زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

أنزل الله تبارك وتعالى القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، وقد ضمن في هذا الكتاب الهدى والشفاء، لأوليائه المؤمنين خاصة وللناس عامة، موعظة وإنذاراً.

عموم الموعظة

المؤمنون وحدهم هم الذين ينتفعون بمواعظ القرآن ، ومن سواهم فهو عليهم عمى؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:44].

ومن بين مواعظ القرآن العظيمة ما ذكره سبحانه وتعالى في سورة سبأ، عن محاجة المشركين الذي كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورموه بالسحر تارة وبالجنون تارة أخرى: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46].

وهذه الآية وإن كانت موجهة إلى المشركين الذين رموا الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو منه براء إما لجهل أو لهوى، فإنها تخاطب جميع المشركين في كل زمان ومكان ، بل جميع المختلفين في قضايا هذا الدين: أصوله وفروعه، وترسم منهجا لحل خلافاتهم ، وتضع أصولا لحواراتهم ، وتخط لهم صراطا مستقيما من وحي كتاب الله العظيم ، والذي من سار عليه واتبعه وصل إلى الحق والهدى ، ومن تنكبه واتبع هواه ضل طريقه ، وإن واصل السعي بالليل والنهار .

تفسير الآية

أقام الله عز وجل هذه الموعظة العظيمة التي من أخذها بجميع مقوماتها فلابد أن يصل إلى الحق ؛ وهي في الآية: كون النبي صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله عز وجل ، ونذيرا لهم بين يدي عذاب شديد ، وليس كما يزعمون ويرددون دون وعي أو نظر بأنه ساحر أو كاذب أو مجنون ﴿مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في (تفسير الكريم المنان) في تفسيره لهذه الآية:

(أي أعظكم بخصلة واحدة أشير عليكم بها وأنصح لكم في سلوكها ، وهي طريق نصف ، لست أدعوكم إلى اتباع قولي ولا إلى ترك قولكم من دون موجب لذلك ؛ وهي ﴿أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾ أي تنهضوا بهمة ونشاط وقصد لاتباع الصواب وإخلاص لله عز وجل، مجتمعين ومتباحثين في ذلك ومتناظرين ، وفرادی كل واحد يخاطب نفسه بذلك ، فإذا قمتم لله مثنى وفرادی واستعملتم فکرکم ، وأجلتموه ، وتدبرتم أحوال رسولكم ، هل هو مجنون فيه صفات المجانين؛ من كلامه، وهيئته ووصفه ، أم هو نبي صادق منذر لكم ؟.

فلو قبلوا هذه الموعظة واستعملوها لتبين لهم أكثر من غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون ؛ لأن هيئته ليست کهيئة المجانين في خنقهم واختلاجهم .. فكل من رأى أحواله وقصده استعلام هل هو رسول الله أم لا؟ سواء تفکر وحده أو مع غيره ؛ جزم بأنه رسول الله حقا وتبين صدقه)11- تفسير الكريم المنان ، عند الآية 46 من سورة سبأ ..

وقال سيد قطب – رحمه الله تعالی۔ حول ظلال هذه الآية :

(وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق ، ومعرفة الافتراء من الصدق ، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ، إنها دعوة إلى القيام لله عز وجل بعيدا عن الهوى، بعيدا عن المصلحة ، بعيدا عن ملابسات الأرض ، بعيدا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب ، فتبعد به عن الله ، بعيدا عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة والمؤثرات الشائعة في الجماعة.

دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط لا مع القضايا والدعاوي الرائجة ولا مع العبارات المطاطة التي تبعد القلب والعقل عن مواجهة الحقيقة في بساطتها ، دعوة إلى منطق الفطرة الهادي الصافي بعيدا عن الضجيج ، والخلط، واللبس ، والرؤية المضطربة ، والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة ، وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة ، منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات ، وعلى مراقبة الله عز وجل وتقواه .

وهي واحدة ؟ إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق: القيام لله ، لا لغرض ، ولا لهوى، ولا لمصلحة، ولا لنتيجة ، التجرد، الخلوص، ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون.

﴿أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾ مثنى ليراجع أحدهما الآخر، ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء ، وفرادی مع النفس وجها لوجه في تمحيص هادئ عميق .

﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾ فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر والرزانة، وما يقول شيئا يدعو إلى التظنن بعقله ورشده، إن هو إلا القول المحكم القوي المبين)22- في ظلال القرآن ، عند الآية 46 من سورة سبأ..

المقومات والشروط

القيام لله تعالى، والتجرد في طلب الحق

الشرط الأول: ﴿أَن تَقُومُوا لِلَّهِ﴾

إن هذا الشرط هو الأساس لكل عمل ، وبدونه يفسد العمل ، ولا يوفق فيه صاحبه ، ولا يبارك له فيه ، فالقيام لله عز وجل هو المنطلق لصحة العمل إذا اقترن ذلك بالمتابعة فيه للرسول صلى الله عليه وسلم .

فالإخلاص في البحث عن الحق ، والصدق في طلبه، شرط أساسي للوصول إلى ذلك الحق ، وعندما يغيب الإخلاص ينعدم الانقياد إلى الحق، حتى ولو كان مثل فلق الصبح ؛ لأن من تعلق قصده بغير وجه ربه عز وجل ثقل عليه الانقياد للحق ، وقصرت همته عن بلوغه والعمل به .

فوجب على من أراد معرفة وجه الحق في أي أمر أن يخلص قصده ونيته لله عز وجل ، وأن يتجرد لاتباع الحق عند ظهوره ، ولو على لسان مخالفه ، وأن يعلم أن الرجوع إلى الحق خیر من التمادي في الباطل .

ولكن قد يكتنف القائم لله عز وجل بعض الملابسات والظروف التي قد تغطي الحق أو تلبسه بالباطل ، فيقبل به ظانا أنه الحق ، وذلك بسبب بعض الظروف المحيطة به ، لذلك فإنه لا مناص من توفر باقي الشروط للانتفاع بموعظة الله عز وجل ومنهجه السوي في الوصول إلى الحق المنشود، وذلك من :

مراجعة النفس والخلوة بها أو مع شخص ثانٍ

الشرط الثاني: ﴿مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾

والالتزام بهذا الشرط يقضي على عامل مهم من العوامل التي تغطي الحق أو تشوه وجهه ، وذلك في مثل الأجواء الجماعية والجماهير الجاهلة ، والتي غالبا ما تتصف بالغوغائية والتقليد الأعمى ، واتباع كل ناعق من رؤوس الضلال ، مما قد يؤدي بطالب الحق المخلص إلى اتباع الأكثرية من الناس متهما نفسه ، ظانا أن الحق مع الأكثرية ، دون أن يدري أن هذه الحركة الغوغائية قد غطت الحق ، وضیعت معالمه ، فاشتبه مع غيره ، خاصة عند من قلت بصیرته، وقل نصيبه من هدى الله عز وجل ، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا ما حدث من اتهام قریش للرسول صلى الله عليه وسلم بشكل جماهيري غوغائی ، وقولهم ساحر وكاهن ومجنون … إلخ.

فوعظهم الله عز وجل أن يقوموا لله ويخلصوا وجوههم له ، ويبتعدوا عن هذه الأجواء ، ويرجعوا إلى أنفسهم ، حيث يقف الإنسان مع نفسه أو مع صاحبه ، ويصحب ذلك التفكير العميق والتدبر لحال الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلابد أن يصلوا إلى الحق والهدى، وهو ما جاء في ختام الآية ﴿مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.

ونخرج من هذه الآية بفائدة ، وهي أن القاصد للحق أو الباحث في مسألة خلافية . كبيرة أو صغيرة. عليه أن يتجنب المناظرة في جو جماعي ، لأن المناظر يكون أقرب إلى ترك رأيه إذا تبين أن الحق في خلافه إذا كان التفكير مع شخص واحد ، بخلاف حال الجماعة ، فقد يعز عليه الاعتراف بالخطأ أمام مؤيديه أو مخالفيه المجتمعين حوله ، والله تعالی علیم بمسارب نفوس خلقه ، خبير بطبائعهم ، فلذلك وعظهم موعظة من يعلم حالهم ، ويعلم ما يصلحهم ويهديهم إلى صراطه المستقيم ، ومنهجه القويم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

التفكر فيما يقوله المخالف

الشرط الثالث : ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾

وهذا الشرط هو الوسيلة الأساسية للوصول إلى الحق بعد الالتزام بالشرطين السابقين ؛ فالتفكير ، والعلم ، وإعمال الرأي هو المتمم لهذا المنهج الإلهي للوصول إلى الحق وتبين الهدى من الضلال .

وهذا الشرط يقودنا إلى قضية هامة ؛ ألا وهي قضية العلم الشرعي ، ومعرفة دين الله عز وجل ، وإقامة الدليل والبرهان على ما يعتقد أنه الحق ، وإذا كان الكفار الذين خوطبوا مباشرة بهذه الآية ، ووجهت إليهم هذه الموعظة العظيمة ما كان عندهم علم شرعي ، وليس عندهم الدليل فيما يعتقدونه ، فلذلك كان المطلوب منهم التفكير بحال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإقامة الدليل على ما يتهمونه به .

فإذا كان الأمر بالتفكير مع الكفار بهذه الصورة ؛ فإن الأمر بالنسبة لطالب الحق في المسائل الشرعية والعقائدية والفكرية آكد ؛ حیث لابد أن يكون مؤهلا من الناحية العلمية لبحث هذه المسألة ، ودراسة أوجه الخلاف حولها ، وإلا لم يكن للتفكير فائدة، كمن يحارب بغیر سلاح ولا عدة ، وقد كان عند كفار مكة من العلم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته ، وصدقه ، وأمانته ما يكفي ، ولو أنهم فكروا في ذلك لقادهم ذلك إلى الإذعان والانقياد للحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الحال لكل المختلفين أو المتناظرين إذا لم يكن لديهم علم بما يختلفون فيه ؛ فإنه لا فائدة من التفكير ؛ لأن أداة التفكير الأساسية هي العلم بحال القضية المختلف فيها .

فالمتتبع لمنهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله وحده ، يجد أن أكثرهم قد وقف مع قومه موقف المناظرة وإقامة الحجة والنصح ، وتبيين الحق من الباطل ، والصبر على ذلك ، مع شدة رفضهم للحق وعنادهم وتعنتهم ، ولكن مهمة البلاغ والدعوة إلى الله عز وجل تستلزم شيئا من ضبط النفس والتحمل حتى يتم البلاغ على أكمل وجه .

الهوامش

1- تفسير الكريم المنان ، عند الآية 46 من سورة سبأ .

2- في ظلال القرآن ، عند الآية 46 من سورة سبأ.

المصدر

كتاب: “وإذا قلتم فاعدلوا” للشيخ عبد العزيز الجليل، ص56-70 بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

فضل التفكر والحث عليه

بدايـة الطّريــق

الخطاب القرآني .. والدليل العقلى

 

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية