تشتدّ الظلمات حين تختلط الأصوات… ولكن ماذا لو كانت الفتنة هي من تُزيح أختها لتصعد أشدّ منها وأخطر؟

في زمن تتداخل فيه الخطوط وتضطرب فيه البوصلات، تخرج ابتلاءات متعاقبة لا تمنح الناظر فرصة لالتقاط أنفاسه. أحداث تتشابك، ومواقف تنكشف، وأصوات تتقدم وأخرى تتساقط، حتى تكاد لا تعرف أين تقف، ولا مع من تقف. ومن بين هذا الاضطراب يبرز سؤال يخشى كثيرون مواجهته… لكنه لا ينتظر أحدًا.

طوام ترقّق أخواتها..

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إنَّ السعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، ولَمَن ابتُلِيَ فصَبَر؛ فَواهًا.)11- رواه أبو داود وصححه الألباني..

وإن الفتن التي نعيشها اليوم ينطبق عليها قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّه لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إلّا كانَ حَقًّا عليه أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ على خَيْرِ ما يَعْلَمُهُ لهمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ ما يَعْلَمُهُ لهمْ، وإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِه جُعِلَ عافِيَتُها في أَوَّلِها، وَسَيُصِيبُ آخِرَها بَلاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَها، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فيُرَقِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، وَتَجِيءُ الفِتْنَةُ فيَقولُ المُؤْمِنُ: هذِه مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الفِتْنَةُ، فيَقولُ المُؤْمِنُ: هذِه هذِه، فمَن أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهو يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إلى النّاسِ الَّذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتى إلَيْهِ….  الحديث )22- أخرجه مسلم..

والشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم تجيء فتن يرقق بعضها بعضا) وفي رواية: (يدقق بعضها بعضا) أي أن كل فتنة جديدة تكون أصعب مما قبلها حتى يرى الناس أن الفتنة الأولى أخف من التي بعدها وهذا والله ينطبق أشد الانطباق في زماننا اليوم وما فيه من كثرة الفتن والنوازل وتسارعها وكثرة المتساقطين فيها قال صلى الله عليه وسلم: (تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ، ما ظَهَرَ منها وَما بَطَنَ)33- رواه مسلم..

الوشاية بالدعاة والمصلحين

وإن من الفتن المتسارعة اليوم ما يقوم به بعض المفتونين اليوم الموالين للظلمة حيث لم يكتفوا  بوقوعهم في فتنة الركون إلى الظالمين وتحسين أفعالهم بل أصبحوا بوقا لهم موجها إلى بعض الدعاة والوعاظ والخطباء وأئمة المساجد يمتحنونهم فيه بإلزامهم أن يقولوا الكذب والبهتان على بعض الدعاة والجماعات التي تدعوا إلى الله فمن أجابهم إلى ما يريدون من الزور والكذب والظلم أدنوه وقربوه وأعطوه من مناصب الدنيا ولعاعتها ما يفتنونه بها ومن استعان بالله عز وجل واستعصى على ما يريدونه من قول الزور والبهتان أبعدوه عن مناصبهم أو فصلوه من وظيفته إن لم يؤذوه ويسجنوه وهذا يذكرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة رضي الله عنه عن صفات مثل هؤلاء: (دُعاةٌ على أبْوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهُمْ إلَيْها قَذَفُوهُ فِيها قُلتُيا رَسولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنا، قالَ: هُمْ مِن جِلْدَتِنا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنا)44- أخرجه البخاري. وفي ظلمة هذه الفتنة العمياء يتساءل بعض الطيبين الحريصون على حفظ دينهم وآخرتهم ما موقفهم ممن يمتحنهم بقول الباطل والبهتان ويرتبون على جوابه قبوله في الوظائف الرسمية من خطابة ودعوة وإمامة مسجد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر إن أجابهم لذلك أو إبعاده وفصله إن لم يجبهم.

ويتساءل هؤلاء الممتحنون ما موقفهم في مثل هذه الأحوال وهل يجوز لهم أن يقولوا الباطل من كذب وظلم بحجة بقائهم في مناصب دعوية ينفعون من خلالها الأمة ويقطعون الطريق على غيرهم؟

وللجواب عن على هذا السؤال علينا أن نتذكر الركنين الأساسيين لأي فتوى يسأل عنها ولا سيما إذا كانت عامة ونازلة وليست فردية شخصية وهذان الركنان هما:

1-معرفة حال الواقعة المسؤول عنها.

2-معرفة حكم الله في مثلها.

حين تتحول الوظائف الدعوية إلى امتحان للاتهام والافتراء

أولا: بالنسبة لمعرفة حال هذه الواقعة فهي كما ذكر آنفا بأنها امتحان بعض الدعاة من خطباء وأئمة ووعاظ وطلاب جامعة حتى يعينوا ويقبلوا في وظائف ومناصب رسمية ودعوية وذلك بإلقاء أسئلة عن بعض الدعاة أو الجماعات الإسلامية يسألونهم فيها عنهم ويريدون منهم حتى يقبلوهم في الوظائف أن يصفوا هؤلاء الدعاة والجماعات زورا وبهتانا بأنهم مبتدعة أو خوارج وإرهابيين يسعون لزعزعة أمن المجتمع واستقراره ويثيرون الفرقة والفتن ومن لم يجبهم رفضوه وأقصوه إن لم يؤذوه ويسجنوه ….. هذا وصف الحالة.

حكم الله في قول الزور والباطل والكذب على معصوم

وأما ثانيا: فهو معرفة حكم الله في مثلهم أي معرفة حكم الله في قول الزور والباطل والكذب على معصوم أو ظلمه وهذا محسوم في شريعة الله عز وجل بل في كل الشرائع السماوية حيث أن الظلم والكذب والزور من المحرمات المعلوم بالضرورة حرمتها ومقتها وبيان ذلك في الأدلة التالية:

أولا: إن رمي الأبرياء بما ليس فيهم لمن أعظم الكبائر عند الله عز وجل قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: 15) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَـٰتِ ٱلۡغَـٰفِلَـٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ ۝٢٣ یَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَیۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ۝٢٤ یَوۡمَىِٕذࣲ یُوَفِّیهِمُ ٱللَّهُ دِینَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَیَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِینُ﴾ (النور: 23-25) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 58).

ثانيا: الشهادة على المسلم بما ليس فيه ضرب من ضروب شهادة الزور والتي جاءت النصوص في الوعيد على مرتكبها قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أَكْبَرُ الكَبائِرِالإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وشَهادَةُ الزُّورِ – ثَلاثًا – أوْ: قَوْلُ الزُّورِ فَما زالَ يُكَرِّرُها حتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ)55- أخرجه البخاري..

ثالثا: وصف المسلم بما ليس فيه يعد من الظلم والبهتان قال صلى الله عليه وسلم: (إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ)66- أخرجه مسلم..

وقال صلى الله عليه وسلم: (وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ)77- أخرجه البخاري..

رابعا: إن فلتات اللسان في ظلم العباد والتقول عليهم بغير حق سيسأل عنها العبد يوم القيامة ويطالب بالبينة والبرهان قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا﴾ (الإسراء:36) أي: لا تقل ما ليس لك به علم ، وقال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف:19).

خامساً: وهذه أعظم من التي قبلها كلها ذلك بأن من وقف مع الظلمة وركن إليهم ونفذ ما يريدونه من وصف الدعاة والمصلحين بالإرهاب والتطرف وإثارة الفتن قد صف قدميه معهم وقدم ولاءه لهم في الوقت الذي عادى فيه أولياء الله ورماهم بما هم منه براء، فخرم بذلك عقيدة الولاء والبراء فبدلاً من أن يوالي أولياء الله ويعادي أعداءه نجده قد عكس الأمر فوالى أعداء الله وعادى أولياء الله والعياذ بالله، قال صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب).وقال في الحديث القدسي: ( مَن عادى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ )88- أخرجه البخاري..

سادساً: وهل يعلم من ناصب الدعاة العداء ووصفهم بالإرهاب والتطرف وإثارة الفتن هل يعلم أنه بفعله هذا قد برر للظالمين أن يفتكوا بهؤلاء الدعاة ويصبوا عليهم صنوف الأذى من سجن أو تعذيب أو قتل نعوذ بالله من الخذلان ونصرة الباطل على الحق.

شبهة وجوابها

قد يتعلل بعض الخطباء والوعاظ أو من يريد وظيفةً لا يحصل عليها إلا بقول الباطل قد يتعللون بالمحافظة على المنبر أو الوظيفة الدعوية لتعليم الناس الخير ونهيهم عن الشر ولو تركوا المنبر أو الوظيفة لجاء من يقول الباطل كله ونافق وأفسد وهنا نقول بأن هذه المبررات تصلح في كتم بعض الحق للمصلحة  أو درأ للمفسدة لكنها لا تصلح في تبرير قول الباطل والزور وظلم العباد فلا يجوز قول الزور والباطل إلا في حالات الضرورة والإكراه الملجئ ليدرأ عن نفسه القتل أو التعذيب والواقع ليس كذلك.

وبعض هؤلاء يتعلل بارتكاب أهون المفسدتين مع أنه لا يصلح الاستدلال بها في نازلتنا فهي عليهم لا لهم لأن مفسدة قول الزور وظلم العباد لا يكافئها مفسدة ترك الوظيفة أو المنبر، فإذا لم يمكن الدخول في وظيفة أو البقاء فيها أو المحافظة على المنبر للوعظ والخطابة إلا بقول الزور والباطل فليذهب المنبر ولتذهب الوظيفة ولتذهب الدنيا جميعاً ويبقى الدين والإيمان محفوظاً لاسيما إذا كان في قول الباطل معاداةً للمسلمين وموالاة للظالمين وتضليلاً للناس المستمعين.

وما أحسن ما قاله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (لأن أموت مؤمناً مهزولاً أحب إلي من أن أموت منافقاً سميناً) قال الحسن رحمه الله تعالى في تعليقه على هذا القول: (علم أن التراب يأكل اللحم والسمن دون الإيمان)99- إحياء علوم الدين،كتاب العلم – الباب السادس..

الحكم في هذه النازلة

وهو تحريم الاستجابة لما يطلبه الظالمون من قول الزور والبهتان في بعض الدعاة والجماعات الدعوية ولو ذهبت الوظيفة والمناصب ومن ترك شيئاً ابتغاء وجه الله عوضه الله عنه ما هو خير له في دينه ودنياه.

تذكير بالدينونة الفردية ومسؤولية الثبات عند الفتن

أذكر نفسي وإخواني الدعاة بقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (العنكبوت:10).

كما أذكر بقول الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم:95) حيث يأتي كل عبد فرداً ليس معه من أمره بقول الباطل لا وزير ولا أمير ولا دنيا ولا مناصب قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ (البقرة:166) وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب:67) فلينظر كل بما يخرج به من سؤال ربه سبحانه له،: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:111).

نسأل الله عز وجل أن يميتنا على الإسلام والسنة، سلما لأوليائه حربا على أعدائه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.

والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

1- رواه أبو داود وصححه الألباني.

2- أخرجه مسلم.

3- أخرجه مسلم.

4- أخرجه البخاري.

5- أخرجه البخاري.

6- أخرجه مسلم.

7- أخرجه البخاري.

8- أخرجه البخاري.

9- إحياء علوم الدين،كتاب العلم – الباب السادس.

اقرأ أيضا
4.3 3 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات