أزعم أنّه لا يوجد مفهوم في الإسلام مجمَع عليه كمفهوم “الحاكمية” الذي تَعجب كل العجب من تأويلات بعض المعاصرين له، إذ يجعلونه مفهومًا مستحدثًا أو من ابتداع الخوارج، ويكثرون من السفسطة والتشويش عليه ونسبته إلى أشخاص معاصرين!
قراءة في مغالطات التأويل المعاصر
هناك فكرة مغلوطة تشيع بين بعض الباحثين المعاصرين عن سيد قطب مفادها أنّه أخذ فكرة “الحاكمية” عن أبي الأعلى المودودي.
“وظّفه وكرّسه”: سيد قطب لم يأخذ فكرة لم يجدها عند غيره
وصحيح أنّ سيد قطب نقل كثيرا عن أبي الأعلى المودودي، وأُعجب به كثيرا وامتدحه، ولكن من قرأ سيد قطب جيّدا يدرك أنّه “وظّفه” و”كرّسه” أكثر من أن يكون قد استوحى من عنده فكرة لم يجدها عند غيره. فالمودودي كان آنذاك يقدّم طرحًا جديرا بالاهتمام ويركّز على المعضلة الكبرى وهي غياب حاكمية الشريعة في المجالات العامّة وربطها بالإيمان والاعتقاد، ولهذا كان سيد قطب يشيد به في هذا الباب.
الإعجاب ليس اقتباسًا: كيف قرأ سيد قطب المودودي؟
لكن من يعرف سيد قطب وعمق علاقته بالقرآن وقراءته قراءة مجرّدة مع اعتماده على ما يقوله المفسّرون القدماء سيدرك أنّ مصدره الأساسي (ومصدر المودودي كذلك) في إعلاء قضية “حاكمية الشريعة” هو كتاب الله تعالى، والاستدلال عليها من القرآن تأسيسا عند سيد قطب واضح جدا لا يخفى. فليس فقط أنّ سيد قطب لم يقتبس فكرة خاصة من المودودي، بل المودودي نفسه لم يخترع شيئا جديدا أيضًا. صحيح أنّ له اجتهادات وآراء خاصة تتعلق بهذا المفهوم، ولكنها لا تتعلق بأصل هذا المفهوم والذي هو صلب شهادة التوحيد، وهو يعني ببساطة الانقياد لشريعة الله بجميع نواحيها، وهذا هو صلب إفراده سبحانه بالعباده.
البديهة التي صارت “مستحدثة”: إجماع الأمة على حاكمية الشريعة
تخيّل أنّ هذه الفكرة البديهية الواضحة في دين الله، والتي ستجد علماء الأمة من متقدّمين ومتأخرين مجمِعين عليها، يزعم بعضهم أن سيد قطب أخذها عن المودودي أو أحياها عن الخوارج! بل إنّ أذكى هؤلاء يرى أنّ الحاكمية التي يقصدها سيد قطب هي “السلطة”، وأنها فكرة وهمية لم تتحقق يوما، وأن البشر سيحكمون ويمارسون السلطة بخلاف هذا التصوّر الوهمي! مع أنّ سيد قطب يقصد بالحاكمية أن تكون شريعة الله هي المرجعية العليا المهيمنة على كل تشريع بشري، فينقاد النّاس لما أحلّ الله ولِما حرّم، هكذا بكل يُسر ووضوح. ومن يقرأ كتبه يدرك استيعابه للمجالات الاجتهادية التي لم ينزل فيها نص، ومسالك تدبيرها من خلال أدوات أصول الفقه ورعاية المصالح واحتياجات الواقع كما صدح فقهاء الأمة منذ قرون طويلة.
المودودي نفسه لم يأت بجديد: من الآمدي إلى الزحيلي إجماعٌ لا ينكَر
يقول أبو الأعلى المودودي في كلمات بديعة يراها ناقلها “وجهة نظر” خاصة به:
“ليس من معنى العبودية أن تُقسم الحياة إلى قسمين: قسم يتعلق بالدين أو الأمور الدينية، وقسم يتصل بالدنيا وشؤونها العديدة المتنوعة، وأن تنحصر العبودية لله في القسم الديني الذي لا يخرج – حسب المصطلح الشائع – عن دائرة العقائد والعبادات… أما الحياة الدنيوية وشؤونها المتشعّبة وفروعها المتنوّعة، من مسائل العمران والسياسة والاقتصاد والآداب والأخلاق، فلا سلطان لله فيها”.
“الحاكم الحقيقي هو الله”: عند المودودي وسيد قطب وفي تراث الأمة
ويتكرر في كتب المودودي وسيد قطب أنّ “الحاكم الحقيقي هو الله”، ويفهم منهم الجهلة المعاصرون رأيَ الخوارج أو فكرة حديثة غريبة عن دين الله وعن التراث الإسلامي التقليدي. ونذهب إلى الآمدي (631 هـ) في كتابه “الإحكام في أصول الأحكام” فنجده يقرّر قبلهما ما قرّراه: “اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به”.
الدكتور محمد الزحيلي: إجماع المسلمين على أن المصدر الوحيد للأحكام هو الله
ويقول الدكتور محمد الزحيلي في كتابه “الوجيز في أصول الفقه” إنّ “الحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها”، ويقول إنّ الحاكم بهذا المعنى “هو الله تبارك وتعالى، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من الله تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف بذلك أحد منهم يؤمن بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن دستورا، وبالإسلام دينا”.
فهذا المعنى من أسس الدين، لا يكون المسلم مسلمًا إذا لم يقرّ به.. ويأتيك من “الباحثين” اليوم من يزعم أنّ الحاكمية فكرة حديثة أو فكرة خارجية!
السفسطة المعاصرة: كيف حوّل بعض الباحثين الإجماع إلى شبهة؟
أزعم أنّه لا يوجد مفهوم في الإسلام مجمَع عليه كمفهوم “الحاكمية” الذي تَعجب كل العجب من تأويلات بعض المعاصرين له، إذ يجعلونه مفهومًا مستحدثًا أو من ابتداع الخوارج، ويكثرون من السفسطة والتشويش عليه ونسبته إلى أشخاص معاصرين!
في معجم اللغة: الإسلام والدين والعبادة… كلها تصب في “الحاكمية”
تأمّل كلمات الإسلام المركزية ودلالاتها اللغوية:
– الإسلام: قال في “لسان العرب”: “والإسلام والاستسلام: الانقياد. والإسلام من الشريعة: إظهار الخضوع وإظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم”.
– الدين: قال في “لسان العرب”: “والدين: الطاعة. وقد دِنْتُه ودِنْتُ له أي أطعته، قال عمرو بن كلثوم: وأيّاما لنا غرّا كراما … عصينا الملك فيها أن ندينا”.
– العبادة: قال في “لسان العرب”: “فُلَانٌ عَبْدٌ بَيِّن العُبُودَة والعُبودِيَّة والعَبْدِيَّةِ؛ وأَصل العُبودِيَّة الخُضوع والتذلُّل”.
الحَكَم والحكيم: أسماء الله الدالة على حاكميته المطلقة
فهي تدور بين الانقياد والطاعة والخضوع، وهو لبّ المقصود من مفهوم “الحاكمية”، فالله سبحانه هو “الحَكَم” و”الحكيم”، وهما بمعنى “الحاكم”، فهو القاضي وهو الذي يُحكِم الأشياء ويُتقنها، وهو “ذو الحكمة”، والحكمة “معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم” كما جاء في “لسان العرب”. و”الحُكم” أيضًا “المنع من الظلم” كما قال ابن فارس في “المقاييس”.
بساطة المفهوم: عبودية لله، وتحاكم إلى شرعه، ومنع للتظالم
فالله عزّ وجلّ هو الحاكم، لأنّه سبحانه هو العالم بكل شيء وهو الحكيم الخبير، وهو الذي خلقنا وعلينا أن نطيعه، وهو أعلم بمصالحنا، فعلينا أن نتحاكم إلى شريعته التي أنزلها في كتابه وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فهكذا تتحقّق عبودتنا له سبحانه، ويتحقّق إسلامنا، ونكون قد دنّا بدين الإسلام، ويُمنع التظالم. هكذا بكل بساطة ووضوح ويُسر. بعيدًا عن كل سفسطة المعاصرين الذين حاولوا التشويش على هذه القضية الواضحة الجلية.
من الفرد إلى الجماعة: لماذا لا تستقيم حاكمية الشريعة دون الأمة؟
وكما أنّه سبحانه أنزل شرائع في شؤون الإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحجّ وغيرها من العبادات والمعاملات الفردية، فإنّه عزّ وجلّ قد أنزل شرائع في شؤون الأمة الجماعية، ولا يستقيم أن يقيمها الأفراد كلّ على حِدة، بل تجتمع الأمة في هيئة اجتماعية لإقامتها، وهي كثيرة في كتاب الله وفي السنّة الصحيحة. فالدعوة إلى حاكمية الشريعة هي دعوة هذه الأمة إلى القيام بحقيقة الإسلام، كي تحقق عبوديّتها الخالصة لله التي من أجلها خلقها، وكي لا يحدث معها ما حدث مع الأمم الأخرى التي أخبرنا الله بخسرانها حين تركت التحاكم إلى شريعته سبحانه.
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

