لا تحسبوه شرا لكم..مسلمة قررها القرآن

زمن القراءة ~ 10 دقيقة 

لا تحسبوه شرا لكم..مع وضوح هذه السنة وجلائها في القرآن، وبمقتضى العقل والحس، إلا أننا نجد من هو في غفلة عنها وعن مقتضى أسمائه سبحانه وصفاته العلا؛ حيث أدت هذه الغفلة عند بعضنا إلى شيء من اليأس والإحباط، أو إلى شيء من العجلة والتسرع أمام ضغط الواقع، وتسلط الأعداء، وعند انتشار الظلم والفساد.

بيان هذه السُنة في كتاب الله

ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة ينبه الله سبحانه وتعالى فيها على هذه السنة الكريمة ويلفت الأنظار إليها: إما على إثر حکم تکليفي يشرعه سبحانه، أو بعد حدث من الأحداث ، وموقف من المواقف .

وفي هذا المقال سأذكر بعض الآيات المتعلقة بموضوعنا ، وأكتفي هنا بما سطره بعض المفسرين الكرام من علماء الأمة حول هذه الآيات ؛ حيث لا مزيد عليها ولا استدراك ؛ فرحمهم الله وعفا عنهم .

الآية الأولى والثانية

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : 216] .

وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

الانشغال بمعرفة الله، والفقه في أسمائه وصفاته

يعلق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على هاتين الآيتين فيقول: (فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية، والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية . فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه ، وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده، ويحب الموادعة والمتاركة ، وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده، وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، فالإنسان كما وصفه خالقه: ظلوم جهول؛ فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضره وينفعه میله وحبه ونفرته وبغضه ؛ بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه .

فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه . فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرا له، وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته ، فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له ، فمن صحت له معرفة ربه ، والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه ، والمحن التي تنزل به ، فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته ؛ بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب……..فأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين ، وأعلم العالمين، الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ، ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من ألا ينزله بهم ؛ نظرا منه لهم ، وإحسانا إليهم ، ولطفا بهم . ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وإرادة وعملا ، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته . أحبوا أم كرهوا . فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته ، فلم يتهموه في شيء من أحكامه ، وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره ، وقدحوا في حكمته ، ولم ينقادوا لحكمه ، وعارضوا حكمته بعقولهم الفاسدة ، وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة! فلا لربهم عرفوا ، ولا لمصالحهم حصلوا، والله الموفق)1(1) الفوائد ص 93-91 . اه .

المكروه الذي يترتب عليه خير

وعند قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

يقول صاحب تفسير المنار رحمه الله تعالى ، بعد أن ذكر ما في إمساك المرأة مع الكره لها من الخير -: (هذا وإن التعليل في الآية يرشدنا إلى قاعدة عامة تأتي في جميع الأشياء لا في النساء خاصة ، وهي أن بعض ما يكرهه الإنسان يكون فيه خير له ؛ متى جاء ذلك الخير تظهر قيمة ذلك الشيء المكروه . وهي قاعدة عرف العقلاء صدقها بالتجارب ، ولأجل التنبيه لها قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ، ولم يقل: «وعسى أن تكرهوا امرأة» .

ثم إن في الصبر على المكروه واحتماله فوائد أخرى غير ما يمكن أن يكون في المكروه نفسه من الخير المحبوب ؛ فالصابر المتحمل يستفيد من كل مكروه بصبره ورؤيته سواء ترتب عليه في ذاته خير أم لا .

ومن المكروه الذي يترتب عليه خير: القتال بالحق لأجل حماية الحق والدفاع عنه ؛ فهو بما فيه من المشقة مكروه طبعا ، وناهيك عما يترتب عليه من إظهار الحق ونصره ، وظهور أهله ، وخذلان الباطل وحزبه)2(2) تفسير المنار (لمحمد رشيد رضا) عند الآية (19) من سورة النساء . اه.

الإنسان لا يدري أين يكون الخير، فالخير فيما اختاره الله

ونختم الحديث عن هذه الآية من سورة البقرة بتعليق مفيد لصاحب الظلال رحمه الله تعالی ؛ حيث يقول: (إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالم آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه ، وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون ، وتقلب الأمور ، وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه، وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيعا في يد القدر ، يعمل ويرجو، ويطمع ويخاف ، ولكن يرد الأمر كله لليد الحكيمة والعلم الشامل ، وهو راض قرير … إنه الدخول في السلم من بابه الواسع، فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة فيما اختاره الله ، وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها ، وأن تطلب منه البرهان !

إن الإذعان الواثق، والرجاء الهادئ ، والسعي المطمئن.. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة ، وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط، في يسر وفي هوادة وفي رخاء ؛ يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال ؛ فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال .

وإن هذا الإيحاء الذي يحمله ذلك النص القرآني ، لا يقف عند حد القتال ، فالقتال ليس إلا مثلا لما تكرهه النفس ، ويكون من ورائه الخير … إن هذا الإيحاء ينطلق في حياة المؤمن كلها ، ويلقي ظلاله على أحداث الحياة جميعها … إن الإنسان لا يدري أين يكون الخير ، وأين يكون الشر …

… وكل إنسان . في تجاربه الخاصة. يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مکروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم . وكم من مطلوب یکاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ؛ ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذا من الله أن فوت عليه هذا المطلوب في حينه، وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطع لفظاعتها ، ثم نظر بعد فترة فإذا هي تنشیء له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل .

إن الإنسان لا يعلم، والله وحده يعلم ، فماذا على الإنسان لو يستسلم؟!

إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية ، لتؤمن، وتسلم ، وتستسلم في أمر الغيب المخبوء بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف …)3(3) تفسير في ظلال القرآن ، الآية (216) من سورة البقرة . .

الآية الثالثة

قوله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾[آل عمران :141-140] وهذه الآيات وما بعدها نزلت في غزوة أحد، وما أصاب المسلمين فيها من الشدة والقرح، والشاهد من هذه الآية آخرها ؛ حيث ذكر الله سبحانه أن من وراء هذه الشدة واللأواء خيرا للمسلمين ؛ وذلك لفوز بعضهم بالشهادة التي هي خير مما يجمعون، كما أن فيها کشفا وتمحیصا للنفوس ، وظهورها على حقيقتها ؛ وفي هذا خیر کثیر .

الحكمة من مداولة الأيام بين الناس

يقول سید قطب رحمه الله تعالی عند هذه الآية:

(إن الشدة بعد الرخاء ، والرخاء بعد الشدة ، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس ، وطبائع القلوب ، ودرجة الغبش فيها والصفاء ، ودرجة الهلع فيها والصبر ، ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط ، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح !

عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن: مؤمنين ومنافقین، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم ، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم ، ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده وهم مختلطون مبهمون ! .

والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين ، والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور ، ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء ، وتجعله واقعا في حياة الناس ، وتحول الإيمان إلى عمل ظاهر ، وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر، ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء ، فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ، ولكن يحاسبهم على وقوعه … ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى ، ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين ، وستارا لقدرته في هلاك المكذبين: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.

والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز. التمحيص عملية تتم في داخل النفس ، وفي مكنون الضمير ، إنها عملية كشف المكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق ، بلا غبش ولا ضباب .

وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه ، ومخابئها ودروبها ومنحنياتها ، وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب ، لا تظهر إلا بمثير !

وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه مداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء ؛ يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير: محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية ، ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص ؛ ثم إذا هو يكشف على ضوء التجربة العملية ، وفي مواجهة الأحداث الواقعية أن في نفسه عقابيل لم تمحص ، وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه ؛ ليعاود المحاولة في سبکها من جديد ، على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة ، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة !

والله سبحانه كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية ، وكان يريد بها أمرا في هذه الأرض فمحصها هذا التمحيص ، الذي تكشفت عنه الأحداث في أحد، لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها ؛ وليتحقق على يديها قدر الله الذي ناطه بها .

﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾…. تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متی استعلن الحق ، وخلص من الشوائب بالتمحيص)4(4) في ظلال القرآن: عند الآية (141) من سورة آل عمران . اه .

ويقول الشيخ محمد رشید رضا رحمه الله عند هذه الآية أيضا:

(… فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى کمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة ، والامتحان بالشدائد العظيمة ؛ فالتجارب والشدائد کتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره ، ثم إنها أيضا تنفي خبثه وزغله . كذلك كان الأمر في أحد ؛ تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين وتطهرت نفوس بعض الضعفاء المؤمنين من کدورتها ؛ فصارت تبرا خالصا ، وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وطمعوا في الغنيمة ، والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون . محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب ، ولا ليكسل ويتواكل ، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات، وتبدیل سنن الله في المخلوقات؛ بل خلق ليكون أكثر الناس جدا في العلم ، وأشدهم محافظة على النواميس والسن)5(5) تفسير المنار : عند الآية (141) من سورة آل عمران . اه.

الآية الرابعة

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام : 12].

الله رحيم بعباده

ومناسبة هذ الآية لموضوعنا هي أن رحمة الله عز وجل بعباده هي الأصل في كل ما يقضيه ويقدره .

يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالی عند هذه الآية:

(فرحمة الله بعباده هي الأصل حتى في ابتلائه لهم أحيانا بالضراء ، فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته ، بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء، وليميز الخبيث من الطيب في الصف ، وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة .. والرحمة في هذا كله ظاهرة …

إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه. حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء التي تزيغ فيها القلوب والأبصار. فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة ، وكل حالة ، وكل وضع، وأن ربه لا يعرضه للابتلاء ؛ لأنه تخلى عنه ، أو طرده من رحمته ، فإن الله لا يطرد من رحمته أحدا يرجوها ، إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله ويرفضون رحمته ويبعدون عنها !

وهذه الطمأنينة إلى رحمة الله تملأ القلب بالثبات والصبر ، وبالرجاء والأمل ، وبالهدوء والراحة… فهو في كنف ودود ، يستروح ظلاله ، ما دام لا يبعد عنه في الشرود !)6(6) في ظلال القرآن : عند الأية 12 من سورة الأنعام . اه.

الآية الخامسة

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11].

حادثة الإفك وما وراء هذا الحدث المؤلم من خير ورحمة

وقد نزلت هذه الآية في تبرئة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها من الإفك المفترى عليها والتهمة الشنيعة التي ألصقت بها ، وذلك بعد رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق (المريسيع) .

وفي هذه الآية يذكر الله عز وجل أن من وراء هذا الحدث المؤلم خيرآ ورحمة ، وإن كان مؤلما للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولعائشة رضي الله عنها ، ولآل أبي بكر وللمسلمين بعامة ، ومن هذا الخير ما ذكره سيد قطب رحمه الله في تفسيره . إذ يقول:

(…. فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف ، وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله ، ويبين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، فهي عندئذ لا تقف عند حد؛ إنما تمضي صعدا إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات ، وتعدم الجماعة كل وقاية ، وكل تحرج ، وكل حياء)7(7) في ظلال القرآن: عند الآية (11) من سورة النور . اه.

وذكر الرازي رحمه الله تعالى في تفسيره بعض جوانب الخير في هذه القصة عند تفسيره لهذه الآية ، فقال:

(ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم تأذى بذلك ، وكذلك أبو بكر ومن يتصل به ، فإن قيل: فمن أي جهة يصير خيرا لهم مع أنه مضرة في العاجل ؟ قلنا: لوجوه:

أحدها : بأنهم صبروا على ذلك الغم طلبا لمرضاة الله تعالی فاستوجبوا به الثواب . وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم .

وثانيها: أنه لولا إظهارهم للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض ، وعند الإظهار انکشف كذب القوم على مر الدهر .

وثالثها : أنه صار خيرا لهم لما فيه من شرفهم ، وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة ، وشهد الله تعالی بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك ، وأوجب عليهم اللعن والذم ، وهذا غاية الشرف والفضل .

ورابعها : صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها ؛ فإن الله تعالی نص على كون تلك الواقعة إفكا وبالغ في شرحه ؛ فكل من يشك فيه كان كافرا قطعا ، وهذه درجة عالية)8(8) تفسير الرازي : الآية (11) سورة النور . اه .

وأختم الحديث حول هذه الآية بلفتة جيدة أثارها المودودي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية ؛ حيث يقول :

(… ومن نواحي الخير في هذا الحادث ، على ما تقدم ، أن المسلمين جميعا علموا به أحسن العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ، وأنه لا يعلم إلا ما يخبره به الله سبحانه وتعالى ، وأن علمه لا يفوق بعد ذلك علم عامة البشر .

فقد ظل إلى شهر كامل يعاني الألم وفجيعة القلب في أمر عائشة ، فيسأل فيها خادم بيتها تارة ، وعليا أخرى ، وأسامة بن زید ثالثة ، وأزواجه رابعة ، وأخيرا يذهب إلى عائشة نفسها ، ولا يقول لها إلا: «إن کنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ،.

فلو أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الغيب فلماذا كان يعاني هذا الألم والقلق والأرق الشديد المديد ، ولماذا يسال في عائشة غيره ويلقنها التوبة ؟ ولكن لما نزل الوحي ، وأحاطه بحقيقة الواقع ؛ علم ما لم يكن يعلم هو ولا غيره من البشر طول شهر كامل .

فهكذا أراد الله تعالى أن ينقذ المسلمين بالتجربة والمشاهدة المباشرة من الغلو في شخص مقتداهم ومرشدهم .

وليس من البعيد أن يكون هذا من المصالح التي لأجلها حبس الله سبحانه وتعالى وحيه عن رسوله إلى شهر كامل . ولو أنه أنزل عليه الوحي يوم وقع هذا الحادث ، لما رجع على المسلمين بهذه الفائدة العظيمة)9(9) تفسير سورة النور للمودودي ص 126 . اه.

الهوامش

(1) الفوائد ص 93-91 .

(2) تفسير المنار (لمحمد رشيد رضا) عند الآية (19) من سورة النساء .

(3) تفسير في ظلال القرآن ، الآية (216) من سورة البقرة .

(4) في ظلال القرآن: عند الآية (141) من سورة آل عمران .

(5) تفسير المنار : عند الآية (141) من سورة آل عمران .

(6) في ظلال القرآن : عند الأية 12 من سورة الأنعام .

(7) في ظلال القرآن : عند الآية (11) من سورة النور .

(8) تفسير الرازي : الآية (11) سورة النور .

(9) تفسير سورة النور للمودودي ص 126 .

اقرأ أيضا

“لا تحسبوه شراً لكم” .. سنة جارية

“لا تحسبوه شراً لكم” .. طمأنينة وسلامة قلب

“لا تحسبوه شراً لكم” .. حِلم وأناة وموازين رباينة

“لا تحسبوه شراً لكم” .. قصص ومواقف

 

التعليقات معطلة.