زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

جهاد النفس والشيطان هما الأصلان لجهاد الكفار. والانتصار على الكفار في ساحات القتال هو نتيجة للانتصار على النفس والشيطان قبل ذلك. بل إن جهاد النفس والشيطان يستغرق العمر كله؛ إذ لا بد منه قبل منازلة الكفار، وأثناءها، وبعدها.

جهاد النفس ومراتبه

بعد أن تبين لنا من آية التوبة صفات المؤهلين للجهاد في مقال سابق بعنوان [معنى الإعداد الإيماني للجهاد]، اتضح لنا بذلك أهمية الإعداد الإيماني للمجاهدين حتى يلقوا عدوهم وهم مستعدون معنويا وإيمانيا لذلك، وفي هذه الوقفة الأخيرة سيتم تفصيل جوانب هذا الإعداد والوسائل المختلفة لتحقيقه حسب ما يفتح الله عز وجل إنه هو الفتاح العليم، وهو المستعان وحده وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه.

فأقول وبالله التوفيق:

جهاد النفس مطلوب قبل ملاقاة العدو وأثناء ملاقاته وبعد ملاقاته

الأصل في الإعداد الذي يسبق جهاد الكفار هو جهاد النفس والشيطان. والمعركة معها مستمرة ومتواصلة منذ بلوغ المسلم سن التكليف إلى أن يوافيه الأجل. فهو إذن جهاد لا يتقيد بوقت، بل هو مطلوب قبل ملاقاة العدو وأثناء ملاقاته وبعد ملاقاته. والنصر على الأعداء في معارك القتال مرهون بالانتصار على النفس والشيطان في معركة الجهاد معها.

والمطلوب في الإعداد المتمثل في جهاد النفس: أربعة جوانب مهمة لكونها أصول الإعداد الشامل التي بها ينجو العبد من الخسران في الدنيا والآخرة، ويثبته الله عز وجل بها في ميادين الجهاد وغيرها من المواقف1(1) انظر تفاصيل هذه الأصول في رسالة «وقفات تربوية في ضوء سورة العصر» للمؤلف ..

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «فجهاد النفس أربع مراتب أيضا:

إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدی، ودین الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه، شقيت في الدارين.

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، وبتحمل ذلك كله لله.

فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين؛ فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات»2(2) زاد المعاد : (3/ 10)..

وتحت كل مرتبة من هذه المراتب أمور تفصيلية وبرامج علمية وعملية لتحقيقها وتكميلها، ولذلك سأعيد هذه المراتب المذكورة آنفا مصاغة بشكل تفصيلي؛ وذلك كما يلي:

المرتبة الأولى: مجاهدة النفس على تعلم الهدى ودين الحق

العلم بالشرع والبصيرة بالحق أمر لازم لكل مسلم فضلا عن الداعية إلى الله عز وجل والمجاهد في سبيله تعالى، قال تعالى: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف:108]. فذكر الله سبحانه في هذه الآية أن الدعوة إليه – والجهاد من الدعوة – يجب أن يكون على بصيرة؛ أي على علم بأن ما يدعو إليه ويجاهد من أجله هو الحق الذي يحبه الله ويرضاه، وهو الموافق لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وبدون العلم بالشرع والفهم الصحيح للدين تفسد الدعوة ويتلوث الجهاد، ويتخلف شرط أساس من شروط قبول العمل عند الله عز وجل؛ ألا وهو المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

العلم الذي يجب أن يستعد به المجاهدون في سبيل الله 

1- عيني.

2- وكفائي

أما العيني: فهو الذي يعنينا في هذا المقام وهو في حق المجاهد نوعان:

أ- نوع عام: يشترك فيه المسلمون جميعا، وهو العلم بالفقه الواجب على كل مسلم، وهو: الفقه بالعقيدة، والفقه بالأحكام العينية، ومن ذلك فهم أصول الإيمان الستة على مذهب السلف الصالح، ومعرفة الإيمان والتوحيد وأنواعه، وما يضاده من الكفر والشرك والنفاق، والمعرفة المجملة بضوابط التكفير، وما يترتب على ذلك من الأحكام.

ومن ذلك معرفة أركان الإسلام علما وعملا، والمعرفة الإجمالية بقواعد الأحكام ومقاصد الشريعة، ومعرفة المحرمات العينية والفروض العينية الواجبة على كل مسلم. كل هذا مما يجب العلم به قبل الجهاد، فإن فرض على المسلمين القتال قبل إتمامه، فإنه يحصله أثناء الجهاد ويكمل منه ما نقص. والمقصود أن لا يقدم المسلم – فضلا عن المجاهد – على أمر حتى يعلم حكم الشريعة فيه، فإن لم يعلم فليسأل من يدله على حكم الشرع فيه؛ لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43]، ومما يدخل في هذا العلم بسبيل المجرمين، والبصيرة بواقع الكفار الذين يراد قتالهم.

ب – نوع خاص: وهو العلم بمشروعية الجهاد وأحكامه، ومعرفة الراية التي سيجاهد المسلم تحتها.

كل هذا مما يجب أن يعلمه المجاهد قبل الشروع في الجهاد؛ حيث أن الإخلاص لا يكفي وحده، بل عليه أن يعرف ما إذا كان الجهاد الذي ينوي الدخول فيه مشروع ومحبوب إلى الله عز وجل أم ليس كذلك. وهذا فرض واجب؛ لأن الجهاد فيه ذهاب الأنفس والأموال، والمسلم لا يملك إلا روحا واحدة، فلا يجوز المخاطرة بها في أمر قد لا يكون مرضيا لله عز وجل.

مثالان على حرص السلف على مشروعية الجهاد

المثال الأول: المناظرة التي تمت بين أبي بكر وعمر في قتال المرتدين حيث خفي على عمر مشروعية قتالهم وناظر أبو بكر في ذلك فبين له أبو بكر ذلك حتى انشرح صدر عمر لقتالهم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله»، قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق»3(3) البخاري: (1399، 1400)، ومسلم: (20)..

المثال الثاني: روى الذهبي في السير قال: «وقال حميد بن هلال: أتت الحرورية مطرف بن عبدالله يدعونه إلى رأيهم فقال: يا هؤلاء، لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما، وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالة هلكت نفس وبقيت لي نفس، ولكن هي نفس واحدة لا أغرر بها»4(4) سير أعلام النبلاء : (4/ 195)..

ومما يلحق بالعلم بمشروعية الجهاد: العلم بالراية التي سيجاهد المسلم تحتها، وما غايتها؛ فهذا مما يجب العلم به، فلا يكفي أن يعلم هل قتال العدو واجب أم غير واجب، أم غير جائز، بل لا بد من معرفة الراية التي سيقابل العدو تحتها؛ قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) [النساء:76].

فمما ينافي القتال في سبيل الله: القتال تحت راية عمية؛ قال صلى الله عليه وسلم : «من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتله جاهلية»5(5) رواه مسلم: (1850)..

والمقصود أنه كلما كان المسلم على بينة من سبيل المؤمنين الذي يحبه الله عز وجل، وعلى بينة من سبيل المجرمين كان هذا أكبر دافع للجهاد في سبيل الله تعالى. .

وأما العلم الكفائي: فيكفي أن يعلمه طائفة من المجاهدين؛ حيث يفرغ بعضهم لطلب العلوم الشرعية اللازمة لسد حاجات الدعوة والتعليم والإفتاء، ويكونوا من ذوي الاستعداد لذلك. وإذا وجد الحد الأدنى من الكفاية سقط الوجوب عن الآخرين. والأصل في هذا أن يكون قبل ملاقاة الأعداء؛ لأن أيام القتال أيام شغل، لكن إن فرض على المسلمين القتال قبل إتمام حد الكفاية من هذا العلم فينبغي إتمامه أثناء الجهاد قدر المستطاع.

 يجب تحقيق الحد الأدنى من العلم بسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين

والخلاصة: أن العلم هو أساس العمل، وهو قبل القول والعمل. والجهاد من العمل، فإن لم يكن العلم صحيحا موافقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن العمل سيكون باطلا ومنحرفا. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة يعلم أصحابه أصول هذا الدين، ويعلمهم العقيدة وما تقتضيه من ولاء وبراء وإذعان وانقياد لله تعالى، کما يعلمهم الإخلاص وإرادة الدار الآخرة في جميع الأقوال والأعمال. فلما جاء الإذن بالجهاد، ثم فرضه ظهرت آثار هذا العلم في تضحياتهم العظيمة وفتوحاتهم المباركة. ولذلك وجب على المهتمين بأمور الدعوة وتربية الناس وتوجيههم وإعدادهم للجهاد في سبيل الله عز وجل أن يولوا هذا الجانب اهتماما كبيرا، وأن يركزوا في برامجهم الدعوية وأنشطتهم المختلفة على تحقيق الحد الأدنى من العلم بسبيل المؤمنين – وهم أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح – انطلاقا من القرآن الكريم وتدبره، والسنة الصحيحة بفهم الصحابة، وأن يستفاد من كل وسيلة متاحة مشروعة لبناء العلم الشرعي في النفوس؛ سواء على هيئة دروس علمية عامة أو خاصة، أو بالاستفادة من الأشرطة العلمية المسجلة. والمقصود أن يهتم المربون بهذا الجانب المهم من الإعداد لأنه هو الأساس، فإن صلح صلح ما بعده، وإن فسد فسد ما بعده.

أهمية طلب العلم والهدى للمجاهد في سبيل الله عز وجل

وأختم هذه المرتبة من جهاد النفس بكلام نفيس لأحد الصحابة ويتبين منه أهمية معرفة الحق والعلم به، وأنه ضروري للمجاهد في سبيل الله عز وجل، وأنه لا يكفي في المجاهد أن يكون مخلصا لله تعالى في جهاده، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك أن يكون جهاده على الحق. والحق لا يتبين إلا بالعلم الشرعي والبصيرة في الدين، والواقع. فقد روى ابن وضاح – رحمه الله تعالى – في كتابه «البدع والنهي عنها» بسنده: «قال: حدثنا أسد قال: حدثنا مبارك بن فضالة عن يونس ابن عبيد عن ابن سیرین قال: أخبرني أبو عبيدة بن حذيفة قال: جاء رجل إلى حذيفة بن اليمان – وأبو موسى الأشعري قاعد – فقال: أرأيت رجلا ضرب بسيفه غضبا لله حتى قتل أفي الجنة أم في النار ؟ فقال أبو موسى: في الجنة. قال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول. قال أبو موسى سبحان الله، كيف قلت؟ قال: قلت: رجل ضرب بسيفه غضبا لله حتى قتل أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى: في الجنة. قال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول. حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما كان في الثالثة قال: والله لا تستفهمه، فدعی به حذيفة فقال: رويدك، إن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يصب الحق ولم يوفقه الله للحق فهو في النار. ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا»6(6) «البدع والنهي عنها» لابن وضاح: رقم الأثر (86) ص (75)، ت: عمر عبد المنعم..

الهوامش

(1) انظر تفاصيل هذه الأصول في رسالة «وقفات تربوية في ضوء سورة العصر» للمؤلف .

(2) زاد المعاد : (3/ 10).

(3) البخاري: (1399، 1400)، ومسلم: (20).

(4) سير أعلام النبلاء : (4/ 195).

(5) رواه مسلم: (1850).

(6) «البدع والنهي عنها» لابن وضاح: رقم الأثر (86) ص (75)، ت: عمر عبد المنعم.

اقرأ أيضا

المفهوم الشامل للإعداد للجهاد

من آداب المجاهد وتزكية النفس

لمحات في إصلاح النفس

العـلْم والـتّزْكية

 

3 1 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية