تعليق على الأحداث

التطبيع مع اليهود والحلقة المفقودة

زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

كلما تناول الناس التطبيع مع الكيان الصهيوني، تجاهل المنتسبون للعلم حقيقة رئيسة، وهي عدم خضوع الحكومات ـ المُطبّعة ـ للدين وشريعة الله ابتداء، ومن ثم يكون استدعاؤها تلاعب بها وتخديم على الطغاة والعملاء.

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين..

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيأتي على الناسِ سنواتٌ خدَّاعات تخدع كثير من الناس، يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويُكذَّب فيها الصادقُ، ويُؤْتمنُ فيها الخائنُ، ويُخوَّنُ فيها الأمينُ، ويَنطقُ فيها الرُّويْبضةُ. قيل يا رسول الله: وما الرُّويبِضة؟ قال: الرجل التافهُ، ينطق في أمر العامّة». (1رواه ابن ماجة وأحمد وصححه الألباني)

ما أعظمَ هذا الحديث وما أصدقَه في وصْف زماننا اليوم، ووصْف ما فيه من تضليل وتلبيس ومتناقضات واختلال للموازين.

فصلوات الله وسلامه على نبي الرحمة والملحمة؛ ما أصدق قوله وما أوضحه لأمته، وكأنه يعيش بيننا ويرى أحوالنا.

وحْيٌ يوحَى

ولا غرابة في ذلك فقد قال عنه ربه سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم:2-4) ووصف رحمته ونصحه لأمته بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة : 128)

وإن ما يحصل اليوم من خيانة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة المسلمة من بعض التافهين الرويبضات الذين ابتُليت بهم الأمة فكانت لهم الكلمة والتمكين فوالوا أعداء الله من اليهود والنصارى وعادوا أولياءه من المصلحين والدعاة الصادقين وأحاط بهم زمرة من المنافقين المتأكّلين؛ يطبّلون لهم ويسبحون بحمدهم ويزينون خياناتهم؛ حتى أصبح الصادق عندهم كذابا والكاذب صادقا والخائن أمينا والأمين خائنا، كما جاء في الحديث النبوي.

الخيانة العظمى

ولسنا في هذه المقالة بصدد تعداد تلك الخيانات المفصلية التي تقوم بها الأصنام البشرية المعاصرة ـ وهي كثيرة وشنيعة ـ ولكن الحديث هنا سيقتصر على تلك الخيانة العظمى لله ورسوله وللمسلمين..

ألا وهي هدم كلمة التوحيد القائمة على الولاء لله عز وجل ولرسوله وللمؤمنين والبراءة من الكفر والكافرين، فحصل من جراء هدمها الموالاة والنصرة للكفر والكافرين، والمعادة للإسلام والمسلمين.

من مظاهر الخيانة

ومن ذلك موالاة اليهود، وإقرار اليهود المحتلين على مقدسات المسلمين، والسعي لإبرام “صفقة القرن” الخاسرة التي من بنودها إقرار اليهود على كل المستوطنات التي بنوها، وأن لليهود الحق في احتلال فلسطين، وأن عاصمتهم القدس..

والسعي لتطبيع العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية معهم، وفتح السفارات..

والوقوف أمام كل منكِرٍ ورافضٍ لهذه الخيانات بالمحاصرة والسجن والتصفية سواء كان هذا الرافض فردا أو جماعة أو دولة.

الاستعانة بمن يبرر قاذوراتهم

وبما أن الإقدام على هذه الخيانة يمسّ دين الأمة ومقدساتها؛ فسيحاول الخائنون أن يمرروا خياناتهم للأمة في تطبيع العلاقات مع اليهود من خلال شيوخ علم يتمندلون ويمسحون بهم أوساخهم وخياناتهم ويُلبّسون على الأمة مدّعين أن هذا هو فتوى أهل العلم.

وسيجدون من يقدم لهم الأدلة من الشريعة فيلوون أعناقها، ويُنزلونها في غير مناطها لتوافق أهواء الحكام الخائنين؛ كأن يستدلوا بصلح الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وسلم ومشركي قريش، أو كمعاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة بعد الهجرة إليها.

[للمزيد: القنديل والمنديل .. وما يجري على الدين من تبديل (4-4) مواقف مظلمة]

الحلقة المفقودة

وهنا ندخل إلى عنوان المقالة “التطبيع مع اليهود والحلقة المفقودة” فأقول وبالله التوفيق:

إن جُلّ من تناول قضية الصلح والتطبيع مع اليهود ـ إن لم يكن كلهم ـ قد افترضوا أن من يعقد الصلح مع اليهود، المنتهي بالتطبيع معهم، دولٌ إسلامية خاضعة لشرع الله عز وجل.

ولذا فهم يستدلون لهم بجواز ذلك بالصلح الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين في صلح الحديبية وما شابهها من أحداث السيرة.

والذين يرفضون الصلح يردّون ذلك بأن شروط الصلح ومنافعه في صلح الحديبية تختلف عن الصلح اليوم مع اليهود، ولم يتطرق أحد سواء من المؤيدين أو الرافضين إلى “الحلقة المفقودة” في الصلح اليوم مع اليهود ألا وهي:

أن الطرف المقابل الذي يسعى للتطبيع مع اليهود لا يمثل الإسلام ولا المسلمين، بل هم أعداء لشريعة الإسلام؛ حيث أقصوها عن الحكم والتحاكم، ووالوا أعداء الله من اليهود والنصارى، وظاهروهم على المسلمين.

وحكموا في شعوبهم بقوانين ودساتير كفرية تستحل ما حرم الله عز وجل من إباحة الربا والزنا حال الرضا وتعري المرأة ورقصها واختلاطها بالأجانب، وإعلان ذلك والمجاهرة به في الإعلام العفن.. وغير ذلك من الكفريات.

وبهذا وأمثاله فإن الدول التي تدعي أنها إسلامية وتتهالك على الصلح والتطبيع مع اليهود هي في الحقيقة دول مارقة عن الإسلام؛ لا تمثل الإسلامَ ولا تمثلُ شعوبَها المسلمةَ. ولا يحل لأحد من المنتسبين للعلم أن يهبط بأحكام الإسلام لتكون خادمة لهم وهم أصلا قد رفضوها جملة وتفصيلا.

الاستسلام لله أولا

إن الموقف مع هذه الدول الرافضة لشريعة الله عز وجل أن يقال لهم:

تعالوا أولا فادخلوا في دين الإسلام، وأعلِنوا استسلامكم لأحكامه في شؤون الحياة كلها قولا وعملا. وحينها فلن تجدوا أنفسكم بهذه الذلة والمهانة أمام شرذمة الخليقة اليهود، بل إن شريعة الله عز وجل ستدفعكم إلى الإعداد لجهاد الغزاة المحتلين. وإن احتجتم إلى صلحٍ أو معاهدة مؤقتة مع الكفار فلن تعدم الشريعة حَلا لذلك..

أما أنكم تكفرون بشريعة الإسلام وتنحّونها عن الحياة، ثم لما احتجتم لتمرير خيانتكم للدين والأمة صرتم تبحثون عند أهل العلم عن بعض النصوص من الكتاب والسنة التي يلْوون أعناقها لتوافق رغباتكم فإن هذا العمل المشين والمكر السييء ترفضه الأمة ولا ينطلي عليها تلبيسُكم ومكرُكم.

إن دين الله يأبى أن يكون مجرد مطيةٍ ذلول، ومجرد خادمٍ مطيع، لتلبية هذه الحكومات الجاهلية الآبقة منه، المتنكرة له، الشاردة عنه.. التي تسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في قضايا ومشكلات وحاجات وهي غير خاضعة لشريعته وسلطانه..

ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والحكومات الجاهلية، والحاجات الجاهلية.

وأن يقولوا للذين يستفتونهم بوجه خاص تعالوا أنتم أولا إلى الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفا لأحكامه..

أو بعبارة أخرى.. تعالوا أنتم أولا فادخلوا في دين الله، وأعلِنوا عبوديتكم لله وحده، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به.

وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء، وتقرير ربوبية الله أي حاكميته وسلطانه وحده في حياة الناس بجملتها. وتنحية ربوبية العباد للعباد، بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع العباد للعباد”. (2في ظلال القرآن، تفسير سورة يوسف، الآية 55-57)

إن من يخون أمته بموالاة أعدائها وإقرار احتلالهم للمقدسات الإسلامية لا تستغرب منه هذه الخيانة لأنه قد خان الله عز وجل من قبلُ بتنحية شريعته ورفض الحكم بها والتحاكم إليها وموالاة أعدائه قال الله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ (الأنفال : 71).

إن هذه هي الحلقة المفقودة التي يجب وصلها بباقي الحلقات لِتنجلي حقيقة ما يقوم به المتهالكون الموالون لأعداء الأمة يطلبون ودَّها ويقرونها على مقدسات المسلمين.

[للمزيد: الإسـلام شريعـة تحكـم حيـاة الأمـة]

خاتمة .. ادّعاءات مرفوضة

إن مقدسات المسلمين ملك للمسلمين لا يمكن أن يفرطوا فيها وليس للخونة أن يكونوا أوصياء عليها يبيعوها لمن شاءوا ومتى شاءوا.

إن الأرض أرض الله عز وجل لا يورثها إلا لعباده الصالحين؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء :105).

وليست الأرض إرثاً تاريخياً بحيث يدّعي أقوام أنهم ورثوها عن آبائهم وأجدادهم؛ فالأرض في الأصل يجب أن تطهَّر من الكافرين الذين يفسدون في الأرض بكفرهم وظلمهم، وأن لا يحكم فيها إلا المسلمون الذين يقيمون في الناس شرع الله عز وجل ويحكمون فيهم بالعدل، ولا يُقر الكفار على بقعة من هذه الأرض؛ بل يجب أن يجاهَدوا حتى تطهر الأرض من رجسهم ويتم تحرير الإنسان من عبودية غير الله عز وجل.

وفي حالات الضعف يصبر المسلمون على استعلاء الكفار واحتلالهم مع إعداد العدة لجهادهم لا أن يُقَروا على احتلالهم أو يقال أن لهم إرثاً تاريخياً في أرضهم أو أنهم يحق لهم أن يعيشوا فيها بسلام.

كلا لا يُقَر الكافر على حكمه في أرض الله؛ فإما أن يُسْلِم، أو يستسلم ويدفع الجزية خاضعاً لحكم الإسلام والمسلمين فيها.

والحمد لله رب العالمين.

……………………………………..

هوامش:

  1. رواه ابن ماجة وأحمد وصححه الألباني.
  2. في ظلال القرآن، تفسير سورة يوسف، الآية 55-57.

اقرأ أيضا:

  1. حكم الاحتكام إلى القوانين الوضعية (لابن باز)
  2. مفتاح القدس هو نفس مفتاح المنطقة
  3. حكم التطبيع مع اليهود
  4. تحريم الصلح مع الكيان الإسرائيلي ووجوب الجهاد .. لجنة الفتوى بالأزهر الشريف

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية