بعض مشاهد النبأ العظيم (2-2)

زمن القراءة ~ 13 دقيقة 

الموقن بذلك اليوم يسعى جهده في وقت المهلة إلى أن يكون من الغابنين الفائزين مع أهل الحق وأنصار الحق المفلحين ، وينأى بنفسه عن مصير الخاسرين المغبونين من أهل الباطل الصادين عن الحق ، والمفسدين في الأرض.

كلما كان للمسمى شأن عظيم كثرت أسماؤه

لقد ورد في القرآن الكريم عدة أوصاف ومشاهد لنبأ الآخرة العظيم حريٌّ بالمسلم الموقن بالرجوع إلى الله عز وجل أن يقف طويلاً عندها ، عَلَّ القلوب أن ترق وتنيب ، وعلَّ الجوارح أن تنقاد لربها بالعمل الصالح؛ حتى تحصل لها رحمة الله عز وجل التي ينجي الله بها من شاء من عباده من شر ذلك اليوم ومشاهده العظيمة . ومن أوصاف هذا اليوم ما ذكرناه في مقال سابق [بعض مشاهد النبأ العظيم (1-2)] ونكمل في هذا المقال بعون الله هذه الأوصاف:

5 ـ يوم التغابن

قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) (التغابن: 9)، قال السعدي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (يعني: اذكروا يوم الجمع الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ، ويقفهم موقفاً هائلاً عظيماً ، وينبئهم بما عملوا ، فحينئذ ، يظهر الفرق والتغابن بين الخلائق ، ويُرفع أقوام إلى أعلى عليين ، في الغرف العاليات ، والمنازل المرتفعات ، المشتملة على جميع اللذات والشهوات ، ويُخفض أقوام إلى أسفل سافلين ، محل الهم والغم ، والحزن والعذاب الشديد.

وذلك نتيجة ما قدموه لأنفسهم ، وأسلفوه أيام حياتهم ، ولهذا قال: (ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) .أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق ، ويغبن المؤمنون الفاسقين ، ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء، وأنهم هم الخاسرون)1(1) تفسير السعدي عند الآية ( 9 ) من سورة التغابن .اهـ.

وقال القرطبي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (قال المفسرون: فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة ، ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان ، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام . قال الزجاج : ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة من كان دون منزلته .

فإن قيل: فأيُّ معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها ؟ قيل له : هو تمثيل الغبن في الشراء والبيع ؛ كما قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) (البقرة:16) ، ولما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى، وما ربحوا في تجارتهم ، بل خسروا ، ذكر أيضاً أنهم غُبنوا ؛ وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا ، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة ، وهذا نوع مبادلة اتساعاً ومجازاً .

وقد فرق الله سبحانه وتعالى الخلق فريقين: فريقاً للجنة، وفريقاً للنار. ومنازل الكل موضوعة في الجنة والنار ، فقد يسبق الخذلان على العبد ـ كما بيناه في هذه السورة وغيرها ـ فيكون من أهل النار ، فيحصل الموفق على منزل المخذول ، ومنزل الموفق في النار للمخذول ، فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن. والأمثال موضوعة للبيان في حكم اللغة والقرآن ، وذلك كله مجموع من نشر الآثار ، وقد جاءت مفرَّقة في هذا الكتاب .

وقد يخبر عن هذا التبادل بالوراثة كما بيناه في (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) ، والله أعلم .

وقد يقع التغابن في غير ذلك اليوم على ما يأتي بيانه بعد ؛ ولكنه أراد التغابن الذي لا جبران لنهايته . وقال الحسن وقتادة : بلغنا أن التغابن في ثلاثة أصناف : رجل علم علماً فعلّمه وضيّعه هو ولم يعمل به فشقي به ، وعمل به من تعلمه منه فنجا به . ورجل اكتسب مالاً من وجوه يُسأل عنها وشح عليه ، وفرط في طاعة ربه بسببه ، ولم يعمل فيه خيراً ، وتركه لوارث لا حساب عليه فيه ؛ فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه . ورجل كان له عبد فعمل العبد بطاعة ربه فسعد ، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي)2(2) تفسير القرطبي عند الآية ( 9 ) من سورة التغابن . اهـ.

ويتضح من أقوال المفسرين أن التغابن مفاعلة من الغبن ، وذلك بوجود طرفين متقابلين : أحدهما غابن رابح مغبوط، والآخر خاسر مغبون. ونحن نرى أثر الغبن على أهله في الدنيا ، وهي تجارات فانية ولها عوض ، فكيف بالغبن الأعظم والخسارة الكبرى عندما يرى أهلُ النار أهل الجنة وقد فازوا برضوان الله والنعيم المقيم ، فيالها من حسرة ، ويالها من خسارة ما أعظمها !!

والموقن بذلك اليوم يسعى جهده في وقت المهلة إلى أن يكون من الغابنين الفائزين مع أهل الحق وأنصار الحق المفلحين ، وينأى بنفسه عن مصير الخاسرين المغبونين من أهل الباطل الصادين عن الحق ، والمفسدين في الأرض.

وقد أنعم الله سبحانه علينا بنعم عظيمة ؛ لنستعين بها على طاعة الله عز وجل ومرضاته ، ومن أعظمها نعمتا : الصحة والفراغ اللتان أخبر عنهما النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ)3(3) البخاري ك / الرقاق ( 4612 ) . ، ويشرح الحديث الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى فيقول: (قال ابن بطال: معنى الحديث: أن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكفياً صحيح البدن ، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه ، ومن شكره: امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، فمن فرط في ذلك فهو المغبون . وأشار بقوله (كثير من الناس) إلى أن الذي يوفق لذلك قليل .

وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش ، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً ، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون. وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة ، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون ؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل ، والصحة يعقبها السقم ، ولو لم يكن إلا الهرم ، كما قيل :

يسر الفتى طول السلامة والبقا      فكيف ترى طول السلامة يفعل

رد الفتى بعد اعتدال وصحة        ينوء إذا رام القيام ويحمل

وقال الطيبي: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للمكلف مثلاً بالتاجر الذي له رأس مال ، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال ، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله ، ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن ، فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان ، ومجاهدة النفس وعدو الدين؛ ليربح خيري الدنيا والآخرة .

وقريب منه قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الآيات ، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان ؛ لئلا يضيع رأس ماله مع الربح .

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (مغبون فيهما كثير من الناس) كقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) ، فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية.

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في أول نعمة الله على العبد فقيل: الإيمان، وقيل: الحياة ، وقيل: الصحة. والأول أولى فإنه نعمة مطلقة ، وأما الحياة والصحة فإنهما نعمة دنيوية ، ولا تكون نعمة حقيقة إلا إذا صاحبت الإيمان وحينئذ يغبن فيها كثير من الناس، أي يذهب ربحهم أو ينقص ، فمن استرسل مع نفسه الأمارة بالسوء الخالدة إلى الراحة ، فترك المحافظة على الحدود والمواظبة على الطاعة ، فقد غبن ، وكذلك إذا كان فارغاً ؛ فإن المشغول قد يكون له معذرة بخلاف الفارغ ، فإنه يرتفع عنه المعذرة ، وتقوم عليه الحجة)4(4) فتح الباري ( 11 / 234 ) ..

نسأله سبحانه أن يجعلنا يوم التغابن من الغابنين الفائزين ، كما نسأله عز وجل أن يجعلنا ممن طال عمره وحسن عمله ، وتزود من الفانية للباقية، ومن الممر إلى المستقر .

6 ـ تخاصم أهل النار

وهذا التخاصم من أعظم المشاهد حسرة في يوم النبأ العظيم ، يوم يكفر الظالمون بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضاً .

وقد ورد في أكثر من موطن في القرآن الكريم وصف لتلك المشاهد المخزية ، ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم ، رحمة بعباده ما داموا في دار الدنيا وزمن المهلة ، حتى يتقوا هذه المواقف التي ملؤها الحسرة والندامة.

وقد ورد هذا التخاصم والتحاجج بين أهل النار في موطنين من مواطن يوم القيامة ، موطن قبل دخولهم النار ، وهم موقوفون بين يدي ربهم سبحانه ، وموقف بعد دخولها .

فمن الآيات التي تصف لنا مشهد هذا التخاصم في نار جهنم:

قوله تعالى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ* قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) (غافر:47-48).

وقوله تعالى: (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ * وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ* أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) (ص:59 ـ 64).

وقوله تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) (الأعراف:38 ، 39).

وقوله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة: 166 – 167) .

أما الآيات التي تصف تخاصم الظالمين عند ربهم قبل دخول النار ، فمنها:

قوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ) (الصافات:27 ـ 32) .

قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (سبأ: 31 ـ 33) .

وسواء كان تخاصم أهل النار في وقوفهم بين يدي ربهم، أم بعد دخولهم النار فهي حالة واحدة ، تصور ذلك الجو من الحسرة والخزي والندامة الكبرى، التي تخيم على الأتباع والمتبوعين ، على المستضعفين والمستكبرين، ويحسن أن نقف عند الآيات الأخيرة في سورة سبأ، وما توحي به من المعاني والعبر العظيمة، حتى تكتمل الفائدة .

يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآيات: (لما ذكر تعالى أن ميعاد المستعجلين بالعذاب لابد من وقوعه عند حلول أجله، ذكر هنا حالهم في ذلك اليوم ، وأنك لو رأيت حالهم إذ وقفوا عند ربهم ، واجتمع الرؤساء والأتباع في الكفر والضلال ، لرأيت أمراً عظيماً وهولاً جسيماً ، ورأيت كيف يتراجعون ، ويرجع بعضهم إلى بعض القول.

(يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) وهم الأتباع (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) وهم القادة: (لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) ، ولكنكم حُلْتُم بيننا وبين الإيمان ، وزينتم لنا الكفران ، فتبعناكم على ذلك . ومقصودهم بذلك أن يكون العذاب على الرؤساء دونهم .

(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) مستفهمين لهم ومخبرين أن الجميع مشتركون في الجرم: (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ) أي: بقوتنا وقهرنا إياكم؟! (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) أي: مختارين للإجرام ، لستم مقهورين عليه، وإن كنا قد زينا لكم ، فما كان لنا عليكم من سلطان.

(وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً) أي : بل الذي دهانا منكم ، ووصل إلينا من إضلالكم ، ما دبرتموه من المكر في الليل والنهار؛ إذ تُحسِّنون لنا الكفر ، وتدعوننا إليه، وتقولون: إنه الحق ، وتقدحون في الحق، وتهجونه ، وتزعمون أنه الباطل ، فما زال مكركم بنا ، وكيدكم إيانا، حتى أغويتمونا وفتنتمونا .

فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئاً إلا براءة بعضهم من بعض ، والندامة العظيمة، ولهذا قال: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم لينجو من العذاب، وعلم أنه ظالم مستحق له ، فندم كل منهم غاية الندم ، وتمنى أن لو كان على الحق ، وأنه ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب، سراً في أنفسهم ، لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم)5(5) تفسير السعدي عند الآيات ( 31 ـ 33 ) سورة سبأ .اهـ.

ويعلق صاحب الظلال رحمه الله تعالى على هذه الآيات فيقول: (لو ترى هؤلاء الظالمين وهم (مَوْقُوفُونَ) على غير إرادة منهم ولا اختيار ؛ إنما هم مذنبون بالوقوف انتظار الجزاء (عِنْدَ رَبِّهِمْ)..ربهم الذي يجزمون بأنهم لن يؤمنوا بقوله وكتبه . ثم ها هم أولاء موقوفون عنده! لو ترى يومئذ لرأيت هؤلاء الظالمين يلوم بعضهم بعضاً، ويؤنب بعضهم بعضاً، ويلقي بعضهم تبعة ما هم فيه على بعض: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) ..فماذا يرجعون من القول؟

(يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ).

فيلقون على الذين استكبروا تبعة الوقفة المرهوبة المهينة ، وما يتوقعون بعدها من البلاء! يقولون لهم هذه القولة الجاهرة اليوم؛ ولم يكونوا في الدنيا بقادرين على مواجهتهم هذه المواجهة ، كان يمنعهم الذل والضعف والاستسلام ، وبيع الحرية التي وهبها الله لهم ، والكرامة التي منحها الله إياهم ، والإدراك الذي أنعم به عليهم. أما اليوم وقد سقطت القيم الزائفة ، وواجهوا العذاب الأليم ، فهم يقولونها غير خائفين ولا مبقين (لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) .

ويضيق الذين استكبروا بالذين استضعفوا ، فهم في البلاء سواء ، وهؤلاء الضعفاء يريدون أن يحملوهم تبعة الإغواء الذي صار بهم إلى هذا البلاء ، وعندئذ يردون عليهم باستنكار ، ويجبهونهم بالسب الغليظ.

(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) فهو التخلي عن التبعة ، والإقرار بالهدى ، وقد كانوا في الدنيا لا يقيمون وزناً للمستضعفين ، ولا يأخذون منهم رأياً ، ولا يعتبرون لهم وجوداً ، ولا يقبلون منهم مخالفة ولا مناقشة، أما اليوم ـ وأمام العذاب ـ فهم يسألونهم في إنكار: (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ) .. (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) .. من ذات أنفسكم، لا تهتدون ، لأنكم مجرمون !

ولو كانوا في الدنيا لقبع المستضعفون لا ينبسون ببنت شفة ، ولكنهم في الآخرة ؛ حيث تسقط الهالات الكاذبة والقيم الزائفة ، وتتفتح العيون المغلقة، وتظهر الحقائق المستورة .

ومن ثم، لا يسكت المستضعفون ولا يخنعون ، بل يجبهون المستكبرين بمكرهم الذي لم يكن يفتر نهاراً ولا ليلاً للصد عن الهدى ، وللتمكين للباطل ، ولتلبيس الحق ، وللأمر بالمنكر ، ولاستخدام النفوذ والسلطان في التضليل والإغواء: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ 6(6) أي مكركم بنا في الليل والنهار. وكأن هذا المكر من المستكبرين المتسلطين مستمر في الليل والنهار ، لا يفتر ولا يتوقف. ولقد كانت صور المكر وقت نزول القرآن وما قبله تتخذ أشكالاً من الأشعار في المنتديات الجاهلية، وتوجيه التهم الباطلة للرسول – صلى الله عليه وسلم – ومن معه، أو بصد الراغبين في سماع الحق وتفويته عليهم ، أو بإثارة نعرة الآباء والأجداد والتهويل من خطورة تركها. هذا جل ما عند الجاهلية الأولى من مكر الليل والنهار ، ولكن ماذا يساوي ذلك المكر الأول عند مكر الليل والنهار في زماننا الحاضر . إن مكر الليل والنهار لينطبق تمام الانطباق بلفظه ومعناه على المكر الموجود في أكثر ديار المسلمين اليوم ، والذي يعمل ليل نهار على مدار الأربع والعشرين ساعة ؛ فما يكاد المذياع يفتر من مكره حتى يأتي دور التلفاز ، وما يكاد التلفاز يفتر حتى يبدأ الفيديو ، ثم البث المباشر ، ثم المجلة الهابطة ، فالقصة الخليعة ، وهكذا دواليك. ولكن هل يعذر المسلم في فتح فكره وبيته لمكر الليل والنهار ؛ كلا والله لا يعذر ؛ لأن المفسدين المتسلطين سيردون عليهم يوم القيامة بقولهم: (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ). إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً) ..

ثم يدرك هؤلاء وهؤلاء أن هذا الحوار البائس لا ينفع هؤلاء ولا هؤلاء ، ولا ينجي المستكبرين ولا المستضعفين؛ فلكل جريمته وإثمه؛ المستكبرون عليهم وزرهم ، وعليهم تبعة إضلال الآخرين وإغوائهم، والمستضعفون عليهم وزرهم ، فهم مسئولون عن اتباعهم للطغاة ، لا يعفيهم أنهم كانوا مستضعفين؛ لقد كرمهم الله بالإدراك والحرية ، فعطلوا الإدراك وباعوا الحرية، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولاً، وقبلوا لأنفسهم أن يكونوا مستذلين؛ فاستحقوا العذاب جميعاً ، وأصابهم الكمد والحسرة ، وهم يرون العذاب حاضراً لهم مهيئًا)7(7) في ظلال القرآن عند الآيات ( 31 ـ 33 ) من سورة سبأ .اهـ.

أما آن الأوان بعد؟!

وبعد هذا البيان من كتاب ربنا عز وجل هل آن لنا الأوان أن نعد لهذا الموقف العظيم عدته؟ ونعمل جاهدين على الخلاص من صفات أهل هذه المواقف المخزية؟ وذلك بأن نخلص عبادتنا لله وحده ، ونجرد متابعتنا للرسول صلى الله عليه وسلم، ونحذر من كل ناعق ملبس خائن يمكر في الليل والنهار.

* أما آن الأوان للضعفة الأتباع أن يتبرأوا من متبوعيهم ورؤسائهم الظالمين المفسدين، وألا يكونوا أداة لهم في إفساد الناس، أو ظلمهم في دم أو مال أو عرض؛ طمعاً في جاه أو دنيا؟! فهذا أوان الإنابة والبراءة من الظالمين قبل أن يتبرأوا منهم في الآخرة بين يدي الله عز وجل أو وهم في النار يختصمون؟ إن المتبوعين من الرؤساء الظالمين المفسدين لن يغنوا عن أتباعهم شيئاً يوم الهول العظيم ، بل كما مر بنا في سياق الآيات الكريمات ، فإنهم سينقلبون عليهم ويتبرأون منهم ، ويلعن بعضهم بعضاً ، ولكن حيث لا تنفع البراءة هنالك.

* أما آن الأوان للمرأة المسكينة وخاصة في زماننا اليوم أن تنتبه لهذه المواقف ، فتتبرأ في دنياها اليوم من كل ناعق لها باسم الحرية والتمدن ومتابعة الأزياء والموضات؛ حتى لا تحق عليها الحسرة الكبرى عندما يتبرأ منها شياطين الإنس والجن ، الذين أضلوها ولم يغنوا عنها من عذاب الله من شيء؟ بل التبرؤ والتلاعن هو البارز في خصام التابعين من المتبوعين ، قال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) (الأحزاب: 67 – 68) .

* أما آن لأتباع الأحزاب الأرضية من علمانية وقومية وبعثية ووطنية وغيرها ممن أعطوا ولاءهم لغير الله عز وجل وتنكروا لدينهم ، أو أتباع الطوائف الضالة المبتدعة، أما آن لهم أن يفيقوا ويدركوا خطر هذه المتابعة، وأنها ستنقلب يوم الحسرة الكبرى عداوة بينهم وبين متبوعيهم، قال تعالى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (العنكبوت:25).

* أما آن لمن أعطوا قيادهم لأهل الفساد وجلساء السوء يسوقونهم إلى مواطن الرذيلة، ويفتحون قلوبهم لألاعيبهم ومكرهم أن ينتهوا ما داموا في زمن المهلة ، ويحذروا من هؤلاء المفسدين ، الذين يزينون لهم فعل الشر، ويزهدونهم في الخير؟

أما علموا أن مودة هؤلاء وطاعتهم إن لم تنقطع في الدنيا فهي ولا شك منقطعة يوم القيامة ، بل ستنقلب إلى عداوة وبراءة، قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67) .

* ولو ذهبنا نتتبع أنواع الحوارات اليائسة وأطرافها المتعددة لطال بنا المقام؛ ففي يوم القيامة يبحث كل إنسان عن أيَّة وسيلة مهما كانت ضعيفة واهية ، لعلها تصلح سبباً لنجاته من غضب الله تعالى وعذابه ؛ لذلك تكثر المناقشات والمحاورات بين الأبناء والآباء ، وبين الأزواج والزوجات ، وبين الحكام والمحكومين ، وبين الكبار المتسلطين والصغار التابعين لهم ، وبين الأغنياء الجبارين والفقراء المنافقين الذليلين ، كل يحاول إلقاء التبعة على غيره، ويتبرأ من تسلطه على غيره وتجبره ، ومن تزعمه بالأفكار المنحلة والمفاسد المضلة على الذين صفقوا له وهللوا لتفاهته وجرائمه)8(8) عن كتاب رحلة الخلود لحسن أيوب ص194 .، ولكن حيث لا تنفع المحاورات ولا الخصومات ولا التنصل من التبعات .

الهوامش

(1) تفسير السعدي عند الآية ( 9 ) من سورة التغابن .

(2) تفسير القرطبي عند الآية ( 9 ) من سورة التغابن .

(3) البخاري ك / الرقاق ( 4612 ) .

(4) فتح الباري ( 11 / 234 ) .

(5) تفسير السعدي عند الآيات ( 31 ـ 33 ) سورة سبأ .

(6) أي مكركم بنا في الليل والنهار. وكأن هذا المكر من المستكبرين المتسلطين مستمر في الليل والنهار ، لا يفتر ولا يتوقف. ولقد كانت صور المكر وقت نزول القرآن وما قبله تتخذ أشكالاً من الأشعار في المنتديات الجاهلية، وتوجيه التهم الباطلة للرسول – صلى الله عليه وسلم – ومن معه، أو بصد الراغبين في سماع الحق وتفويته عليهم ، أو بإثارة نعرة الآباء والأجداد والتهويل من خطورة تركها. هذا جل ما عند الجاهلية الأولى من مكر الليل والنهار ، ولكن ماذا يساوي ذلك المكر الأول عند مكر الليل والنهار في زماننا الحاضر . إن مكر الليل والنهار لينطبق تمام الانطباق بلفظه ومعناه على المكر الموجود في أكثر ديار المسلمين اليوم ، والذي يعمل ليل نهار على مدار الأربع والعشرين ساعة ؛ فما يكاد المذياع يفتر من مكره حتى يأتي دور التلفاز ، وما يكاد التلفاز يفتر حتى يبدأ الفيديو ، ثم البث المباشر ، ثم المجلة الهابطة ، فالقصة الخليعة ، وهكذا دواليك. ولكن هل يعذر المسلم في فتح فكره وبيته لمكر الليل والنهار ؛ كلا والله لا يعذر ؛ لأن المفسدين المتسلطين سيردون عليهم يوم القيامة بقولهم : (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ).

(7) في ظلال القرآن عند الآيات ( 31 ـ 33 ) من سورة سبأ .

(8) عن كتاب رحلة الخلود لحسن أيوب ص194 .

اقرأ أيضا

بعض مشاهد النبأ العظيم (1-2)

حقيقة الدنيا والآخرة في أعين السلف

الدنيا والآخرة طريق واحد وحسبة واحدة

القرآن والوجدان .. ظاهرة الموت والحياة

 

التعليقات معطلة.