”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

مظاهر الغربة في زماننا اليوم

لغربة الإسلام وأهله اليوم مظاهر يجب معرفتها لوضع اليد على الداء، ومعرفة ما وراء هذه الغربة من اجتماع العالم على المسلمين واستهداف أهله وأصوله.

مقدمة

عندما تُبتلى البشرية في جيل من أجيالها أو موطن من مواطنها بغلبة الانحراف والجهل والعقائد المخرفة والأخلاق الهابطة فعندئذ يجد الإسلام ودعاته شدة وغربة بين الناس؛ وعليهم مواجهتها والصبر عليها وإخراج الناس منها بقوة وتدرج وتلطف، واعتصام بالله والتقوّي به، واستبشار فإنهم السعداء بدعوة رسول الله.

وعليه بدراسة حالهم ومعرفة واقع زمانهم ليضعوا أيديهم على علل الزمان لمعرفة الداء ومن ثم الدواء.

مظاهر الغربة في زماننا اليوم

وهي كثيرة ومتنوعة حتى إنها لتكاد تشمل جوانب الدين كله، ولكن يمكن إجمال أهم مظاهر الغربة في الأزمنة الحاضرة اليوم فيما يلي:

1- غربة في العقيدة، فلا يوجد مَنْ هو متمسك بعقيدة السلف من جميع جوانبها إلا القليل من الناس؛ حيث تنتشر الخرافة والشركيات والبدع في أكثر بلدان المسلمين.

2- غربة في تطبيق الشريعة والتحاكم إليها، فلا يُحكم اليوم في أكثر بلدان المسلمين إلا بأحكام الإفرنج الكافرة.

3- غربة في الالتزام بأحكام الإسلام، سواء ما كان منها بين العبد وربه، أو بين العبد وبين الخلق؛ فلا يوجد الملتزم بها إلا القليل.

4- غربة في السلوك والأخلاق الفاضلة، وتزامن ذلك مع انفتاح الدنيا وكثرة الشهوات.

5- غربة أهل الحق ودعاة الإسلام، وتسلط الأعداء عليهم، وإيذاؤهم لهم بأشد أنواع الأذى والنكال.

6- غربة في عقيدة الولاء والبراء؛ حيث مُيّعَتْ هذه العقيدة عند كثير من الناس، وأصبح ولاء أكثرهم وحبهم وبغضهم للدنيا فحسب.

7- غربة في أهل العلم؛ حيث قلّ أهل العلم الشرعي الصحيح، وانتشر الجهل وكثُرت الشبهات وقلّ العاملون بالعلم والداعون إليه.

مظاهر الفتنة في أزمنة الغربة

إن من أشد ما يخشى على أهل الإسلام في أزمنة الغربة أربعة مظاهر من الفتن يمكن إجمالها فيما يلي:

الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشبهات

والتأثر بأهلها الذين هم الأكثرية في عصور الغربة، مما يحصل معه السقوط في فتن الشبهات سواء ما يتعلق منها بالعقائد أو الأعمال أو المخالفات الشرعية الأخرى، وتسويغ ذلك بشبهة شرعية تبرز عادة في غيبة الحق وفشوّ الجهل.

الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشهوات

والتي تطمّ وتنتشر عادة في عصور الغربة وقلة أهل الحق وانفتاح الدنيا بزخرفها على الناس؛ فلا يكاد يثبت ويستقيم على أمر الله عز وجل مع كل هذه الضغوط إلا القليل الذين يعتصمون بالله، ويقومون بأمره، ويدعون إلى سبيله، أما الكثرة الكاثرة الذين ضعف صبرهم، فتراهم يتنازلون عن دينهم شيئاً فشيئاً أمام مظاهر الغربة الفاتنة؛ سواء كان ذلك التنازل في العقيدة أو السلوك أو التزام الأحكام.

فتنة اليأس والقنوط من ظهور الحق وانتصاره

وذلك أمام تكالب الأعداء وتمكنهم وتسلطهم على أهل الخير بالأذى والابتلاء مما قد يؤدي ببعض أهل الغربة إلى اليأس وترك الدعوة حين يرى

“إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة، وهو مهمَل منكَر لا يحسّ به

أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً … فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاء أشد وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله”. (1في ظلال القرآن 5/2719، 2720 (باختصار))

وإن فتنة اليأس والإحباط وترك الدعوة إلى الله عز وجل في عصور الغربة لا يقف عند حد؛ بل قد تؤدي بصاحبها ـ والعياذ بالله ـ إلى الضعف والنقص في دينه شيئاً فشيئاً أمام فتن الشبهات والشهوات؛ ذلك لأن أيامَ الغربةِ أيامُ فتنٍ وإغراءات وفشو منكرات وظهور وتمكين لأهل الباطل والفساد. فإن لم يكن للمسلم فئة صالحة ـ ولو كانت قليلة ـ يأوي إليها ويدعو معها إلى الله عز وجل حسب الوسع والطاقة فإنه لا بد أن يتأثر بالفساد وأهله إلا من رحم الله عز وجل. ومن غير المقبول عقلاً وشرعاً وحساً أن يبقى المسلم محافظاً على دينه أمام الغربة وهو تارك للدعوة بعيد عن أهلها، فإما أن يؤثّر أو يتأثّر.

نعم.. يمكن أن يترك المسلم الدعوة ويبقى محافظاً على دينه في حالة الاعتزال التام عن الناس في شعف من الجبال، ولا إخال هذا متيسراً في هذا الزمان، ثم لو كان ذلك ممكناً فمن ذا الذي يدعو إلى الله عز وجل ويواجه الفساد. وعلى أي حال فالعزلة الشرعية لها أحكامها وضوابطها.

إذن: فلن ينجو من فتنة الغربة في أي زمان أو مكان إلا أحد رجلين:

– إما مجاهد في سبيل الله عز وجل داع إلى الخير آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر.

– أو رجلٌ معتزلٌ عن الناس في مكان من الأرض يعبد ربه، ولا يخالط الناس.

وما سواهما فهو على شفا هلَكة، ولعل هذا ما يفهم من الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: «مِنْ خَيْرِ معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يلتمس الموت والقتل مكانه. أو رجل في رأس شعفة من الشعاب، أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتِي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير». (2مسلم في الإمارة: (3/1503، 1504) (1889))

فتنة العجلة وقلة الصبر على الأذى في الغربة

مما يؤدي ببعض من يقاسي ضغوطها إلى التسرع والاصطدام مع أهل الفساد دون مراعاة للمصالح والمفاسد؛ فينشأ من جرّاء ذلك فتنة أشد وفساد أكبر على أهل الغربة.

خاتمة

إن الغرباء قِلة لكنهم مِلح الناس وسبب صلاحهم، هم أعداد لكن يتغير بهم التاريخ وتعود اليهم الجموع وتفيء اليهم الأجيال.. يرحل الغرباء ولا يرحل علمهم وعملهم واثرهم.. فصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «فطوبى للغرباء».

………………………………

الهوامش:

  1. في ظلال القرآن 5/2719، 2720 (باختصار).
  2. مسلم في الإمارة: (3/1503، 1504) (1889).

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد