تأملات في نعمة الإلزام بالتكليف

لولا ذلك، لعاش أكثر الخلق حياتهم الدنيا مسوِّفين يقولون: غدًا نعمل العمل الذي ندخل به الجنة، وننجو به من النار، حتى يفجأهم الموت.

نعمة إيجاب الواجبات والإلزام بالعبادات

الحمد لله وحده.

أشم رائحة رمضان.

قلت هذه العبارة لبعض الأصدقاء أمس، وأردت بها معنى شرحته له.

قال لي: وددت أن أستعد لرمضان بصيام وقرآن، لكنني لم أفعل.

سألته عن السبب، فذكر أشياء عن الانشغال وبعض المرض الخفيف و… نحو هذه الأمور التي تعرفون.

قلت له: فإذا جاء رمضان غدًا ماذا ستفعل؟

فسارع بالجواب مازحا: سأصوم فورا مثل الكـ… (حذفته الرقابة).

قلت له:

حتى نحمد الله عز وجل ونشكره على نعمة التكليف بالفرائض.

نعمة إيجاب الواجبات.

نعمة الإلزام بالعبادات.

قلت له: لو أنَّ الله تعالى ترك الناس من غير إلزام بأعمال صالحة واجبة، يعاقبهم على تركها، ويوعدهم بإحراق بالنار إذا هم أهملوها عمدا.

وهو تعالى مع ذلك: يثيبهم على فعلها أعظم ثواب.

لولا ذلك، لعاش أكثر الخلق حياتهم الدنيا مسوِّفين يقولون: غدًا نعمل العمل الذي ندخل به الجنة، وننجو به من النار، حتى يفجأهم الموت.

لو أنَّ الشريعة كلها على الاختيار والسعة..

أي: بلا (حدود لله) واجبة لازمة، معلومة الأوقات والمقادير، مضيقة غير موسعة، مشخصة، معللة بأوصاف ظاهرة منضبطة.

لو أن الأعمال الصالحة كلها معتمدة على عزم الإنسان وحده، وإقباله بنفسه ومراعاته بنفسه لمصلحة نفسه، ومع ذلك كانت نهايته النار إذا قصَّر.. لكانت أكبر مصيبة.

فلنحمد الله على نعمة (حدود الله)، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وتلك حدود الله فلا تقربوها.

حوار العقلاء مع النبي صلى الله عليه وسلم

وجاء أعرابي نجديٌّ عاقل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، سؤال العقلاء.

وكان سؤاله بعد أن نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال بقوله: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم …) الحديث.

جاء الأعرابي البدوي النجدي، ثائر الرأس، آفاقي لا مستقرَّ له، بدويٌّ لا يفقه جميع الصحابة لغته، إنما لصوته دويٌّ يسمع ولا يُفقه.

يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأله عن (حدود) واضحة مرسومة للنجاة يوم الحساب!

قال البدوي: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك!

قال: (صدق).

قال البدوي: فمن خلق السماء؟!

قال: (الله).

قال البدوي: فمن خلق الأرض؟!

قال: (الله).

قال البدوي: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟!

قال: (الله).

قال البدوي: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟!!

قال: (نعم).

قال البدوي: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا، وليلتنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدق).

قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟!

قال: (نعم).

قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا.

قال: (صدق).

قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟

قال: (نعم).

قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا.

قال: (صدق).

قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟

قال: (نعم).

قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا.

قال: (صدق).

ثم ولى وهو يقول: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن!!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن صدق ليدخلن الجنة)!!

وهذه رواية مسلم [12].

تأمل في الحوار

يالله!

ما أعظم وأجلَّ هذا المعنى في نفسي.

ظهر الرجل مرة، في (لقطة) واحدة من لقطات التاريخ.

سؤاله يسير سهل.

يقول لرسول الله: أستحلفك بالله، أأنت رسول الله؟

اللهم نعم.

فمن الذي خلق السماوات والأرض ونصب الجبال؟؟

الله.

أستحلفك بالله أأنت رسوله؟؟

اللهم نعم.

فأسألك بالله الخالق المدبر.. أهو الذي فرض علينا أركان الدين فرضا، خمس صلوات، وصيام شهر، والزكاة المحددة، والحج المحدود؟

اللهم نعم.

أحلف بالذي بعثك أنني لن أزيد على هذه (الحدود)، ولن أنقص عنها.

ثم ولَّى، يضرب في الأرض.

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

والحمد لله على نعمة رمضان، وسائر الأركان.

الحمد لله على نعمة الإلزام بالتكليف، ثم الإثابة عليها.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

المصدر

صفحة الشيخ خالد بهاء الدين، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

كبرى النعم وأعظمها

العقيدة الإسلامية وأسباب الانحراف عنها

التعليقات معطلة