يهرب الكثير من العلماء والدعاة والوعاظ من واجهة الباطل فيعودون باللوم الى النفس والى الشعوب؛ لا للتغيير بل للهروب؛ بينما تأثير الحكام بالغ التأثير على الناس والأجيال.

مقدمة

في زمن المستبد تُرغب السلطة الناس بما تعتقد وتؤمن: إذا غنى غنوا، وإذا جزع وبكى جزعوا وبكوا!

تتردد عبارة “كيفما تكونوا يولى عليكم” بين الشعوب، خاصةً عند بعض الشعوب المنهزمة نفسيًا التي تجلد ذاتها نظرًا لفساد حكامها، بل وكثيرًا ما يرددها علماءٌ ودعاة كنصيحة للأمة للانشغال بإصلاح أنفسهم؛ وكأن الحل الفعّال والمؤثر لصلاح حكامهم هو صلاح شعوبهم.

الناس على دين ملوكهم

ذكر البخاري رحمه الله بأن “امرأة سألت ‏‏أبا بكر، رضي الله عنه، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟

قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس”. (1إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ج6/ ص: 175)

قال ابن حجر: ‏

“قوله «ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح»‏، ‏أي دين الإسلام وما اشتمل عليه من العدل واجتماع الكلمة ونصر المظلوم ووضع كل شيء في محله .

«ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح» يريد قانون الشرع «ما استقامت بكم أئمتكم» فإن ضلالهم سبب لضلال الرعية، فإن الناس على دين ملوكهم «رؤوس وأشراف»”. (2الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري،ج7/ ص42)

وقال ابن كثير رحمه الله:

“عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعدما أن أرسل إليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه غنائم الفرس على كثرتها وعظمتها، إن عمر لما نظر إلى ذلك قال، إن قوما أدوا هذا لأمناء. فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إنك عففت فعفَّت رعيتك، ولو رتعت لرتعَت”. (3البداية والنهاية،ج7/ ص67)

وقال أيضا رحمه الله:

“قالوا وكانت همة “الوليد” في البناء؛ وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول ماذا بنيت..؟ ماذا عمّرت..؟

وكانت همة أخيه “سليمان” في النساء؛ وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول كم تزوجت..؟ ماذا عندك من السرارى..؟

وكانت همة “عمر بن عبد العزيز” في قراءة القرآن وفي الصلاة والعبادة؛ وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول كم وردك..؟ كم تقرأ كل يوم..؟ ماذا صليت البارحة..؟

والناس يقولون الناس على دين مليكهم؛ إن كان خمارا كثر الخمر، وإن كان لوطيا فكذلك، وإن كان شحيحا حريصا كان الناس كذلك، وإن كان جوادا كريما شجاعا كان الناس كذلك، وإن كان طماعا ظلوما غشوما فكذلك، وإن كان ذا دين وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك. وهذا يوجد في بعض الأزمان وبعض الأشخاص والله أعلم”. (4البداية والنهاية 9/ 165)

يقول الشيخ رشيد رضا:

“وقد مضت سنة الاجتماع في تقليد الناس لأمرائهم وكبرائهم، فكل ما راج في سوقهم يروج في أسواق الأمة، وإذا كان حديث «الناس على دين ملوكهم» لم يُعرف له سند يصل نسبه ويرفعه، فمعناه صحيح وهو ضروري الوقوع في الحكومات المطلقة الاستبدادية”. (5مجلة المنار، محمد رشيد رضا، الخمر أم الخبائث، 4/ 896)

تبعية الشعوب لدين ملوكهم

فرعون

هذا الحاكم المستبد الظالم، استعبد قومه، وتجبر عليهم؛ قتل أطفالهم، واستحيا نساءهم، ثم نجد القرآن في آيات كثيرة يبين تبعية قومه له، وطاعتهم له، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾ وقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾.

بل حتى عندما أتاهم نبي الله موسى ليخرجهم من ذلك الذل والاستضعاف والهوان ويأمرهم بعبادة الله وحده، نجد أن القرآن يبين رضاهم بذلك المستبد الذي يحكمهم، حيث أن له القوة الظاهرة والملك والحكم، فلا يؤمنون لدعوة موسى كما بيّنت الآيات: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. (6موقع تبيان: “الناس على دين ملوكهم أم كيفما تكونوا يولى عليكم؟” آية عمرو)

الصحابي سعد بن معاذ

أسلم “سعد بن معاذ” رضي الله عنه بدعوة “مصعب بن عمير” قبل الهجرة بعام. وكان “سعد بن معاذ” رضي الله عنه سيد قومه ورئيسًا للأوس وزعيمًا لقبيلة بني عبد الأشهل، وقد كان “مصعب بن عمير” في المدينة داعيًا.

فلما أتاه “سعد” ليمنعه من دعوة الناس، قال له “مصعب”: “أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن لم ترضه كففنا عنك ما تكره”، فجلس سعد رضي الله عنه يستمع لمصعب حتى أسلم.

فلما رآه قومه قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به، فقال لهم سعد: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًّا.

قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام، حتى تؤمنوا بالله وبرسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا ودخل في الإسلام.

وقال سعد لبني عبد الأشهل: «كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا» فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام”. (7سيرة ابن هشام، ج1/ص435)

الصحابي الطفيل بن عمرو الدوسي

كان الطفيل سيدًا في قومه، خرج رضي الله عنه إلى مكة في موسم الحج وكانت قريش قد حذّرته من سماع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاهد ألا يسمع النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد ما سعه من أكاذيب قريش عن النبي وأن لكلامه سحرًا، ولكن يأبى الله إلا أن يُسمعه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم عند الكعبة يقول رضى الله عنه : «فقلت في نفسي: والله إن هذا لَلعجز، والله إني امرؤ ثبْت ما يخفى علي من الأمور حسنها ولا قبيحها؛ والله لأستمعن منه فإن كان أمره رشداً أخذت منه وإن كان غير ذلك اجتنبته».

فاستمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم.

وكان من قوله رضي الله عنه في دعوته لقومه «يا رسول الله إني أرجع إلى “دوس” وأنا فيهم مطاع، وأنا داعيهم إلى الإسلام؛ لعل الله أن يهديهم، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل له آية تعينه على ما ينوي من الخير» ومكث بين أظهرهم يدعوهم حتى رُوي عنه أنه أتى يوم الخندق ومعه من قبيلة دوس ثمانون أو تسعون. (8موقع تبيان: “الناس على دين ملوكهم أم كيفما تكونوا يولى عليكم؟” آية عمرو)

الناس على دين ملوكهم أم كيفما تكونوا يولى عليكم؟

“الحق الذي يشهد له التاريخ هو ما قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وهو ما جرى في أمثال العرب قديما في أقوالهم الكثيرة التي فاضت بها كتب الأدب ودواوين الشعر: “الناس على دين ملوكهم”، “الناس أتباع من غَلب”، “إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان”، حتى قال أبو العتاهية:

ما الناسُ إِلاَّ مَعَ الدُنيا وَصاحِبِها … فَكَيفَ ما اِنقَلَبَت يَوماً بِهِ اِنقَلَبوا

يُعَظِّمونَ أَخـــا الدُنيا وَإِن وَثَبَت … يَوماً عَلَيهِ بِمــا لا يَشتَهي وَثَبوا

لكل هذا وغيره، كان من أسباب خشية النبي، صلى الله عليه وسلم، على المسلمين حُكم الأئمة المضلين كما في الحديث: «…وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين»، وكذا قال عمر، رضي الله عنه، لزياد بن حدير: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين».

وإذا كان الحاكم في الممالك القديمة يستطيع التأثير بما يصبغ المملكة على نمطه حتى في الممالك القديمة، فكيف يبلغ التأثير الآن بعد أن أعطت الدولة المركزية للسلطة قوة خارقة لم يُعطَها ملِك أو سلطان من قبل، فصارت السلطة تمتلك من وسائل التأثير عبر الإعلام والقوانين ما يمكّنها من دخول كل بيت.

إنه لتأثير ضخم، ونحن نراه بأعيننا..! ومن أعجب العجب أن نجادل في هذا في هذه الأيام ونحن القوم الذين نبت فيهم منذ ستمائة عام من وضع أسس علم الاجتماع وقال بصريح العبارة: “فصل في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”.. رحم الله ابن خلدون..! (9تصورات فاسدة لدى الحركة الإسلامية. محمد الهامي: المركز العربي للدراسات والأبحاث)

خاتمة .. هل يكفي صلاح الحكام دون الشعوب؟

بالرغم من حقيقة تأثير الحكام على شعوبهم، فإنه أيضًا من الضروري عدم إهمال دور الشعوب في ذلك التغيير، فالعمل على تغيير نظام أو حاكم مع تهميش دور الشعوب أو عزلهم عن ذلك التغيير خطأ كبير، فمن سنن الله عز وجل الماضية في عباده والتي لا تتبدل ولا تتحول أن الأمة إذا فشى فيها الظلم والمعاصي بين أفرادها؛ ولا سيما المعاصى الظاهرة، وقَلّ الإنكار لها فإن الله عز وجل يسلّط عليهم ظالما أقوى منهم؛ يظلمهم ويضيق عليهم في عيشهم وأرزاقهم ويمنع عنهم حقهم ويضرب عليهم الضرائب والمكوس التي تسبب لهم المشقة والعناء والعنت في حياتهم.

ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

والصحيح أن يكون التحرك على شقين كفعل النبي صلى الله عليه وسلم، بأن تكون الدعوة ونشر الوعي وتوضيح المنهج الصحيح للشعوب، والعمل معهم على التغيير.

………………………………..

الهوامش:

  1. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ج6/ ص: 175.
  2. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري،ج7/ ص42.
  3. البداية والنهاية،ج7/ ص67.
  4. البداية والنهاية 9/ 165.
  5. مجلة المنار، محمد رشيد رضا، الخمر أم الخبائث، 4/ 896..
  6. موقع تبيان: “الناس على دين ملوكهم أم كيفما تكونوا يولى عليكم؟” آية عمرو.
  7. سيرة ابن هشام، ج1 /ص435.
  8. موقع تبيان: “الناس على دين ملوكهم أم كيفما تكونوا يولى عليكم؟” آية عمرو.
  9. تصورات فاسدة لدى الحركة الإسلامية.محمد الهامي: المركز العربي للدراسات والأبحاث.

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة