”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

من فتاوي وأحكام الصيام

ثمة أسئلة كثيرة في أحكام الصيام، منها ما يخص تبييت النية، أو ما يشتبه دخوله في معنى الأكل والشرب، أو تحرك الشهوة، أو أحكام الوسائل العلاجية.

مقدمة

أمر الله تعالى بطلب العلم الشرعي، واوجب تعالى على من يباشر عبادة أن يطلب حكمها وهذا معنى أن “طلب العلم فريضة” ومن قصّر في طلب هذه الأحكام أثِم. إذ التمكن من العلم يعادل العلم به في تحمل المسؤولية.

ولهذا اخترنا بعض الفتاوى والأحكام العامة التي تشغل معظم الصائمين لعل الله تعالى ينفع بها المسلمين.

هل يعتبر تارك الصيام تهاوناً وتكاسلاً مثل تارك الصلاة من حيث إنه كافر؟

“تارك الصيام تهاوناً وتكاسلاً ليس بكافر، وذلك لأن الأصل بقاء الإنسان على إسلامه حتى يقوم دليل على أنه خارج من الإسلام، ولم يقم دليل على أن تارك الصيام خارج من الإسلام إذا كان تركه إياه تكاسلاً وتهاوناً.

وذلك بخلاف الصلاة؛ فإن الصلاة قد جاءت النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وأقوال الصحابة رضي الله عنهم على أن تاركها أي الصلاة تهاوناً وكسلاً كافر.

قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة».

ولكن يجب أن يُدعى هذا الرجل الذي ترك الصيام تكاسلاً وتهاوناً إلى الصوم، فإن أبى فإنه يُعزر حتى يصوم”. (1“مختصر فتاوي الشيخ ابن عثيمين (الصيام)” فهد السليماني 19 / 12)

ما حكم المسلم الذي مضى عليه أشهر من رمضان، يعني سنوات عديدة بدون صيا،م مع إقامة بقية الفرائض وهو بدون عائق عن الصوم؛ أيلزمه القضاء إن تاب؟

“الصحيح أن القضاء لا يلزمه إن تاب؛ لأن كل عبادة مؤقتة بوقت إذا تعمد الإنسان تأخيرها عن وقتها بدون عذر، فإن الله لا يقبلها منه، وعلى هذا فلا فائدة من قضائه، ولكن عليه أن يتوب إلى الله عز وجل ويكثر من العمل الصالح، ومن تاب تاب الله عليه”. (2المصدر السابق، 19 / 87)

ما حكم السفر في رمضان من أجل الفطر؟

“الصيام في الأصل واجب على الإنسان، بل هو فرض وركن من أركان الإسلام كما هو معلوم. والشيء الواجب في الشرع لا يجوز للإنسان أن يفعل حيلة ليسقطه عن نفسه؛ فمن سافر من أجل أن يفطر كان السفر حراماً عليه، وكان الفطر كذلك حراماً عليه، فيجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يرجع عن سفره ويصوم.

فإن لم يرجع وجب عليه أن يصوم ولو كان مسافراً.

وخلاصة الجواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يتحيّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يُسقطه؛ كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحاً. (3المصدر نفسه، 19 / 133)

إذا كنت مسافراً ومكثت ثلاثة أيام هل يحق لي أن أفطر في السفر؟

“إذا كنت مسافراً يحق لك أن تفطر في أثناء الطريق، وفي البلد التي مكثت فيها، مثل لو ذهبت إلى مكة للعمرة خمسة أيام أو ستة أيام، أفطِر في مكة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، في ثمانية عشر أو عشرين من شهر رمضان، وبقي مفطراً بقية الشهر ولم يصم، بل كان يأكل ويشرب ويقصر الصلاة.

فلك أن تفطر في مكة أثناء سفرك حتى ولو لم يكن في الصوم مشقة.

لكن الأفضل أن تصوم إذا لم يشق”. (4المصدر نفسه، 19 / 134)

رجل نام وبعد نومه أعلن عن ثبوت رؤية هلال رمضان، ولم يكن قد بيّت نية الصوم وأصبح مفطراً لعدم علمه بثبوت الرؤية، فما هو الواجب عليه؟

“هذا الرجل نام أول ليلة من رمضان قبل أن يثبت الشهر، ولم يبيّت نية الصوم، ثم استيقظ وعلم بعد أن طلع الفجر أن اليوم من رمضان فإنه إذا علم يجب عليه الإمساك، ويجب عليه القضاء عند جمهور أهل العلم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن النية تتبع العلم، وهذا لم يعلم فهو معذور في ترك تبييت النية، وعلى هذا فإذا أمسك من حين علمه فصومه صحيح ولا قضاء عليه.

وأما جمهور العلماء فقالوا: إنه يجب عليه الإمساك، ويجب عليه القضاء، وعللوا ذلك بأنه فاته جزء من اليوم بلا نية.

ولا شك أن الاحتياط في حقه أن يقضي هذا اليوم. (5المصدر نفسه، 19 / 175)

صام رجل، ووقت الإفطار نام ولا قام إلا بعد أذان الصبح؛ هل يصوم أو يفطر وما هو الأفضل؟

“هذا الرجل إذا كان في رمضان وذلك أنه صائم فنام بعد العصر وبقي في نومه حتى طلع الفجر من اليوم الثاني وبقي على صيامه فهل صيامه صحيح؟

نقول: نعم، صيامه صحيح، ولا شيء عليه.

هل يستمر في صومه إذا وقعت مثل هذه الحال..؟

ليستمر الصائم في صومه ولا شيء عليه، لأن هذا الصائم قد عزم بقلبه عزماً أكيداً على أنه صائم من الغد، فما دامت هذه نيته فإن صومه صحيح”. (6المصدر نفسه، 19 / 178)

ما حكم الحقن الشرجية التي يحقن بها المريض وهو صائم؟

“الحقن الشرجية التي يحقن بها المرضى في الدبر ضد الإمساك اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب بعضهم إلى أنها مفطرة، بناء على أن كل ما يصل إلى الجوف فهو مفطر.

وقال بعضهم: إنها ليست مفطرة. وممن قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ وعلل ذلك بأن هذا ليس أكلاً ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب.

والذي أرى أن ينظر إلى رأي الأطباء في ذلك فإذا قالوا: إن هذا كالأكل والشرب وجب إلحاقه به وصار مفطراً، وإذا قالوا: إنه لا يعطي الجسم ما يعطيه الأكل والشرب فإنه لا يكون مفطراً. (7المصدر نفسه، 19 / 204)

بعض الناس مصاب بالربو ويحتاج إلى استعمال البخاخة أثناء صيامه فما حكم ذلك؟

“اختناق النفَس المعروف بـ “الربو” يصيب بعض الناس، نسأل الله لنا ولهم العافية، فيستعمل دوائين، دواء يسمى (كبسولات) يستعملها فهذه تفطر، لأنه دواء ذو “جِرم” يدخل إلى المعدة، ولا يستعمله الصائم في رمضان إلا في حالة الضرورة، وإذا استعمله في حال الضرورة فإنه يكون مفطراً يأكل ويشرب بقية يومه، ويقضي يوماً بدله. وإذا قدر أن هذا المرض مستمر دائماً معه فإنه يكون كالشيخ الكبير، عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا يجب عليه الصوم.

والنوع الثاني: من دواء الربو غاز ليس فيه إلا هواء يفتح مسام الشرايين حتى يتنفس بسهولة، فهذا لا يفطر ولا يفسد الصوم، وللصائم أن يستعمله وصومه صحيح. (8المصدر نفسه، 19/ 210)

ما حكم استعمال الصائم لإبر البنسلين التي ضد الحمى؟

“استعمال إبر البنسلين التي ضد الحمى جائز للصائم، لأنها لا تفطر، إذ هي ليست أكلاً ولا شرباً، ولا بمعناهما”. (9المصدر نفسه، 19 / 220)

ما حكم استعمال الصائم مرهماً لإزالة الجفاف عن الشفتين؟

“لا بأس أن يستعمل الإنسان ما يندي الشفتين والأنف من مرهم، أو يبله بالماء، أو بخرقة أو شبه ذلك، ولكن يحترز من أن يصل شيء إلى جوفه من هذا الذي أزال فيه الخشونة، وإذا وصل شيء من غير قصد فلا شيء عليه، كما لو تمضمض فوصل الماء إلى جوفه بلا قصد فإنه لا يفطر بهذا”. (10المصدر نفسه، 19 / 224)

هل يجوز صيام المرء وهو على جنابة بدون قصد لهذه الجنابة؟

ثبت في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُدْرِكُهُ الفجر وهو جُنُب من أهلِهِ، ثم يغتسل ويصوم.

وحيث إن الاغتسال من الجنابة شرط لصحة الصلاة فلا يجوز تأخيره لوجوب صلاة الصبح في وقتها؛ لكن لو غلبه النوم وهو جنب فلم يستيقظ إلا في الضحى فإنه يغتسل ويصلي صلاة الفجر ويستمر في صومه، وكذا لو نام في النهار وهو صائم فاحتلم؛ فإنه يغتسل لصلاة الظهر أو العصر ويتم صومه”. (11ابن جبرين)

إذا تحركت شهوة المسلم في نهار رمضان ولم يجد طريقاً إلا أن يستمني؛ فهل يبطل صومه؟ وهل عليه قضاء أو كفارة في هذه الحالة؟

“الاستمناء في رمضان وغيره حرام، لا يجوز فعله؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(المعـَـارج:29-31).

وعلى من فعله في نهار رمضان وهو صائم أن يتوب إلى الله، وأن يقضي صيام ذلك اليوم الذي فعله فيه، ولا كفارة؛ لأن الكفارة إنما وردت في الجماع خاصة. (12اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء).

في أحد أيام رمضان كنت جالساً بجوار زوجتي ونحن صيام، حوالي نصف ساعة، وكنا نمزح وبعد أن ابتعدت عنها وجدت على سروالي نقطة مبتلة خارجة من الذكر، وقد تكررت مرة ثانية. أرجوا إفادتي هل عليَّ كفارة ؟

“إذا كان الواقع كما ذكرت فليس عليك قضاء ولا كفارة مراعاة للبقاء مع الأصل، إلا أن يثبت أن ذلك البلل مَنْيٌ فعليك الغسل والقضاء دون كفارة”. (13المصدر السابق)

هل يفطر الحاجم والمحجوم في نهار رمضان ؟ وما الحكم هل يفطران ويقضيان ما فاتهما أم ماذا عليهما ؟

يفطر الحاجم والمحجوم، وعليهما الإمساك والقضاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُوم». رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: «حسن صحيح». (14المصدر نفسه).

هل يؤثر الغسيل الكلوى على الصيام إذا كان الإنسان صائماً ؟

“جرت الكتابة لكل من: مدير مستشفى الملك فيصل التخصصي بالخطاب رقم 1756/2 في 14/8/1406، ومدير مستشفى القوات المسلحة بالرياض بالخطاب رقم 1757/2 في 4/8/1406؛ للإفادة عن صفة واقع غسيل الكلى، وعن خلطه بالمواد الكيماوية، وهل تشتمل على نوع من الغذاء؟

وقد وردت الإجابة منهما بالخطاب رقم 5693 في 27/8/1406 ورقم 10/16/7807 في 19/8/1406 بما مضمونه: أن غسيل الكلى عبارة عن إخراج دم المريض إلى آلة (كلية صناعية) تتولى تنقيته ثم إعادته إلى الجسم بعد ذلك، وأنه يتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم.

وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء والوقوف على حقيقة الغسيل الكلوي بواسطة أهل الخبرة؛ أفتت اللجنة بأن الغسيل المذكور للكلى يفسد الصيام. (15المصدر نفسه).

خاتمة

نسأل الله تعالى أن تكون هذه الفتاوى والأحكام المبيّنة ونافعة وموضحة ومزيلة لتساؤلات إخواننا في صيامهم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدما محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

…………………………………

هوامش:

  1. “مختصر فتاوي الشيخ ابن عثيمين (الصيام)” فهد السليماني 19 / 12.
  2. المصدر السابق، 19 / 87.
  3. المصدر نفسه، 19 / 133.
  4. المصدر نفسه، 19 / 134.
  5. المصدر نفسه، 19 / 175.
  6. المصدر نفسه، 19 / 178.
  7. المصدر نفسه، 19 / 204.
  8. المصدر نفسه، 19/ 210.
  9. المصدر نفسه، 19 / 220.
  10. المصدر نفسه، 19 / 224.
  11. ابن جبرين.
  12. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
  13. المصدر السابق.
  14. المصدر نفسه.
  15. المصدر نفسه.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد