”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

التطبيع مع اليهود والاحتلال الناعم

بين أوساط وبيئة الخيانة الحالية، وتواطؤ الأنظمة مع الصهاينة، وتدليس المأجورين من أهل العلم وكذبهم على الله ورسوله ودينه؛ لا بد من تجلية حقائق حاكمة وكاشفة.

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فما أنعم الله عز وجل على عبدٍ بنعمة أعظم من نعمة الهداية لدين الإسلام؛ الذي لا يقبل الله عز وجل من عباده دينًا غيره. وما أنعم الله عز وجل على عبد بعد نعمة الإسلام بنعمة أعظم وأفضل من صحة الفهم لهذا الدين، والبصيرة فيه، وحسن القصد.

قواعد الفهم الصحيح

والفهم  الصحيح لهذا الدين يقوم على أصلين كبيرين:

الأول) علْمٌ وفهم لسبيل المؤمنين؛ والذي يقوم على العلم بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى، وما يقتضي هذا العلم من توحيده سبحانه ومحبته ورجائه والخوف منه وتعظيمه، وعلم بأمره وحدوده وحرماته، وتعظيمها والتسليم لها.

الثاني) عِلمٌ وفهم لسبيل المجرمين؛ القائم على الكفر والنفاق والفسوق والعصيان، وعلم بكيد المجرمين ومكرهم وضلالاتهم وتلبيساتهم ومفاهيمهم الضالة المنحرفة.

وبدون الفهم والعلم بهذين السبيلين يحصل الضلال والانحراف، وتتلوث المفاهيم، وتضطرب الموازين في النوازل، ويلتبس على العبد السبيلان، وينطلي عليه استخفاف المجرمين الذين لا يوقنون؛ قال الله عز وجل عن سبيل المؤمنين: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا[النساء:115]، وقال سبحانه عن سبيل المجرمين: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ[الأنعام:55].

ومصدر العلم بسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين وعدم التباس أحدهما بالآخر هو كتاب الله عز وجل، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن ابتغى العلم في غيرهما فقد ضل وأضل؛ قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه». (1موطأ مالك، وحسَّنه الألباني)

ومن جعل هذين المصدرين المعصومين آخيّته التي يدور عليها، ومنبعه الذي يستقي منه سَلِم من التخبط والاضطراب، وآتاه الله عز وجل نورًا يفرق به بين الحق والباطل، ولا يلتبسان عليه كما يلتبسان على مَن أعرض عن أنوار الكتاب والسنة واستعاض عنهما بآراء الرجال وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

“فمن كان أعظم اتباعًا لكتابه الذي أنزله ونبيه الذي أرسله كان أعظم فرقانًا، ومن كان أبعد من اتباع الكتاب والرسول كان أبعد عن الفرقان؛ فيشتبه عليه الحق بالباطل”. (2الفرقان بين الحق والباطل)

التخبط في النوازل لافتقاد القواعد

والناظر اليوم في واقع الأمة يجدها تمر بنوازل وأحداث كثيرة وكبيرة؛ من آخرها أزمة كورونا وما صاحبها من استخفاف بالعقول، وتلاعب بالنصوص، وتهويل وتضخيم؛ فوقع في فخها فئام كبيرة من الناس ـ منهم طلاب علم ودعاة ـ ولم يَسْلم من فتنتها ولَظاها إلا مَن جعَل الكتاب والسنة وفهْم السلف رائده ومنطلقه، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

وفي هذه الأيام تدور وتحاك نازلة عظيمة يراد تمريرها على شعوب الأمة الإسلامية وعلمائها بعد أن خان حكامها الله ورسوله، وخانوا أماناتهم ومقدساتهم، وأضافوا إلى سوءاتهم السابقة وكفرياتهم الفاضحة سوءةً ورِدةً أخرى ماحقة؛ وذلك بتولي  اليهود والنصارى، وإقرارهم باحتلالهم لفلسطين المباركة ـ مهبط الرسالات والنور والحق المبين ـ واعترافهم الدائم باحتلال اليهود لها.

نازلة التطبيع وولاء الكافرين

ولكي نزِن هذه النازلة بميزان الكتاب والسنة المعصومين من الهوى والتخبط والضلال، وليظهر وجه الحق في  هذه النازلة فلا بد من بيان الأمور التالية:

أولاً) البصيرة وحسن القصد

التأكيد على ما ورد آنفًا من أن صحة الفهم لسبيل المؤمنين والوعي لسبيل المجرمين أمران ضروريان للفرقان بين الحق والباطل والسلامة من التباسهما، ولا يحصل ذلك حتى ينضم إلى ما سبق حسن قصد وتجرد من الهوى، ولا يحصل ذلك كله إلا لمن جعل الوحيين وفهم السلف مصدره في  التلقي.

والعبد قد يتبين له الحق في قضية أو نازلة ما إذا كان منطلقه الكتاب والسنة؛ ولكن إذا كان عنده سوء نية وقصد وإيثار للدنيا وهوى متَبعًا فإنه قد يكتم الحق الذي عرفه، أو يلبسه بالباطل؛ كما كان هذا شأن اليهود الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[آل عمران:70-71].

ثانيًا) أقسام الناس في نازلة التطبيع

وبناء على صحة الفهم وحسن القصد وجودًا وعدمًا يتفاوت الناس في مواقفهم من النوازل؛ ومنها: الصلح والتطبيع مع اليهود؛ وذلك حسب الأقسام التالية:

أ. مَن عنده صحة فهم للدين وأحكامه، وصحة فهم للواقعة وسبيل المجرمين ومخططاتهم، مع تجرد وحسن قصد وانقياد للحق؛ ومثل هذا يُوفَّق للموقف الصحيح وللقسطاس المستقيم في الحكم على هذه النازلة؛ وهو الرفض والبراءة منها ومن عاقديها والمعقود عليه، وسيأتي تفصيل ذلك في فقرة مستقلة إن شاء الله تعالى.

ب. مَن عنده فهم للدين وأحكامه، مع جهل أو ضعف شديد بحقيقة الواقعة، وماهية هذا الصلح والتطبيع، ومَن هم أطرافه..؟ وما هي البنود المعقود عليها..؟ وهذا في الغالب لا يُوفَّق للحق؛ لأنه سيُنزِل الأحكام التي يعرفها من الدين في غير محلها ومناطها فيُضَل ويَضِل، ومثله يَسْهُل استخفافه من قبل المجرمين المغرضين، بل يسهل  استخدامه في تمرير هذه الخيانات والولاءات لأعداء الدين.

ج. مَن عنده فهم لواقع الأعداء وخبثهم وكيدهم، وعنده تفصيل لسبيل المجرمين؛ ولكن فهمه للدين وأحكامه وقواعده ضعيف؛ ومثل هذا أيضًا لا يُوفَّق للموقف الحق من النازلة؛ لأنه قد يستدل على هذه القضية بأدلة من الشرع لا تصلح للاستدلال؛ حيث يجمع بين متفرقين، أو يفرق بين متماثلين؛ وذلك لجهله أو ضعف علمه بالشريعة وقواعدها، وقد يكون منطلقه في الرفض منطلقًا قوميًا (يهود وعرب) وليس دينيًا.

د. مَن عنده فهم لأحكام الدين وقواعده، وعلم بسبيل المجرمين وكيدهم، وفهم للواقعة وأطراف العقد فيها والمعقود عليه؛ وبناء على ذلك يحصل عنده حكم صحيح على هذه النازلة، ولكن سوء قصده وتغلُّب الهوى عليه وإيثاره الدنيا جعله يكتم هذا الحق، أو يقول بخلافه، أو يلبسه بالباطل بتأويلات واستدلالات باطلة.

هـ. من لا علم عنده بالشرع وأحكامه، ولا علم عنده بسبيل المجرمين وحقيقة ما يجري مع اليهود، وقد ينقصه التجرد ويغلب عليه الهوى؛ فهذا أرذل الأقسام  السابقة، وهذا هو الغالب على طغام الناس وعامتهم؛ الذين هم تبع لمن  غلب وإمعات لمن لبَّس ودلَّس؛ يطيرون كل مطير، ويسارعون مع كل ناعق.

ثالثًا) مقصود العدو من التطبيع اليوم

إن التطبيع المراد فرضه على الأمة اليوم مع إخوان القردة والخنازير، قاتلي الأنبياء، وأهل الغدر والخيانة، ليس المقصود به التطبيع مع الأنظمة الحاكمة في بلدان المسلمين وحكامها، وإنما المقصود به تطبيع الشعوب المسلمة وترويضها على قبوله؛ لأن هذه الأنظمة قد خانت ربها من قبل بالكفر بشريعته وتبديل دينه؛ قال الله عز وجل: ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[الأنفال: 71]. وتطبيعهم هو من باب الزيادة في الكفر كما قال سبحانه عن النسيء: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ[التوبة:37].

واعتراف هذه الأنظمة بدولة اليهود والتطبيع معهم قد حصل من تحت الطاولة منذ أمد. وليست مشكلة اليهود مع هذه الأنظمة وحكامها، وإنما الذي يقض مضاجع اليهود ويقلقهم هو موقف الشعوب الرافضة لهم ولدولتهم؛ ولذا فإن ما يجري هذه الأيام من إعلان السلام والصلح والتطبيع مع اليهود علنًا وفوق الطاولة إنما يراد به الشعوب وترويضها باللبس والتدليس والاستخفاف ببعض أهل العلم ليقنعوا العامة بشرعية هذه النازلة، ومن لم يُجدِ معه هذا التلبيس والمكر فإن القمع والسجون تنتظره، والتهمة جاهزة لهؤلاء بالخروج على ولي الأمر والإرهاب، وزعزعة الأمن والاستقرار.. الخ، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[يوسف : 21].

رابعًا) حقيقة النازلة

سبق أن ذكرنا أن أسعد الناس بالحق في هذه النازلة وغيرها هو من آتاه الله علما وبصيرة بهذا الدين، وضم إلى ذلك علما وبصيرة بالواقعة النازلة وأبعادها وأطرافها وأهدافها وخطط الأعداء المجرمين فيها، ثم قام بإنزال حكم الله الذي يعلمه من الكتاب والسنة على هذه النازلة بعد معرفة حالها وما يماثلها في حكم الله عز وجل وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبناء على ذلك، ولكي نعرف الحكم الشرعي في نازلة الصلح مع اليهود والاعتراف بهم، وتطبيع العلاقات معهم؛ فلا بد من المعرفة التفصيلية بحقيقة ما يجري؛ وذلك بتجلية المسائل التالية:

المسالة الأولى: ما المراد بالتطبيع والصلح والسلام مع اليهود؟

والجواب أن يقال: إن المراد بالتطبيع والصلح مع اليهود أن يتحول الموقف من اليهود من العداوة والبراءة منهم، ومن كفرهم وكونهم محتلين لأرض إسلامية، إلى محبة وإخاء لهم، وإقرار لهم باحتلالهم لمقدسات المسلمين، وأحقيتهم بالحكم والعيش فيها عيشًا واحتلالًا دائمين، وأن تُروَّض الشعوب المسلمة على قبول ذلك، وأنه أصبح أمرًا واقعًا وطبيعيًا، من غير إنكار ولا رفض له، وهذا يقتضي فتح بلدان المسلمين لليهود سياحة واستثمارًا وأفكارًا وإعلامًا وأخلاقًا.

المسألة الثانية: الهيمنة الجديدة

أن حقيقة ما يجري في هذه النازلة وفرضها على المسلمين كالأمر الواقع لهو أخطر وأنكى من التطبيع والسلام والصلح مع اليهود بالمعنى الموضح في المسألة السابقة، وهذا ما لم يقله المطبعون ولن يقولوه.

إن توقيت المسارعة في إعلان هذا التطبيع جاء في ظروف حرجة للحكومات الوظيفية المتهالكة على إيجاد حامٍ لها، وسيدٍ ترتمي في أحضانه ليحميها من شعوبها ومن التحالفات الناشئة في المنطقة والمناوئة لها، وليحفظ لها هذا السيدُ عروشها؛ ولا سيما بعد أن ظهرت علامات انكماش أمريكا في المنطقة، وسحب كثير من جيوشها، وانشغالها بمشاكلها الداخلية، وظهرت علامات جعلت هذه الدويلات تتخوف من تخلِّي أمريكا عن محمياتها بعد أن أصبحت هذه الدويلات عبئا عليها بفضائحها وتخبطاتها، وهذا كله أدى بهذه الدويلات الوظيفية العميلة أن تبحث عن بديل يحميها وترتمي في أحضانه، وتعطيه ولاءها وما يريد من مال واقتصاد وفتح البلاد؛ يأخذ منها ما يشاء ويترك ما يشاء. فكان هذا البديل هو الكيان الصهيوني..

هذه هي حقيقة ما يجري وأن الأمر أبعد من كونه تطبيعًا وسلامًا مع اليهود، بل هو أكبر من ذلك بكثير؛ إنه هيمنة جديدة، واحتلال لهذه الدويلات من قبل اليهود كما احتلت فلسطين؛ وذلك لحماية عروش هذه الأنظمة ولو ذهب الدين، ولو انتشر الكفر والزندقة والعهر والفساد، ولو ذهبت مُقدَّرَات البلاد وأموالها إلى جيوب اليهود والصهيونية العالمية؛ هذه هي حقيقة ما يجري.

المسألة الثالثة: انتظار موقف أهل العلم وخطورته

إن من مكر المجرمين وكيدهم أن يستخدموا في تمرير هذه الخيانات بعض المنتسبين للعلم، ويستخدمونهم في إقناع الشعوب بشرعية هذه المواقف؛ لعلمهم أن أغلب المسلمين ـ أفرادًا وجماعات ـ ينتظر موقف أهل العلم من ذلك. وهنا نناشد المخدوعين من أهل العلم بأن يتقوا الله ويقدروا أمانة العلم، وأن يستعلوا بدينهم؛ فلا يجعلوه مطية للطغاة والمجرمين يستخدمونه متى ما أرادوا  في تمرير خياناتهم: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ[الروم:60]. وهنا نوصي إخواننا من أهل العلم أن يتمعنوا في حقيقة هذا الصلح وأهدافه وأبعاده.

فساد استدلال المحرِّفين

إن من العجب العجاب أن يستدل بعض أهل العلم للتطبيع مع اليهود بصلح الرسول، صلى الله عليه وسلم، مع مشركي مكة في صلح الحديبية أو ما شابهه، وينسوا أو يغفلوا عن الفرق الشاسع بين الحالتين؛ سواء في أطراف الصلح والعقد، أو في الأمر المعقود والمتصالح عليه. إنهم بذلك يجمعون بين متفرقين، ويُعمِلوا القياس الفاسد الفاقد لأركانه بفارق العلة، وهذا الفرق يتضح من النظرين التاليين:

النظر الأول: الفرق بين الأطراف المتعاقدة مع اليهود أو المشركين في إبرام الصلح والسلام

والجواب واضح وبيِّنٌ؛ ففي الصلح الذي أبرمه الرسول، صلى الله عليه وسلم، مع مشركي مكة كان العاقد هو الرسول صلى الله عليه وسلم المستسلم لربه، والحاكم بشرعه، المجاهد في سبيله، وقد كان صلحًا مؤقتًا بعشر سنوات وليس دائمًا. وقد فُسخ هذا العقد بعد سنة ونصف، ونبذه الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى المشركين حينما نكثوا العقد. وكان لهذا الصلح منافع عظيمة للمسلمين..

أما في هذا الصلح الحالي مع اليهود فإن عاقد هذا الصلح لا يمثل الإسلام ولا المسلمين بحال؛ لأنه قد كفر بشريعة الإسلام فأقصاها عن الحكم وحَكم بالعلمانية الجاهلية، ووالَى أعداء الله وأحبهم وظاهرهم على المسلمين، وعادى أولياءه؛ فالعقد فاقد للشرعية بسقوط شرعية هذه الأنظمة المتعاقدة؛ وذلك بالإعراض عن شريعة الرحمن والحكم بغيرها؛ ولكن لمّا احتاجوا إلى تمرير ذلك على الشعوب أخذوا يبحثون عن طريق بعض العلماء المأجورين ليعطوهم أدلة على شرعية صلحهم هذا.

النظر الثاني: الفرق في الأمور المعقود عليها

فبينما نجدها في صلح الرسول صلى الله عليه وسلم صلحًا مؤقتًا ريثما يتقوّى المسلمون فينبذوا عهد المشركين إليهم، وهذا ما حصل بعد أن نقض المشركون الصلح، وحصل للمسلمين في فترة الصلح خير كثير، فإنا نجدها في المعقود عليه في الصلح المعاصر ـ صلح العار والذل والخيانة ـ أمرًا آخر مفارقاً لصلحه عليه الصلاة والسلام؛ فهو بيع لمقدسات المسلمين، وإقرار لليهود عليها إلى الأبد، بل هو ـ كما ذكرنا آنفا ـ أبعد من كونه صلحًا وسلامًا، بل هو احتلال جديد.

خامسًا) حقيقة وراثة الأرض

يرى كثير من الناس الذين تغيب عنهم الحقائق السابقة أن من له تاريخ في مكان معين قد ورثه من آبائه وأجداده وأسلافه هو أحق بهذا المكان من غيره، ولو كانوا كفارًا أعداء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ كمن يقول: إن لليهود حقًّا في فلسطين لأن أسلافهم كان لهم إرث ووجود تاريخي فيها.

وبناء على هذا الفهم المجحف المنحرف السابق ذكره يرى بعض الجهال والضُلّال أن المسلمين الذين فتحوا ديار الكفار في الشرق والغرب والشمال والجنوب وحكموها بالإسلام أنهم محتلون لأنها ديار ساكنيها وديار آبائهم وقومهم؛ كمن يصف الخلافة العثمانية وفتح المسلمين للأندلس وغيرها بأنه احتلال..!

وما علموا أن الإسلام والمسلمين نعمة على البشرية لا يحل في أرض إلا ويعلوا فيها التوحيد، وينقمع الفساد، ويتحرر الناس فيها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

كما غاب عن هذا الجاهل الغافل أن الأرض لا يرثها إلا عباد الله الصالحون، وأن الكافر ليس له حق في أن يحتل أرضًا ليعلي فيها كفره وفسقه، مهما كان له من الإرث التاريخي أو القبلي أو القومي، بل يجب إجلاؤهم عنها أو يُسْلمون؛ ليكون الدين كله لله، ويستريح البلاد والعباد من شرهم وفسادهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ[الدخان:29]؛ وإلا فما معنى فتوحات المسلمين لفارس والروم وغيرها من بقاع الأرض..!

إن نزول الكفار في مكان ينشرون فيه الشرك والكفر، ويحكمونه بغير ما أنزل الله عز وجل؛ إنما هم بذلك محتلون غاصبون لهذا المكان؛ لا يجوز إقرارهم عليه، بل يجب عند القدرة إخراجهم وعدم تمكينهم؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله تعالى.

إن الأرض أرض الله عز وجل؛ خلق الله عز وجل الإنسان عليها ليعمرها بعبادته وإقامة دينه فيها، وإنه سبحانه لا يرضى إلا بأن يرثها ويحكمها عباده الصالحون الموحدون.

وقد أراد الله عز وجل ذلك دينًا وشرعًا، وأمر به وشرع الجهاد من أجله؛ ومع ذلك فقد أراد سبحانه كونًا وقدرًا أن يمكّن لأعدائه الكفار في أماكن منها للابتلاء والامتحان؛ لاسيما حين يُقَصِّر عباده المؤمنون في الأخذ بأسباب النصر والتمكين، ولكنه تمكين مؤقت كما هو الحال اليوم في أكثر الدول القائمة في الأرض.

وبناء على الحقيقة السابقة فإن الحكومات التي تحكم اليوم في أكثر بلدان المسلمين ـ ومن بينها الاحتلال اليهودي ـ إنما هي حكومات محتلة لديار المسلمين خانت ربها وشعوبها؛ حيث نبذت شرع الله عز وجل، وحكمت بغيره، ووالت أعداء الله، ونشرت الكفر والفسوق والعصيان؛ لا يجوز إقرارها، بل يجب البراءة منها، وإعداد العدة لجهادها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وإن صلح هذه الدول مع اليهود إنما هو في الحقيقة صلح محتل مع محتل، لا ناقة للإسلام فيها ولا جمل.

سادسًا)  اليقين والثقة بموعود الله

ومع هذا الكيد الكُبّار من أعداء هذا الدين من كفار ومنافقين فنحن نحسن الظن بربنا، ونثق بوعده في قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[الروم:47]، ونثق في وعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقول: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله». (3متفق عليه)، وأن ما يحصل اليوم من مكر وكيد فإن مكر الله عز وجل بهم أشد وأكبر؛ قال الله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً[فاطر: 43]، وقال سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ[النمل:50-51].

خاتمة

هذا وعد الله عز وجل فما علينا إلا أن نراجع ديننا، ونحقِّق إيماننا، ونتوب من ذنوبنا، ونتخلص من موانع نصر ربنا لنا، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ[الروم:4-5].

نسأل الله عز وجل أن يستعملنا في طاعته، وأن يجعلنا من أنصار دينه الذين: ﴿وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[المائدة:54].

……………………………….

الهوامش:

  1. موطأ مالك، وحسَّنه الألباني.
  2. الفرقان بين الحق والباطل.
  3. متفق عليه.

اقرأ أيضا:

3.3 3 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد