40 سيناتورًا أمريكيًا يتمردون على لوبي إسرائيل في تصويت تاريخي غير مسبوق.. هل بدأ “بعبع” اللوبي يسقط؟…من “سلوتكين” الصهيونية إلى “بيرني ساندرز” اليهودي المتمرد.. كيف تحول الحزب الديمقراطي إلى خطر وجودي يهدد إسرائيل؟
الخبر في سطر واحد
40 سيناتورًا “تمردوا” على “هيمنة لوبي إسرائيل”. هذا ليس تصويتًا “لمصلحة” إيران أو فلسطين، بل تصويت “ضد إسرائيل” بامتياز، وبأرقام مذهلة غير مسبوقة.
طبيعة الانقسام الحزبي في أمريكا وتأثير حرب غزة
معروف أن السياسة في أمريكا منقسمة بين حزبين لا ثالث لهما: الديمقراطيين (الأزرق) والجمهوريين (الأحمر). منذ بداية حرب إبادة غزة، هناك انهيار في سمعة إسرائيل في رأي القاعدة الشعبية الزرقاء. أما القاعدة الشعبية الحمراء (مؤيدي ترامب، ولهم اسم “ماجا”)، فحدث انقسام غير عادي لهم بانشقاق حركة “أمريكا أولًا” عنهم، وتسميتهم للباقي “إسرائيل أولًا”، فيما يُسمى بالحرب الأهلية الإعلامية داخل القاعدة الحمراء.
قيادات الحزبين مقابل القواعد الشعبية
رغم التغيرات العنيفة في آراء القواعد الانتخابية، فإن قيادات الحزبين لم تتغير في مساندتها غير المشروطة لإسرائيل طوال سنوات الحرب. (قصة طويلة، ملخصها أن هناك ظاهرة في الانتخابات الأمريكية: الممولون لدعم الحملة قد يكونون أحيانًا أهم من رأي القاعدة من الناخبين، ولا بد من التوازن بينهم. وهذا سبب قوة اللوبيات في توجيه السياسة الأمريكية، وخصوصًا اللوبي الإسرائيلي، حتى لو كان توجهه عكس رغبة الشعب).
حالة القاعدتين الحمراء والزرقاء
القاعدة الحمراء مرتبكة، لكن القاعدة الزرقاء يبدو أنها وصلت إلى آخر الطريق بوصول “المنحازين لإسرائيل” (pro-Israel) إلى أقل من 5% في استطلاعات الرأي. ولذلك ظهرت محاولات لتحدي القيادات الحزبية الزرقاء، أو محاولات لجعلها تضع سياسات للحزب منصاعة لرأي القاعدة الشعبية. آخرها كانت محاولة فاشلة في مؤتمر الحزب DMC. .[1]
بوادر سقوط مرشحي اللوبي الإسرائيلي
على استحياء، بدأت منذ أشهر قليلة تظهر مفاجآت بسقوط بعض مرشحي اللوبي الإسرائيلي، بطريقة ملفتة، وكأنها إنذارات للحزب بتمرد القاعدة. وكان كل ذلك تحت سيطرة مستميتة من قيادات الحزب للسيطرة على الترشيحات والنتائج لصالح اللوبي الإسرائيلي.
بيرني ساندرز.. اليهودي المتمرد
ولكن هناك دائمًا “بيرني ساندرز” (اسمه في أول القائمة). هو سيناتور عجوز، أمريكي يهودي، مشاغب، ومن أشهر سياسيي أمريكا ذوي التوجه الاشتراكي (له قصص كثيرة مثيرة، لكن لا مجال لها هنا). رغم أنه يؤمن بحق إسرائيل في الوجود، إلا أنه، وعلى طول الخط، كان مناصرًا للقضية الفلسطينية وحقهم في دولة داخل فلسطين (حل الدولتين). ولكنه انقلب على إسرائيل وقياداتها، متهمًا إياها بأنها تنفذ “إبادة جماعية”. ومنذ ذلك الحين، وهو يدفع بمشاريع قوانين لحرمان إسرائيل من السلاح الأمريكي. ورغم معرفته بأن الأصوات التي يسيطر عليها اللوبي لن تسمح بتمريرها، إلا أنه، بكشف أسماء المصوتين بـ”نعم” أو “لا”، يُولّد ضغطًا يكشف العضو أمام ناخبي دائرته الزرقاء، ويُظهر كيف أنه لا يزال تحت سيطرة اللوبي.
حركة “TrackAIPAC”.. فضح التمويلات وكسر الصمت
المثير للانتباه أن اللوبي يعرف كيف يخفي تمويله لبعض النواب. فرغم أن قوانين الإفصاح عن التمويل تُلزمهم بكشف المصادر، إلّا أنهم يفعلون ذلك بطرق ملتوية ومعقدة. لكن في المقابل، ظهرت حركة أمريكية مكونة من شخصين فقط، شرعا في تتبع تمويلات اللوبي الإسرائيلي وحلفائه بالاعتماد على البيانات الرسمية، ثم لخّصاها في موقع إلكتروني. وقد اشتهر هذا الموقع بشكل مذهل وسط القاعدة الزرقاء، إذ بات الناخبون يستخدمونه لمعرفة أي من أعضاء الكونجرس “باع نفسه” للوبي الإسرائيلي.
وصلت قوة هذين الشخصين إلى درجة أن بعض المرشحين -تحت ضغط ناخبيهم الذين اطلعوا على تلك الأرقام- أعلنوا رسميًا أنهم سيعيدون أموال اللوبي!! وهذا مشهد لم نشهده من قبل. بل إن بعضهم أعلن رفضه قبول أي أموال من اللوبي مستقبلًا.
تأثير هاتين الشخصيتين مرعب، وبطبيعة الحال اتخذ اللوبي إجراءات “قانونية” ضدهما، من قبيل “الدوكسنج” (أي نشر أرقام هواتفهما وصورهما وعنوان منزلهما وأسماء مدارس أولادهما ومكان عملهما). لكنهما لا يزالان صامدين. اسمهما “@trackaipac”، ولهما موقع بنفس الاسم.[2]
تفاصيل التصويت التاريخي
تقدمت إسرائيل بطلب لشراء “جرافات عسكرية” و”قنابل” جو-أرض (بالأطنان). وضع بيرني ساندرز مشروع قانون للتصويت عليه، وكان المتوقع ألّا يحصل إلا على صوتين أو ثلاثة من الأعضاء الديمقراطيين. لكن من مجموع 47 عضوًا ديمقراطيًا، حدثت مفاجأة مذهلة.
فالـ40 سيناتورًا الديمقراطي في مجلس الشيوخ الأمريكي صوتوا بمنع إسرائيل من شراء الجرافات العسكرية. أمّا في التصويت الخاص بشراء القنابل العاجل، فقد وافق أربعة فقط على توريد الأسلحة، بينما رفض 36 سيناتورًا توريد القنابل أيضًا.
نموذج صادم.. سلوتكين الصهيونية التي صوتت ضد إسرائيل
خذ على سبيل المثال السيناتورة “سلوتكين”. هذه السيناتورة تتلقى أموالًا من اللوبي، وقد رفضت -حتى الآن- أن تتعهد “بعدم قبول تمويل” من اللوبي الإسرائيلي. سلوتكين ضابطة سابقة في وكالة المخابرات المركزية (CIA)، عملت في العراق في مجال “التحليل”، ولها طموحات سياسية لا مجال لذكرها هنا. وهي يهودية بل وصهيونية. فتصويتها ضد “تسليح إسرائيل” بالقنابل اللازمة لضرب إيران هو أمر يصعب تصديقه فعلًا لمن يعرف خلفيتها.
لماذا نصف هذا بـ”الانقلاب” الحقيقي؟
هذا -بلا شك- “انقلاب” حقيقي وفعلي ضد الهيمنة المطلقة لحكومة إسرائيل على الحزب الديمقراطي (الأزرق). فالأرقام المسجلة هنا غير مسبوقة تاريخيًا منذ بدء سيطرة اللوبي الإسرائيلي على السياسة الأمريكية.
إن “بعبع” اللوبي الإسرائيلي بدأ يفقد سيطرته على الحزب الديمقراطي. وللتيسير، يمكننا القول إن هذا يمثل 40% من الشعب الأمريكي و50% من رجال الدولة.
ماذا يعني هذا بالنسبة للمستقبل؟
هذا يعني أنه إذا فاز الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفية المقررة في نوفمبر القادم، مع بقاء نفس معدلات التصويت المعارضة لإسرائيل، فمن المحتمل أن يكون بعض الجمهوريين مستعدًا للانضمام إلى هذا التوجه ضد الهيمنة الإسرائيلية. وعندها، قد يبدأ تمرير قوانين غير مسبوقة ومعادية لإسرائيل!!!
الخطر الوجودي الذي يهدد إسرائيل
إسرائيل “دولة قزمة”، ولا تستطيع أن تحافظ على حرية حركتها في المنطقة من دون تدخل المارد الأمريكي الذي يقوم بالنيابة عنها…
فهل نشهد في عام 2027 عصرًا جديدًا؟
لا أعتقد أن ذلك سيحدث بهذه السرعة… لكن هذا التوجه يشكّل -بدون أدنى شك- “خطرًا وجوديًا” على إسرائيل في صورتها المتطرفة الحالية.
الهوامش
[1] DMC: اختصار لـ Democratic National Convention (المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي)، وهو التجمع الرسمي الذي يُقر فيه الحزب سياسته ومرشحيه.
[2] @trackaipac: حساب على منصة X (تويتر سابقًا) وموقع إلكتروني متخصص في تتبع تمويلات اللجنة السياسية التابعة للوبي الإسرائيلي (AIPAC) وكشف تبرعاتها لأعضاء الكونجرس. كلمة “PAC” تعني Political Action Committee (لجنة العمل السياسي). أما “الدوكسنج” (Doxxing) فهو نشر المعلومات الشخصية للآخرين على الإنترنت بقصد الإيذاء أو التهديد.
[3] السيناتورة سلوتكين: إليزا سلوتكين، عضوة مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، ضابطة سابقة في وكالة المخابرات المركزية (CIA)، عملت محللة في العراق.
المصدر
صفحة المهندس محمد مبروك، على منصة ميتا بتصرف.

