هل تعلم أن نابليون كاد يُقتل في أول يوم له في مصر على يد رجل وامرأة من منزلهما؟ المجتمع المصري لم يكن جيشاً نظامياً… كان “شعباً مقاتلاً” بالكامل.
اقرأ كيف حوّل الفلاح البسيط والمحتشمة والأعمى حياتهم إلى كابوس لأقوى جيوش أوروبا.
حين تتجلى حقيقة الأمة
قبل أن ترتهن الأمة لأنظمتها المستبدة، وقبل أن يُصنع “الوعي الجمعي” في قوالب تخضع لمنطق السلطة ومصالحها، كان للمجتمع كيانٌ مفارق للدولة، وروحٌ مقاومة لا تنتظر إذناً من حاكم، ولا ترتبط بشرعية من سلطان. حين يُغزو الوطن، كان الشعب يصطف كله، يقاتل جنباً إلى جنب مع جيشه حتى لو كان هذا الجيش مستبداً، بل ويتجاوزه إلى المقاومة إن هادن أو استسلم.
وليس هذا فحسب، بل كان “العقيدة الإسلامية” هي المحرك الأعمق لهذه المقاومة، هي التي تحوّل الفلاح البسيط إلى أسد، والمرأة المحتشمة إلى قناصة، والشيخ الهرم إلى قائد معركة. كان الدين هو الوقود، والأزهر هو القيادة، والمساجد هي القلاع.
الأمة قبل أن تُدجن: دروس من مقاومة المصريين للاحتلال الفرنسي (1798-1801)
إننا نقرأ اليوم تفاصيل مقاومة المصريين للاحتلال الفرنسي (1798-1801)، فنجد فيها نموذجاً فريداً لدور الأمة العفوي والحضاري في الدفاع عن وجودها، ودور العقيدة في تحريك الجماهير، بعيداً عن التوجيهات الأيديولوجية، أو الرضوخ للأنظمة المتسلطة.
هذا المقال محاولة لاستعادة تلك الروح، وبيان أن الأمة حين تعود إلى دينها، وتثق في قدرتها الذاتية، وتستعيد تضامنها الطبيعي – فإنها تهزم أقوى جيوش الأرض، حتى لو خسرت كل معاركها!
المجتمع لا السلطة… من يحسم الصراع مع الخارج؟
تعاقبت على مصر دولٌ وأسر حاكمة: الأمويون، العباسيون، الفاطميون، الأيوبيون، المماليك، العثمانيون. كان الصراع – في كل تلك العصور – بين فئة وسلطة، والمجتمع غير مشارك فيه عموماً. كان الناس يتقبلون الحاكم الجديد ما دام مسلماً – أو حتى مبتدعاً كالفاطميين – وما دام يحفظ الحدود ويقيم الشعائر ويحمي الرعية، ولو كان مستبداً كالمماليك.
هذا “القبول” لم يكن ضعفاً، بل كان فطرة اجتماعية: المجتمع قادر على استيعاب أي سلطة لا تمس جوهر هويته، ولا تهدد وجوده المادي والمعنوي. والمؤرخون يسمون هذا “الجمهور الأول” الذي يبقى ركاماً بشرياً يعلوه الغبار السياسي.
أما حين يأتي المحتل الخارجي، فالصورة تنقلب رأساً على عقب. فالفرنسي ليس مسلماً، ولا يحفظ الحدود، ولا يحمي الحريم، ولا يحترم المقدسات. هنا، المجتمع بأسره يتحول إلى كتلة مقاومة قبل أن يصدر أي نداء من سلطة. لا فرق حينئذٍ بين تاجر وحرفي، بين شيخ وصبي، بين غني وفقير، بين مبصر وأعمى. تختفي الفروق الطبقية والمذهبية، ولا يبقى إلا وطن يُدنس ودينٌ يُهان وسلطة غريبة تُمارس الإذلال.
والأمر العجيب أن المصريين لم يقاتلوا دفاعاً عن المماليك الذين كانوا يستبدون بهم. بل قاتلوا رغم أن المماليك فروا في أول المعارك أو تهادنوا مع الفرنسيين أحياناً. لقد قاتل المصريون **لأنفسهم ولدينهم**، لا لحماية ظالم.
معادلة مختلفة… الانتصارات العسكرية لا تصنع النصر النهائي
في أوروبا، واجه نابليون جيوشاً رسمية: ينتصر عليها فتخضع البلاد، حتى تنهض جيوش أخرى وتواجهه. لكنه في مصر واجه شعباً بأكمله.
الإسكندرية كان عدد سكانها أقل من عشرة آلاف، ومع ذلك وجد نابليون نفسه يقاتل في شوارعها وحاراتها. في بعض المعارك، واجه أربعة وعشرين ألف مقاتل من الأهالي، إضافة إلى عشرة آلاف من المماليك، في مجتمع كان قليل العدد أصلاً. وهذا يعني أن نسبة التعبئة كانت غير مسبوقة.
بل إن نابليون كاد يُقتل في أول أيام وصوله: **رجل وامرأة أطلقا عليه النار من داخل منزلهما**. مجتمعٌ كله ثوار، لا جيش فقط.
اضطر الجيش الفرنسي إلى قتال المصريين قرية قرية، حياً حياً، بيتاً بيتاً، شارعاً شارعاً. إنها – بلا شك – سابقة ربما لم يلقها القائد الفرنسي في حياته العسكرية الصاخبة.
طبيعة هذه المقاومة مختلفة: لا يُسأل فيها عن النصر أو الهزيمة في معركة بعينها، بل عن **الاستمرار**. الانتصارات التكتيكية للعدو تؤدي – حتماً – إلى هزيمته النهائية، لأن روح المقاومة لا تموت، والاحتلال يجد نفسه أمام عدو يزداد إصراراً كل يوم.
المعادلة واضحة: **مجموع انتصارات العدو في المعارك = هزيمته في الحرب**.
ومجموع خسائرنا التكتيكية = نصرنا الاستراتيجي.
تضحيات هائلة… وإرادة لا تلين
رغم أن آلة الإبادة الجماعية لم تكن قد تطورت إلى القتل بضغطة زر كما في عصرنا، إلا أن الخسائر كانت فادحة. في معركة واحدة قد تجد خمسين قتيلاً فرنسياً مقابل خمسة آلاف شهيد مصري. هذه النسبة المرعبة لم تُضعف الإرادة، بل زادتها صلابة.
كانت فكرة “المشايخ يهرعون إلى الأزهر يقرأون البخاري فتدخل عليهم الخيول الفرنسية” مجرد فكرة سخيفة اخترعها الرواة المتأخرون. الحقيقة أن مشايخ الأزهر شكلوا مجلساً لقيادة الثورة، واعتصموا مع خمسة عشر ألف مقاوم داخل الأزهر، وأداروا معارك ضارية منه. استمر القصف المدفعي على الأزهر يومين كاملين حتى تهدَّمت أجزاء كبيرة منه، قبل أن يُقتحم.
حتى فئة لم تكن تتوقعها قاتلت: **شيخ طائفة المكفوفين**! أعمى يقود مقاومين ويقاتل. مجتمع لا يعرف المستحيل.
في ثورة القاهرة الثانية، كان الناس يصنعون البارود في بيوتهم، ويستخدمون أثقال أوزان السوق كقذائف مدفعية. والأدهى: أنهم استطاعوا خلال أسابيع أن يتعلموا تشغيل المدافع الفرنسية التي استولوها. مجتمع يستطيع تجاوز الفجوات التقنية بسرعة.. هذا هو الفارق بين أمة حية تعتمد على ذاتها، وأخرى مستسلمة تنتظر من يدير لها أمورها.
ولم تقتصر المقاومة على الرجال فقط. فالمرأة المصرية المسلمة كانت نقطة تحول كبرى. رأت في “حرية المرأة الفرنسية” إهانة لها لا تحرراً. فالفرنسي أراد خلع الحجاب، والخروج بالمرأة إلى الحياة العامة دون ضوابط، وإقامة الحفلات المختلطة. فكان رد المرأة المسلمة:
– تخبئ السلاح في ثيابها وتطلق النار على الضباط الفرنسيين.
– تسقي الجنود الفرنسيين سماً في الطعام والشراب.
– تقطع خطوط الإمداد ليلاً.
– أشهرهن: “فاطمة الشيخة” التي قتلت عدة جنود، و”زينب” التي كادت تقتل نابليون بنفسها.
قال نابليون في مذكراته: “المرأة هنا أخطر من الرجل، إنها تقاتل بدين لا يعرف التراجع”.
العقيدة الإسلامية… المحرك الحقيقي للمقاومة
لم يقاتل المصريون لأنهم “قوميون عرب” أو “وطنيون مصريون” بالمفهوم الحديث. هذه مفاهيم دخيلة على ذلك العصر. لقد قاتلوا لأنهم **مسلمون**، والفرنسي **كافر** يستبيح حرمات الدين.
لنستعرض الأدلة:
أولاً: الفتوى الدينية. مشايخ الأزهر – على رأسهم الشيخ عبدالله الشرقاوي – أفتوا بأن قتال الفرنسيين **فرض عين** على كل مصري قادر. وأعلنوا أن من يموت في سبيل الدفاع عن الدين والوطن فهو **شهيد**. لم تكن هناك فتوى وطنية، بل فتوى جهادية دينية محضة.
ثانياً: شعارات المعركة. الوثائق التاريخية تظهر أن شعارات الثوار المصريين لم تكن “تحيا مصر” أو “الوطن الأم” – كما يفعل العلمانيون اليوم – بل كانت:
– “الله أكبر” (هذا هو الشعار الأساسي في كل معركة).
– “لا إله إلا الله محمد رسول الله” (يُرددها الجرحى قبل الموت).
حتى الكتيبات والمنشورات التي وزعها مشايخ الأزهر على الناس لم تدعُ إلى “الوطنية المصرية” بل إلى الجهاد في سبيل الله، و”طرد الكفار المحتلين لأرض الإسلام”.
ثالثاً: تحريم مساعدة الفرنسيين. أصدر العلماء فتوى بتحريم العمل مع الفرنسيين أو بيعهم الطعام أو مداواتهم، معتبرين أن ذلك من “موالاة الكفار” التي نهى عنها القرآن. فانقطع الإمداد عن الفرنسيين من المصادر المحلية.
رابعاً: تكفير الفرنسيين. العلماء لم يعتبروا الفرنسيين مجرد “غزاة أجانب”، بل كفروهم لأنهم:
– أهدروا حرمة المساجد (حولوها إلى اسطبلات خيول ومخازن خمور).
– استباحوا النساء (وقع اغتصابات جماعية للنساء المصريات).
– نشروا أفكاراً إلحادية (الثورة الفرنسية كانت معروفة بعدائها للدين).
– آذوا الأنبياء (في منشوراتهم التي أعلنوا فيها عدم احترامهم لأي نبي).
فقال العلماء: من يفعل هذا فهو كافر مرتد عن دين الفطرة، فيجوز بل يجب قتاله.
خامساً: محو آثار الإسلام. الفرنسيون بدأوا في تحويل الأزهر إلى مقر للحكم، ورفعوا العلم الفرنسي فوق مئذنته. هذا كان بمثابة إعلان حرب على هوية مصر الإسلامية. فكان رد الشعب أن الأزهر تحول إلى قلعة مقاومة.
لذلك، قال أحد المؤرخين الفرنسيين: “لم نكن نقاتل جيشاً، كنا نقاتل ديناً متجسداً في كل رجل وامرأة وطفل”.
تضامن الأمة… عرب الجزيرة والمغاربة إلى الميدان
لم يقاتل المصريون وحدهم. جاء مجاهدون من عرب الجزيرة بحراً عبر جدة خصيصاً للاشتراك في الثورة. وجاءت أعداد من المغرب وليبيا وتونس والجزائر.
ولم يأتِ هؤلاء لأنهم يشعرون بـ”قومية عربية” ضد الفرنسيين – فالمغاربة ليسوا عرباً غالباً – بل لأن: “أرض الحرمين امتداد لمصر أرض الكنانة، والدفاع عن أي أرض إسلامية واجب”، وهكذا كان التصور.
سليمان الحلبي الذي قتل الجنرال كليبر لم يقل: “قتلته لأن سوريا ومصر أمة عربية واحدة”، بل قال قبل إعدامه: “قتلته لأني مسلم، والمسلم إن رأى كافراً يقتل إخوانه وجب عليه قتله”.
ونقل المؤرخون أن سليمان الحلبي كان قد ذهب إلى مكة أولاً، ثم جاء إلى مصر لمقاتلة الفرنسيين. أي أن همّه كان دينياً خالصاً.
هذا هو دور الأمة في أنقى صوره: مساندة بلا حدود، وتضامن بلا شروط، وقتال دفاعاً عن المقدسات والأعراض والكرامة، بدافع العقيدة لا القومية.
لم تكن الحدود كما نعرفها اليوم. كانت الأمة كياناً واحداً، تتحرك فيه الدماء بحرية نحو مواقع الجهاد. الإسكندرية والقاهرة تستغيث، فتجد المدد من الجزيرة العربية ومن المغرب.
ماذا نصنع اليوم؟ استعادة الروح
أين هذه الروح اليوم؟
أين الشعوب التي تقاتل قبل أن تنتظر أوامر الحكام؟
أين المجتمعات التي تصنع البارود في بيوتها وتتغلب على الفجوات التقنية؟
أين التضامن الإسلامي الطبيعي الذي يسبق قنوات الدبلوماسية؟
أين دور العلماء الذين يقودون المعارك بدلاً من أن يكونوا مجرد مأذونين للسلطة؟
الأنظمة المستبدة دجَّنتنا. جعلتنا ننتظر التعليمات قبل أن نتحرك. جعلتنا نُسَيّس كل شيء حتى المقاومة. جعلت العلماء خداماً للسلطان لا قادة للأمة. جعلت المساجد مجرد أماكن عبادة فارغة من روح الجهاد.
بل إن البعض يروج اليوم لثقافة “المواطنة” و”الوطنية” بديلاً عن العقيدة، فيفصلون بين الدين والدفاع عن الأرض، ويجعلون من حب الوطن جزءاً من الإيمان، بينما أجدادنا كانوا يقاتلون باسم الإسلام أولاً وأخيراً.
العبرة المستخلصة:
العقيدة هي المحرك. الشعوب لا تقوم إلا إذا كانت عقيدتها هي المحرك، ومشايخها هم القادة، ومساجدها هي القلاع. عندما تفصل الأمة بين العقيدة والسياسة، وبين الدين والجهاد، وبين المسجد والميدان – تصير الشعوب هزيلة.
المقاومة قبل التعليمات. لا تنتظر أن يأمرك الحاكم. فالحاكم ربما يهادن ويتخاذل. المقاتل الحقيقي هو من يبادر بنفسه.
الاستمرارية تصنع النصر. لا تحزن على هزيمة في معركة. العبرة بأنك لا ترفع الراية البيضاء أبداً. نابليون انتصر في كل المعارك تقريباً لكنه خسر الحرب. والمصريون خسروا كل المعارك تقريباً لكنهم ربحوا الحرب.
التضامن بلا حدود. الأمة جسد واحد. إن اشتكى عضو منها تداعى له سائر الأعضاء. لا تنتظر تأشيرة ولا تنسيقاً دبلوماسياً لتذهب لنصرة إخوانك.
تجاوز الفجوات التقنية. الأجداد صنعوا البارود في بيوتهم وتعلموا المدافع في أيام. هذا يعني أن الفارق مع العدو ليس تقنياً محضاً، بل هو فارق إرادة وعزيمة. حين تتحقق الإرادة، يستطيع المجتمع تجاوز أي فجوة.
الأزهر يجب أن يعود إلى دوره. لم يكن الأزهر مجرد معهد ديني، كان قيادة سياسية وعسكرية. كان يخرج الفتوى، وينظم الجيوش، ويخطط للمعارك، ويدير الأزمات. نحن بحاجة إلى أزهر كهذا اليوم، لا أزهر ينتظر أوامر وزارة الأوقاف.
المرأة المسلمة شريكة في الجهاد. لم تكن المرأة المصرية مجرد متفرجة، بل كانت مقاتلة ومخططة وداعمة. دورها كان حاسماً في إخراج الفرنسيين وإيقاع الخسائر بهم.
دعوة لاستعادة الأمة
نابليون قال عن المصريين: “هؤلاء ليسوا شعباً يخضع”.
وأثنى على صمودهم في مذكراته قائلاً: “ما رأيت مثل هؤلاء القوم قط، يموت الواحد منهم ولا يلقي السلاح من يده”.
وقال أيضاً: “لو كان المصريون يعرفون كيف ينظمون أنفسهم لما استطعنا البقاء في بلادهم أسبوعاً واحداً”.
ونحن اليوم.. ماذا يقول عنا المحتلون الجدد – الصهاينة والأمريكان وحلفاؤهم؟
هل يقولون عنا: “هؤلاء شعب يخضع بسهولة”؟
أم يقولون: “هؤلاء يخافون من مواجهتنا”؟
أم يقولون: “هؤلاء مستعدون أن يتنازلوا عن كل شيء مقابل الأمان الزائف”؟
آن الأوان لنستعيد روح أجدادنا.
آن الأوان لنفهم: المقاومة قبل التعليمات.. المجتمع قبل الجيش.. العقيدة قبل كل شيء.. الشعب قبل الحكومة.
آن الأوان لنوقف “تدجين” الأمة الذي مارسته الأنظمة المستبدة لعقود.
المعركة اليوم مع محتلين جدد –وإن اختلف الشكل والجنسية– تتطلب نفس الإرادة، ونفس الالتحام الشعبي، ونفس الاعتماد على العقيدة، ونفس التضامن الإسلامي، ونفس الإيمان بأن العدو وإن تفوق عتاداً وتقنية فإن الأمة حين تصحو وتقف كرجل واحد فإنها لا تقهر.
تعلم من أجدادك: النصر لا يُصنع بالجيوش وحدها.. الأمة بأكملها هي الجيش! والعقيدة هي قائد هذا الجيش!
فهل من مدكر؟ هل من عازم على استعادة المجد؟


