منهج سيد قطب. رؤية متوازنة في التعامل مع الحضارة الغربية

إنّ كل ما يمكن قوله إجمالًا عن المجتمع الإسلامي.. أنّه ليس صورة تاريخية محددة الحجم والشكل والوضع.. وأننا في العصر الحديث لا نستهدف إقامة مجتمع من هذا الطراز، من حيث الحجم والشكل والوضع، إنما نستهدف إقامة مجتمع مكافئ من النواحي الحضارية المادية – على الأقل – للمجتمع الحاضر.

بين التهافت والغلو

لله در الأستاذ سيد قطب رحمه الله، فقد حمل أنضج رؤية بخصوص ما نأخذ من الحضارة الغربية وما ندع، فعبر عن المنهج المتوازن بين المتهافتين على الديمقراطية والليبرالية والوطنية يحاولون أسلمتها، وبين الغلاة الذين يريدون إهدار التجربة البشرية في الحكم والاقتصاد وسائر المنجزات بحجة كونها “حداثة” دنسة ويطمحون ببناء شيء جديد تماما لا يأخذ بالاعتبار اللحظة التي تعيشها البشرية.

الأسس العلمية: قبول المنهج التجريبي

تأملوا هذه النصوص له رحمه الله، يقول:

“ومنهجنا لا يجد نفسه – بعد ذلك – في مشكلة أمام الصناعة والحضارة الصناعية.

إنّ هذا المنهج لا يرفض الحضارة الصناعية ولا يجفل منها، ولا يتنكّر لها.. إنّها – ابتداءً – وليدة اتجاهه المبكّر إلى “العلم التجريبي”، هذا الاتجاه الذي انتقل إلى أوروبا عن طريق جامعات الأندلس وعلم المشرق – كما يقرر بريفولت ودوهرنج وجِب وغيرهم ممن لا يملكون إنكار الحقائق التاريخية”.

ما نرفضه من الحضارة الغربية

ويقول بخصوص ما يرفضه من الحضارة الغربية:

“إنما الذي يرفضه منهجنا ويشتدّ في رفضه، من هذه الحضارة، هو شيء آخر غير الأساس العلمي التجريبي الذي تقوم عليه..

الفلسفات المادية (الوضعية، الماركسية)

إنه سيرفض المذهب المادي “الوضعي أو الحسي” الذي يجعل المادة هي الوجود – ولا شيء غير المادة – وقد تحطّمت هذه النظرية “علميّا” أو تكاد والحمد لله. والذي يجعل “الإنسان” تابعًا للمادة يتلقّى منها فقط، ويتكوّن من انطباعاتها – وحدها – عقله وتفكيره وتصوراته، كما يتكوّن جسمه سواء، مع اعتباره سلبيّا تجاه المادة سلبيةً مطلقة (كوت وزملاؤه).. والذي يجعل تطورات التاريخ في معزل عن إيجابية الإنسان، ويردها فقط إلى أدوات الإنتاج (كارل ماركس وزملاؤه).

النظريات الحيوانية للإنسان (داروين، فرويد)

كما سيرفض كذلك النظرة الحيوانية للإنسان التي أطلقها “داروين” والنظرة القذرة إلى دوافع الإنسان، وحصرها في وحل الجنس كما يزعم “فرويد” وهو يدرس “الشواذ” ويجعلهم هم “الإنسان”..

الأنظمة المُهدرة لآدمية الإنسان

كذلك سيرفض منهجنا ما ترتب على هذه النظرات كلها من إقامة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وإقامة نظام العمل وطرائقه على أساس إهدار آدمية الإنسان، وخصائصه الإنسانية العامة أولا، وخصائصه الذاتية الفردية ثانيا، وخصائص جنسَيْه المتميزين ثالثًا، واعتباره ترسًا في الآلة، أو بهيمة في القطيع. والاهتمام بمضاعفة الإنتاج، وبتوفير وسائل إشباع الضرورات الجسدية – فحسب – مع إهدار أشواق الإنسان وحاجاته الأخرى في نظام الحضارة (كما يقرّر الدكتور كاريل) من حبه للجمال والفن ونشاطه الأدبي والديني.. (غير أنّ تصوّر منهجنا للنشاط الديني لن يكون في تلك الحدود الضيقة التي لا يعرف الدكتور كاريل سواها. بل سيكون معناه – كما قلنا – أن يكون الدين هو منهج الحياة الكلي، الذي تتحرك في إطاره، وتنمو بكل أنواع النشاط الإنساني. ومنه العمل والإنتاج والسياسة والاقتصاد، والخلق والسلوك، والصلاة والدعاء، والاتصال بالملأ الأعلى والاتصال بالآلة والإنتاج سواء)”.

إعادة تأهيل المنجزات الحضارية

وحتى لا يظن أحد أنه يأخذ المنجز العلمي المادي والتقني فحسب، فإنه يقول بإمكانية “تعديل” أوضاع هذه الحضارة:

تعديل أنظمة الإنتاج للحفاظ على الإنسانية

“وسيستدعي هذا تعديلًا في طرق الإنتاج الفنية بحيث توائم بين الرغبة في مضاعفة الإنتاج والإبقاء على خصائص “الإنسان” العامة، وخصائص الفرد الذاتية. وتعديل أوضاع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث توائم كذلك بين استقرار الحياة وتوازنها، والإبقاء على الخصائص “الإنسانية” و”الفردية” مع الإبقاء – كذلك – على خصائص “الجنسين” من ذكر وأنثى”.

تطهير المؤسسات الاقتصادية من الربا

ويقول بوضوح:

“ومنهجنا لن يجد نفسه في مشكلة أمام مؤسسات الحضارة الاقتصادية التي يقوم بناء الحضارة الصناعية عليها لشتى مرافق الحياة.. (وإن كنت لا أحب أن أدخل في تفصيلات فقهية في هذا الموضوع.. للأسباب التي سأبديها في الفصل التالي).

ولكنه سيرفض حتمًا الأساس الربوي الذي يقوم عليه معظم هذه المؤسسات. سيطهّرها من هذا الرجس، ويخرج منها دود العلق، الذي يمتصّ دماء الملايين. ولن يسمح بنظام يجعل حصيلة كدّ البشرية في جميع أنحاء الأرض: من عمال وصنّاع وتجار ومديري مصانع وأصحاب أرض وعمائر وصناعات.. كله.. يرجع إلى بضعة آلاف من مؤسسي البيوت المالية وبنوك الإقراض في العالم، فهؤلاء هم الذين تكدّ البشرية كلها لتؤدي لهم “فوائد” أموالهم المتداولة في أنحاء العالم. وهؤلاء هم الذين يوجّهون الاستثمار – مباشرة أم غير مباشرة – إلى المشروعات الأكثر ربحًا – للوفاء بفوائد الأموال – وهي التي تحطم خصائص البشرية وأخلاقها ومقوماتها في الغالب. وهؤلاء هم الذين يسببون الأزمات الدورية المعروفة في النظام الرأسمالي”.

فصل المؤسسات عن عناصرها الفاسدة

ثم يقول بعد كلام (وتأمل هذا): “أما المؤسسات الاقتصادية، فلا ذنب لها في ذاتها، ولا ضرر منها إذا اختفى هذا العنصر الخبيث”.

المجتمع الإسلامي المعاصر: ثابت المبادئ متغير الأشكال

ويقول أخيرا:

“إنّ كل ما يمكن قوله إجمالًا عن المجتمع الإسلامي.. أنّه ليس صورة تاريخية محددة الحجم والشكل والوضع.. وأننا في العصر الحديث لا نستهدف إقامة مجتمع من هذا الطراز، من حيث الحجم والشكل والوضع، إنما نستهدف إقامة مجتمع مكافئ من النواحي الحضارية المادية – على الأقل – للمجتمع الحاضر. وفي الوقت ذاته له روح ووجهة وحقيقة المجتمع الإسلامي الأول، الذي أنشأه المنهج الرباني. باعتباره قمة سامقة في روحه ووجهته وحقيقته الإيمانية وتصوره للحياة، ولغاية الوجود الإنساني، ولمركز الإنسان في هذا الكون، ولخصائصه وحقوقه وواجباته. وقمة سامقة في تناسقه وتماسكه.. أما الشكل والصورة والأوضاع فتتحدد وتتجدد بتطور الزمن، وبروز الحاجات، واختلاف أوجه النشاط الواقعي… إلى آخر الملابسات.. الملابسات المتغيرة المتحركة..

الحاكمية لله كمبدأ مركزي

ولكن التي ينبغي أن يكون تحركها – في المجتمع الإسلامي – داخل إطار المنهج الإسلامي، وحول محوره الثابت، وعلى أساس الإقرار بألوهية الله وحده، وإفراد الله سبحانه بخصائص الألوهية دون شريك، وأولى هذه الخصائص هي حق الحاكمية والتشريع للعباد، وتطويعهم لهذا التشريع”.

الإسلام ومشكلات الحضارة – سيد قطب

المصدر

صفحة الأستاذ شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

الحكم الإسلامي والدولة الحديثة: بين الاتفاق والاختلاف

التأسيس الفكري لاستعادة التجربة الراشدة

هل ترك النبي ﷺ أزمة دستورية؟ تحليل لكلام الشيخ الددو والردود عليه

التعليقات غير متاحة