونة ساعَدوا الغرب بتنفيذ حقدهم؛ بل تولَّوا بأنفسهم مواجهة المسلمين والمصلِحين في بلادهم؛ فسجنوهم وأعدموهم وعذبوهم.

ولا يخفى ما جرى على يد “السيسي” في “رابعة”، ولا في سجونه من الإعدامات، وما جرى على يد “بشّار” والروس ورؤوس الرافضة والشيعة في العراق، وما يجري في الإمارات وبلاد الحرمين من سجن المصلحين وتعذيبهم؛ كل ذلك بحجة الإرهاب والتطرف ومع ذلك لم نسمع مندِدا لذلك ولا منكِرا.

فما الفرق بين من يقتل “خمسين” من المصلين في مسجدهم وبين من دمر المساجد على رؤوس المصلين بطائرات “التحالف الدولي” في “الموصل” وفي “منبج” و”دير الزور” في سوريا، ومثلها في أفغانستان التي دمر فيها الأمريكان مستشفىً بكامله على المرضى من أطفال ونساء ومُسنّين.

وما الفرق بين قتل وحرق الجثث في ميدان “رابعة” بالمئات ـ بل الآلاف ـ وبين ما حصل في هذا المسجد..؟

إنها كلها جرائم بشعة يجب أن يكون الموقف منها واحدا.

الخلاصة أن الغرب لا يرى مثل هذه التصرفات الحمقاء المباشرة التي يقتل فيها المسلمون في مساجدهم بدم بارد؛ لأن هذا يشوّه صورته ويؤخر مخططه الإجرامي المشرعَن في قتل المسلمين في ديارهم.

كما أن مثل هذه الأحداث تلمّ شعت المسلمين وتوحّدهم وتجْمعهم علي الهوية الإسلامية، وهذا ما لم يرده الغرب الكافر بل هذا ما يرعبه ويقضّ مضجعه.

موقف خندق الليبراليين

إن من المفارقات العجيبة أننا لم نسمع من المنافقين الليبراليين والعلمانيين الذين يتشدقون بالوطنية والقومية لم نسمع منهم شيئا من الإنكار والتشنيع لهذه الجريمة، فماذا يعني هذا؟

إنه يعني وبكل وضوح انحيازهم إلى معسكر الحاقدين على الإسلام وأهله، وفي تعريتهم هذه خيرا للأمة لتحْذرهم وتتبرأ منهم.

دور الدعاة

ينبغي للدعاة والمربين في هذه الأمة أن يستغلوا هذا الحدث وأمثاله في ترسيخ عقيدة “الولاء والبراء”؛ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراءة من الكفر والكافرين.. وبيان حقد الكفار وكيدَهم للإسلام والمسلمين؛ فهذه فرصة قد تهيأت النفوس لها وكما يقال “الطرْقُ علي الحديد وهو ساخن”.

وجوب وحدة الكلمة

أما آن لدعاة هذه الأمة ومجاهديها أن يجتمعوا على كلمة سواء وأن يوحدوا صفوفهم وينبذوا الفرقة والاختلاف فيما بينهم، فالحرب التي يشنها الكفار في الغرب والشرق، ومن والاهم من طواغيت العرب؛ حرب شرسة على الإسلام وأهله. وجميع التيارات الإسلامية مستهدَفة بهذه الحرب ولن يستثنوا منها أحدا.

فإذا لم يجتمع الدعاة والمجاهدون في مثل هذه الأوقات فمتى يجتمعوا..؟!

خاتمة

كثرت فواجع المسلمين، وتوالت مآسيهم..

ولكن في الآلام رسائل وإيقاظ. ويجب على الأمة الاستفادة من الحدث وبيان الحقائق من خلاله.

ويجب أن يستيقظ المسلمون وأن يشتد عودُهم ويعودوا الى أصولهم وهُويتهم، ويتذكروا جيدا أنهم حَمَلة الخير لهذا العالَم، وأنهم الهُداة الى رب العالمين، وأن كل امرئ منهم كالسحابة؛ أينما حلت أمطرت الخير..

وأن يثقوا أن الغد لهم، وأن دماء شهدائهم لن تضيع، وأن آلامهم ستثمر؛ فعملهم مقبول وطريقهم موصل لرب العالمين.

أسأل الله عز وجل أن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن يرد كيد الكفار والمنافقين في نحورهم وأن يجمع كلمة أهل الحق وأن يؤلف بين قلوبهم سلما لأوليائه، حربا على أعدائه.

والله أكبر والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين.

…………………………

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة