حقائق وعبر ودروس في ظلال غزوة أحد (2)

زمن القراءة ~ 9 دقيقة 

الجمع بين الإعداد والاستعداد للمعركة الحربية؛ وبين تطهير النفوس ونظافة القلوب والسيطرة على الأهواء والشهوات وإشاعة الود والسماحة في الجماعة.. فكلها قريب من قريب..

كان الحديث في الحلقة السابقة عن بعض الدروس والعبر من غزوة أحد [حقائق وعبر ودروس في ظلال غزوة أحد(1)] ، وفي هذه الحلقة نستكمل بعض هذه الحقائق والعبر والدروس.

الدرس الثالث: من أسباب النصر

وقبل أن يدخل السياق في صميم الاستعراض للمعركة- معركة أحد- والتعقيبات على وقائعها وأحداثها.. تجيء التوجيهات المتعلقة بالمعركة الكبرى، التي ألمعنا في مقدمة الحديث إليها [مقدمة ووقائع غزوة أحد] . المعركة في أعماق النفس وفي محيط الحياة.. يجيء الحديث عن الربا والمعاملات الربوية وعن تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله.

وعن الإنفاق في السراء والضراء والنظام التعاوني الكريم المقابل للنظام الربوي الملعون.

وعن كظم الغيظ والعفو عن الناس وإشاعة الحسنى في الجماعة.

وعن الاستغفار من الذنب والرجوع إلى الله وعدم الإصرار على الخطيئة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران:130-136].

الوحدة والشمول في منهج الله وهيمنته على الكينونة البشرية

تجيء هذه التوجيهات كلها قبل الدخول في سياق المعركة الحربية؛ لتشير إلى خاصية من خواص هذه العقيدة:

الوحدة والشمول في مواجهة هذه العقيدة للكينونة البشرية ونشاطها كله؛ ورده كله إلى محور واحد: محور العبادة لله والعبودية له والتوجه إليه بالأمر كله. والوحدة والشمول في منهج الله وهيمنته على الكينونة البشرية في كل حال من أحوالها وفي كل شأن من شؤونها وفي كل جانب من جوانب نشاطها. ثم تشير تلك التوجيهات بتجمعها هذا إلى الترابط بين كل ألوان النشاط الإنساني؛ وتأثير هذا الترابط في النتائج الأخيرة لسعي الإنسان كله كما أسلفنا.

والمنهج الإسلامي يأخذ النفس من أقطارها وينظم حياة الجماعة جملة لا تفاريق. ومن ثم هذا الجمع بين الإعداد والاستعداد للمعركة الحربية؛ وبين تطهير النفوس ونظافة القلوب والسيطرة على الأهواء والشهوات وإشاعة الود والسماحة في الجماعة.. فكلها قريب من قريب.. وحين نستعرض بالتفصيل كل سمة من هذه السمات وكل توجيه من هذه التوجيهات يتبين لنا ارتباطها الوثيق بحياة الجماعة المسلمة وبكل مقدراتها في ميدان المعركة وفي سائر ميادين الحياة!

لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

ولقد سبق الحديث عن الربا والنظام الربوي بالتفصيل في الجزء الثالث من هذه الظلال فلا نكرر الحديث عنه هنا.. ولكن نقف عند الأضعاف المضاعفة. فإن قومًا يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص ويتداروا به ليقولوا: إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة. أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة.. فليست أضعافًا مضاعفة. وليست داخلة في نطاق التحريم!

ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع، وليست شرطًا يتعلق به الحكم. والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا- بلا تحديد ولا تقييد: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) أيًا كان!

فإذا انتهينا من تقرير المبدأ فرغنا لهذا الوصف لنقول: أنه في الحقيقة ليس وصفًا تاريخيًا فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعة في الجزيرة والتي قصد إليها النهي هنا بالذات. إنما هو وصف ملازم للنظام الربوي المقيت أيًا كان سعر الفائدة.

إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة. ومعنى هذا أن العمليات الربوية ليست عمليات مفردة ولا بسيطة. فهي عمليات متكررة من ناحية، ومركبة من ناحية أخرى. فهي تنشئ مع الزمن والتكرار والتركيب أضعافًا مضاعفة بلا جدال.

إن النظام الربوي يحقق بطبيعته دائمًا هذا الوصف. فليس هو مقصورًا على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب. إنما هو وصف ملازم للنظام في كل زمان.

ومن شأن هذا النظام أن يفسد الحياة النفسية والخلقية كما أن من شأنه أن يفسد الحياة الاقتصادية والسياسية ومن ثم تتبين علاقته بحياة الأمة كلها وتأثيره في مصائرها جميعًا.

والإسلام- وهو ينشئ الأمة المسلمة- كان يريد لها نظافة الحياة النفسية والخلقية، كما كان يريد لها سلامة الحياة الاقتصادية والسياسية. وأثر هذا وذاك في نتائج المعارك التي تخوضها الأمة معروف. فالنهي عن أكل الربا في سياق التعقيب على المعركة الحربية أمر يبدو إذن مفهومًا في هذا المنهج الشامل البصير..

 الإيمان والنظام الربوي لا يجتمعان

أما التعقيب على هذا النهي بالأمر بتقوى الله رجاء الفلاح؛ واتقاء النار التي أعدت للكافرين.. أما التعقيب بهاتين اللمستين فمفهوم كذلك؛ وهو أنسب تعقيب:

إنه لا يأكل الربا إنسان يتقي الله ويخاف النار التي أعدت للكافرين.. ولا يأكل الربا إنسان يؤمن بالله، ويعزل نفسه من صفوف الكافرين.. والإيمان ليس كلمة تقال باللسان؛ إنما هو اتباع للمنهج الذي جعله الله ترجمة عملية واقعية لهذا الإيمان. وجعل الإيمان مقدمة لتحقيقه في الحياة الواقعية وتكييف حياة المجتمع وفق مقتضياته.

ومحال أن يجتمع إيمان ونظام ربوي في مكان. وحيثما قام النظام الربوي فهناك الخروج من هذا الدين جملة؛ وهناك النار التي أعدت للكافرين! والمماحكة في هذا الأمر لا تخرج عن كونها مماحكة.. والجمع في هذه الآيات بين النهي عن أكل الربا والدعوة إلى تقوى الله وإلى اتقاء النار التي أعدت للكافرين ليس عبثًا ولا مصادفة. إنما هو لتقرير هذه الحقيقة وتعميقها في تصورات المسلمين.

الأمر العام بالطاعة لله والرسول

ثم يجيء التوكيد الأخير: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

وهو أمر عام بالطاعة لله والرسول، وتعليق الرحمة بهذه الطاعة العامة. ولكن للتعقيب به على النهي عن الربا دلالة خاصة. هي أنه لا طاعة لله وللرسول في مجتمع يقوم على النظام الربوي؛ ولا طاعة لله وللرسول في قلب يأكل الربا في صورة من صوره.

وهكذا يكون ذلك التعقيب توكيدًا بعد توكيد.

وذلك فوق العلاقة الخاصة بين أحداث المعركة التي خولف فيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأمر بالطاعة لله وللرسول، بوصفها وسيلة الفلاح وموضع الرجاء فيه..

فبعد النهي عن أكل الربا والتحذير من النار التي أعدت للكافرين، والدعوة إلى التقوى رجاء الرحمة والفلاح.. بعد هذا يجيء الأمر بالمسارعة إلى المغفرة؛ وإلى جنة عرضها السماوات والأرض (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).. ثم يكون الوصف الأول للمتقين هو: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)- فهم الفريق المقابل للذين يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة- ثم تجيء بقية الصفات والسمات: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

والتعبير هنا يصور أداء هذه الطاعات في صورة حسية حركية.. يصوره سباقًا إلى هدف أو جائزة تنال: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)..

(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ).. سارعوا فهي هناك: المغفرة والجنة.. (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)

من صفات المتقين

ثم يأخذ في بيان صفات المتقين: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ).

فهم ثابتون على البذل، ماضون على النهج، لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء. السراء لا تبطرهم فتلهيهم. والضراء لا تضجرهم فتنسيهم. إنما هو الشعور بالواجب في كل حال؛ والتحرر من الشح والحرص؛ ومراقبة الله وتقواه.. وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها المحبة للمال بفطرتها.. ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال إلا دافع أقوى من شهوة المال وربقة الحرص وثقلة الشح.. دافع التقوى. ذلك الشعور اللطيف العميق الذي تشف به الروح وتخلص وتنطلق من القيود والأغلال..

ولعل للتنويه بهذه الصفة مناسبة خاصة كذلك في جو هذه المعركة. فنحن نرى الحديث عن الإنفاق يتكرر فيها كما نرى التنديد بالممتنعين والمانعين للبذل- كما سيأتي في السياق القرآني- مكررًا كذلك. مما يشير إلى ملابسات خاصة في جو الغزوة وموقف بعض الفئات من الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله.

وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ

كذلك تعمل التقوى في هذا الحقل، بنفس البواعث ونفس المؤثرات.

فالغيظ انفعال بشري تصاحبه أو تلاحقه فورة في الدم؛ فهو إحدى دفعات التكوين البشري وإحدى ضروراته. وما يغلبه الإنسان إلا بتلك الشفافية اللطيفة المنبعثة من إشراق التقوى؛ وإلا بتلك القوة الروحية المنبثقة من التطلع إلى أفق أعلى وأوسع من آفاق الذات والضرورات.

وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى. وهي وحدها لا تكفي. فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضطغن؛ فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة؛ ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين.. وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن.. لذلك يستمر النص ليقرر النهاية الطليقة لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين.. إنها العفو والسماحة والانطلاق..

إن الغيظ وقر على النفس حين تكظمه؛ وشواظ يلفح القلب؛ ودخان يغشى الضمير.. فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب فهو الانطلاق من ذلك الوقر والرفرفة في آفاق النور والبرد في القلب والسلام في الضمير.

وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

والذين يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون. والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون.. والله (يُحِبُّ) المحسنين.. والحب هنا هو التعبير الودود الحاني المشرق المنير الذي يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء الكريم..

ومن حب الله للإحسان وللمحسنين، ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه. وتنبثق الرغبة الدافعة في هذه القلوب.. فليس هو مجرد التعبير الموحي، ولكنها الحقيقة كذلك وراء التعبير!

والجماعة التي يحبها الله وتحب الله.. والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان.. هي جماعة متضامة وجماعة متآخية وجماعة قوية. ومن ثم علاقة هذا التوجيه بالمعركة في الميدان والمعركة في الحياة على السواء في هذا السياق!

سماحة هذا الدين ورحمته بالبشر

ثم ننتقل إلى صفة أخرى من صفات المتقين: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

يا لسماحة هذا الدين! إن الله سبحانه لا يدعو الناس إلى السماحة فيما بينهم حتى يطلعهم على جانب من سماحته- سبحانه وتعالى- معهم. ليتذوقوا ويتعلموا ويقتبسوا:

إن المتقين في أعلى مراتب المؤمنين.. ولكن سماحة هذا الدين ورحمته بالبشر تسلك في عداد المتقين (َالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ).. والفاحشة أبشع الذنوب وأكبرها. ولكن سماحة هذا الدين لا تطرد من يهوون إليها من رحمة الله. ولا تجعلهم في ذيل القافلة.. قافلة المؤمنين.. إنما ترتفع بهم إلى أعلى مرتبة.. مرتبة {المتقين}.. على شرط واحد. شرط يكشف عن طبيعة هذا الدين ووجهته.. أن يذكروا الله فيستغفروا لذنوبهم وألا يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أنه الخطيئة وألا يتبجحوا بالمعصية في غير تحرج ولا حياء.. وبعبارة أخرى أن يكونوا في إطار العبودية لله والاستسلام له في النهاية.

فيظلوا في كنف الله وفي محيط عفوه ورحمته وفضله.

رحمة هذا الدين بالإنسان حين يخطئ

إن هذا الدين ليدرك ضعف هذا المخلوق البشري الذي تهبط به ثقلة الجسد أحيانًا إلى درك الفاحشة وتهيج به فورة اللحم والدم فينزو نزوة الحيوان في حمى الشهوة وتدفعه نزواته وشهواته وأطماعه ورغباته إلى المخالفة عن أمر الله في حمى الاندفاع. يدرك ضعفه هذا فلا يقسو عليه ولا يبادر إلى طرده من رحمة الله حين يظلم نفسه. حين يرتكب الفاحشة.. المعصية الكبيرة.. وحسبه أن شعلة الإيمان ما تزال في روحه لم تنطفئ وأن نداوة الإيمان ما تزال في قلبه لم تجف وأن صلته بالله ما تزال حية لم تذبل وأنه يعرف أنه عبد يخطئ وأن له ربًا يغفر.. وإذن فما يزال هذا المخلوق الضعيف الخاطئ المذنب بخير.. أنه سائر في الدرب لم ينقطع به الطريق ممسك بالعروة لم ينقطع به الحبل فليعثر ما شاء له ضعفه أن يعثر. فهو واصل في النهاية ما دامت الشعلة معه والحبل في يده. ما دام يذكر الله ولا ينساه ويستغفره ويقر بالعبودية له ولا يتبجح بمعصيته.

الإسلام يفتح باب التوبة .. ولكن لمن؟

إنه لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف الضال باب التوبة ولا يلقيه منبوذًا حائرًا في التيه! ولا يدعه مطرودًا خائفًا من المآب.. أنه يطمعه في المغفرة ويدله على الطريق ويأخذ بيده المرتعشة ويسند خطوته المتعثرة وينير له الطريق ليفيء إلى الحمى الآمن ويثوب إلى الكنف الأمين.

شيء واحد يتطلبه: ألا يجف قلبه وتظلم روحه فينسى الله.. وما دام يذكر الله. ما دام في روحه ذلك المشعل الهادي. ما دام في ضميره ذلك الهاتف الحادي. ما دام في قلبه ذلك الندى البليل.. فسيطلع النور في روحه من جديد وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد وستنبت البذرة الهامدة من جديد.

إن طفلك الذي يخطئ ويعرف أن السوط- لا سواه- في الدار.. سيروح آبقًا شاردًا لا يثوب إلى الدار أبدًا. فأما إذا كان يعلم أن إلى جانب السوط يدًا حانية تربت على ضعفه حين يعتذر من الذنب وتقبل عذره حين يستغفر من الخطيئة.. فإنه سيعود!

وهكذا يأخذ الإسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه.. فإنه يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة وبجانب الثقلة رفرفة وبجانب النزوة الحيوانية أشواقًا ربانية.. فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود ويربت عليه في لحظة العثرة ليحلق به إلى الأفق من جديد. ما دام يذكر الله ولا ينساه ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة».

الإسلام يفتح باب الرجاء ويقيل العثرات

والإسلام لا يدعو- بهذا- إلى الترخص ولا يمجد العاثر الهابط ولا يهتف له بجمال المستنقع! كما تهتف الواقعية! إنما هو يقيل عثرة الضعف ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء كما يستجيش فيها الحياء! فالمغفرة من الله- ومن يغفر الذنوب إلا الله؟- تخجل ولا تطمع وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار.

فأما الذين يستهترون ويصرون فهم هنالك خارج الأسوار موصدة في وجوههم الأسوار!

وهكذا يجمع الإسلام بين الهتاف للبشرية إلى الآفاق العلى والرحمة بهذه البشرية التي يعلم طاقتها. ويفتح أمامها باب الرجاء أبدًا ويأخذ بيدها إلى أقصى طاقتها.

هؤلاء المتقون ما لهم؟

(أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).

فهم ليسوا سلبيين بالاستغفار من المعصية. كما أنهم ليسوا سلبيين بالإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس.. إنما هم عاملون.

(وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).. المغفرة من ربهم، والجنة تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب الله.. فهنالك عمل في أغوار النفس وهنالك عمل في ظاهر الحياة. وكلاهما عمل وكلاهما حركة وكلاهما نماء.

الانتصار على الخطيئة والرجعة مقدمة للانتصار على الأعداء في المعركة

وهنالك الصلة بين هذه السمات كلها وبين معركة الميدان التي يتعقبها السياق.. وكما أن للنظام الربوي- أو النظام التعاوني- أثره في حياة الجماعة المسلمة وعلاقته بالمعركة في الميدان، فكذلك لهذه السمات النفسية والجماعية أثرها الذي أشرنا إليه في مطلع الحديث.. فالانتصار على الشح والانتصار على الغيظ والانتصار على الخطيئة والرجعة إلى الله وطلب مغفرته ورضاه.. كلها ضرورية للانتصار على الأعداء في المعركة. وهم إنما كانوا أعداء لأنهم يمثلون الشح والهوى والخطيئة والتبجح! وهم إنما كانوا أعداء لأنهم لا يُخضعون ذواتهم وشهواتهم ونظام حياتهم لله ومنهجه وشريعته. ففي هذا تكون العداوة وفي هذا تكون المعركة وفي هذا يكون الجهاد. وليس هنالك أسباب أخرى يعادي فيها المسلم ويعارك ويجاهد. فهو إنما يعادي لله ويعارك لله ويجاهد لله! فالصلة وثيقة بين هذه التوجيهات كلها وبين استعراض المعركة في هذا السياق.. كما أن الصلة وثيقة بينها وبين الملابسات الخاصة التي صاحبت هذه المعركة. من مخالفة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن طمع في الغنيمة نشأت عنه المخالفة. ومن اعتزاز بالذات والهوى نشأ عنه تخلف عبد الله ابن أبيّ ومن معه. ومن ضعف بالذنب نشأ عنه تولي من تولى- كما سيرد في السياق- ومن غبش في التصور نشأ عنه عدم رد الأمور إلى الله، وسؤال بعضهم: {هل لنا من الأمر من شيء}؟ وقول بعضهم: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا}.

والقرآن يتناول هذه الملابسات كلها، واحدة واحدة، فيجلوها، ويقرر الحقائق فيها، ويلمس النفوس لمسات موحية تستجيشها وتحييها.. على هذا النحو الفريد الذي نرى نماذج منه في هذا السياق.

المصدر

“في ظلال القرآن”.

اقرأ أيضا

غزوة بدر الكبرى.. وقفات وتأملات

لماذا يتأخر النصر ومن يستأهله؟

من بشائر النصر في اللحظات الحرجة .. مواجهة التتار والصليبيين

من بشائر النصر في اللحظات الحرجة .. يوم الأحزاب

1 1 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments