الانتصار دون قتال

ماذا لو أخبرتك أن أقوى أسلحة أمريكا اليوم ليست طائراتها ولا حاملاتها، بل ورقة وقلم بيروقراطي في واشنطن؟ من البوسفور إلى هرمز، تكتشف في هذا المقال كيف يمكن لبضعة فقرات تنظيمية أن تفعل ما كانت الأساطيل تفعله بالأمس، ولماذا قد تنقلب هذه الأسلحة على صانعها.

نقاط الاختناق: كيف تخوض أمريكا حروبها دون طلقة واحدة؟

مقدمة: عندما تصبح اللوائح أقوى من الأساطيل

في عالم يبدو فيه الصراع العسكري هو العنوان الأبرز، تخوض الولايات المتحدة الأمريكية اليوم حروبًا من نوع مختلف تمامًا. ليست طائراتها ولا حاملات طائراتها أبرز أسلحتها، بل ورقة وقلم بيروقراطي في واشنطن. هذا هو الجوهر الذي يستكشفه إدوارد فيشمان، الخبير السابق في سياسة العقوبات في إدارة أوباما، في كتابه الصادر عام 2025 بعنوان “نقاط الاختناق: القوة الأمريكية في عصر الحرب الاقتصادية” (Chokepoints: American Power in the Age of Economic Warfare).

يبدأ فيشمان كتابه بمشهد أيقوني: مضيق البوسفور، ذلك الممر المائي الضيق الذي يفصل بين أوروبا وآسيا، والذي كان على مر التاريخ شريان حياة للإمبراطوريات. ففي عام 405 قبل الميلاد، اضطرت إسبرطة إلى تدمير الأسطول الأثيني بالكامل لقطع الإمدادات عن أثينا وإجبارها على الاستسلام جوعًا. أما في ديسمبر 2022، فلم يكن إغلاق البوسفور نتيجة معركة بحرية، بل نتيجة لوائح أمريكية جديدة دخلت حيز التنفيذ عند منتصف الليل. تلك اللوائح، التي تمنع الشركات الغربية من شحن أو تأمين أو تمويل النفط الروسي إذا تجاوز سعره 60 دولارًا للبرميل، تسببت في ازدحام الناقلات أمام المضيق، لأن تركيا (التي تراقب المضيق) لم تعد ترغب في تحمل مخاطر ناقلات غير مؤمنة وفقًا للقواعد الغربية.

هذه الحادثة ليست استثناءً، بل نموذج مصغر لتحول جذري: الانتقال من القوة العسكرية التقليدية إلى الحرب الاقتصادية كأداة أولى للسياسة الخارجية الأمريكية.

أولاً: من البوسفور إلى وول ستريت – إعادة تعريف نقاط الاختناق

يذكرنا فيشمان بأن مفهوم “نقطة الاختناق” (chokepoint) ليس جديدًا. فقديماً، كانت نقاط الاختناق جغرافية بحتة: مضائق، ممرات جبلية، موانئ. من يسيطر عليها يسيطر على التجارة والإمدادات. لكن ما تغير اليوم هو طبيعة نقاط الاختناق نفسها.

في الاقتصاد العالمي المعولم، لم تعد نقاط الاختناق مجرد تضاريس، بل أصبحت:

الدولار الأمريكي: العملة الافتراضية للتجارة والتمويل الدوليين. أي معاملة بالدولار تمر عبر النظام المصرفي الأمريكي، مما يمنح واشنطن حق النقض الصامت على آلاف المعاملات يوميًا.

شبكات الدفع المالية (مثل SWIFT): القنوات التي تتدفق من خلالها الأموال حول العالم. استبعاد بنك من هذه الشبكة يعادل عزله عن الاقتصاد العالمي.

الملكية الفكرية والتقنيات الأساسية (خاصة رقائق الحاسوب المتقدمة): فالسيطرة على تصميم وتصنيع الرقائق تمنح القدرة على خنق اقتصادات كاملة، كما حدث مع الصين في عهد ترامب وبايدن.

التأمين البحري والخدمات المالية: أكثر من 95% من التأمين البحري العالمي تقدمه شركات غربية. بدون هذا التأمين، لا تستطيع ناقلة نفط أن ترسو في أي ميناء رئيسي.

وهكذا، تستطيع الولايات المتحدة اليوم تحقيق ما كان يتطلب في الماضي أساطيل ضخمة وحروبًا مدمرة، بمجرد بضعة فقرات تنظيمية منشورة على موقع وزارة الخزانة.

ثانيًا: عصر الحرب الاقتصادية – من شيلينغ إلى غرينسبان

يستعير فيشمان تعريف توماس شيلينغ (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد) للحرب الاقتصادية: “الوسائل الاقتصادية التي يُفرض بها الضرر على دول أخرى أو التهديد بإلحاق الضرر للضغط عليها”. الفرق بين الحرب الاقتصادية والحرب التقليدية أن الأولى تضرب بنك العدو عبر العقوبات، والثانية تقصفه. الهدف واحد، لكن الوسيلة مختلفة، وجاذبية الحرب الاقتصادية تكمن في أنها غير عنيفة ظاهريًا، وأقل إثارة للردود العسكرية المباشرة.

لكن ما جعل الحرب الاقتصادية بهذه القوة اليوم هو العولمة نفسها. هنا يعيد فيشمان تقديم فكرة آلان غرينسبان (رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق) الذي قال: “بصرف عن الأمن القومي، لا يكاد يُحدث أي فرق من سيكون الرئيس القادم. العالم تحكمه قوى السوق.” كان غرينسبان والتر ريستون (الرجل القوي في سيتي بنك) من مهندسي النظام النيوليبرالي القائم على هيمنة الشركات متعددة الجنسيات، وتحرير رأس المال، وضعف الدولة.

لكن المفارقة التي يكشفها فيشمان هي أن هذا النظام نفسه أوجد نقاط الاختناق التي أعادت قوة الدولة إلى الواجهة. فالعولمة لم تجعل الدولة عاجزة، بل جعلتها قادرة على السيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال البنية التحتية التي بنتها الشركات الخاصة. فاليوم، تستطيع أمريكا أن تطلب من بنك أن يوقف معاملة، أو من شركة تقنية أن توقف ترخيص برنامج، أو من شركة شحن أن توقف خدمتها، ويهتز اقتصاد دولة بأكملها.

ثالثًا: أسلحة أمريكا الجديدة – من إيران إلى روسيا إلى الصين

يؤرخ فيشمان لتطور الحرب الاقتصادية الأمريكية عبر أربع محطات كبرى:

ضد إيران (2006-2015): كانت الحملة الاقتصادية على إيران أول اختبار حقيقي للأسلوب الجديد. فبدلاً من الحرب، فرضت واشنطن عقوبات مالية ونفطية خانقة، أجبرت طهران في النهاية على طاولة المفاوضات والتوقيع على الاتفاق النووي عام 2015. كانت هذه اللحظة التي أدركت فيها الإدارة الأمريكية أن الأسلحة الاقتصادية يمكنها تحقيق ما عجزت عنه الحروب في أفغانستان والعراق.

ضد روسيا (2014 فصاعدًا): بعد ضم شبه جزيرة القرم، بدأت أمريكا وحلفاؤها في بناء هيكل عقوبات أكثر تعقيدًا، بلغ ذروته بعد الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022. عقوبات تجميد أصول البنك المركزي الروسي، وقطع عدد من البنوك عن SWIFT، وفرض سقف سعري على النفط، كلها أدوات جديدة في الترسانة.

ضد الصين (2018-الحاضر): هنا تختلف اللعبة. الصين ليست إيران ولا روسيا. إنها عملاق اقتصادي مترابط. لذا تركز الحرب الاقتصادية الأمريكية على نقاط اختناق تكنولوجية: حظر تصدير رقائق أشباه الموصلات المتقدمة، ومنع الشركات الأمريكية من الاستثمار في قطاعات حساسة صينية، وعرقلة وصول الصين إلى التقنيات الغربية. هذه حرب طويلة الأمد، نتائجها لم تُحسم بعد.

الحرب الشاملة على روسيا (2022): للمرة الأولى، تُجمع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وبريطانيا وكوريا الجنوبية وأستراليا في حملة عقوبات موحدة على اقتصاد بحجم الاقتصاد الروسي. النتيجة: تجزؤ غير مسبوق للاقتصاد العالمي، وانهيار افتراض أن العولمة لا رجعة فيها.

رابعًا: الثمن الخفي – عندما تعض الحرب الاقتصادية صانعها

لكن فيشمان ليس من دعاة التفاؤل الساذج بقدرة الأسلحة الاقتصادية. فهو يحذر من ثلاث مفارقات خطيرة:

فعالية محدودة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية: صحيح أن العقوبات تسبب أضرارًا اقتصادية جسيمة، لكنها نادرًا ما أجبرت دولة كبرى على تغيير سلوكها الجوهري. روسيا لم تنسحب من أوكرانيا، وإيران لم تتخل عن برنامجها الصاروخي، والصين لم تتراجع عن طموحاتها التكنولوجية. الحرب الاقتصادية تؤلم، لكنها نادرًا ما تقتلع الإرادة السياسية.

الإفراط في الاستخدام قد يقوض الهيمنة الأمريكية: يحذر فيشمان من تحذير وزير الخزانة السابق جاك لو: “الإفراط في استخدام العقوبات قد يقوض موقعنا القيادي في الاقتصاد العالمي”. فكلما استخدمت أمريكا سلاح الدولار والعقوبات، كلما سارعت الدول الأخرى (من الصين إلى روسيا إلى دول الخليج) إلى تطوير بدائل، مثل أنظمة دفع مستقلة عن SWIFT، أو تسويات بالعملات المحلية، أو بناء احتياطيات من الذهب والعملات الرقمية. بعبارة أخرى: الأسلحة الاقتصادية الأمريكية تخلق حافزًا قويًا للعالم لبناء مناعة ضدها.

تأثيرات غير متوقعة وارتدادية: إغلاق البوسفور باللوائح الأمريكية أضر ليس فقط بروسيا، بل رفع أسعار الطاقة عالميًا، وأضر بالدول النامية المستوردة للنفط، وزاد التوتر مع تركيا (حليف في الناتو). الحرب الاقتصادية تشبه القصف: نادرًا ما تصيب الهدف فقط.

خاتمة: العودة إلى سون تزو – إخضاع العدو دون قتال

يختتم فيشمان مقدمته بعودة إلى حكمة سون تزو: “ذروة المهارة ليست أن تحقق مئة انتصار في مئة معركة، بل أن تُخضع العدو دون قتال”. هذا هو الوعد الكبير للحرب الاقتصادية. لكن فيشمان يضيف تحذيرًا عمليًا: الأسلحة الاقتصادية قوية، لكنها ليست غير قابلة للكسر. وإذا استُخدمت بتهور، دون تخطيط استراتيجي وفهم للعواقب، فإنها قد تتحول إلى سلاح ذي حدين.

ما يجعل كتاب “نقاط الاختناق” مهمًا في لحظتنا الراهنة (خاصة في ضوء التوتر المتصاعد مع إيران، والحرب المستمرة في أوكرانيا، والمنافسة المتأججة مع الصين) هو أنه لا يقدم فقط تاريخًا وتصنيفًا للحرب الاقتصادية، بل يدعو إلى حكمة استراتيجية جديدة: قدرة أمريكا على المزج بين قوتها الاقتصادية الهائلة وفهم عميق للحدود الطبيعية لهذه القوة.

في النهاية، يبقى السؤال المفتوح الذي يضعه فيشمان أمام القارئ: هل ستتعلم أمريكا استخدام نقاط الاختناق بحكمة، أم أنها ستستمر في الضغط على الزناد الاقتصادي حتى ينكسر السلاح أو ينكسر العالم؟

المصدر

من مقدمة كتاب : “نقاط الاختناق: القوة الأمريكية في عصر الحرب الاقتصادية ” والصادر عن للنشر 2025 لإدوارد فيشمان، الذي عمل على سياسة العقوبات في إدارة أوباما”..منقول باختصار عن صفحة حسام أبو العلا.

اقرأ أيضا

العدوان الأمريكي على أمم الأرض

مر المسلمون من هنا .. ومرت أمريكا من هنا

التعليقات معطلة