قضايا عامة

الليبرالية نواتها وثمارها

زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

في الليبرالية لا يوجد لديهم مُقدس أو مُعظم من كتاب أو مُنظر لا يخرج عن قوله، وإنما هو عقل الفرد عليه تدور الأفعال والأقوال.

الليبرالية مجموعة أفكار منبعها غريزي

من المسلمات أن الفكر الليبرالي فكر مولد من مجموعة غرائز ونزوات، وأكثر بل جُل الأفكار منبعها غريزي، والأفكار التي لا تعتمد على أصل غريزي لا تستقر ولا تدوم غالبا ، فيبقى العمل بها قليلا ثم يتلاشى، وأما الغريزي فمكان الخطأ فيه هو أن أصل القول أو الفعل غريزة ثابتة في الفطرة، ولكن تم وضعه في غير موضعه كالشذوذ اللواط والزنا والسحاق، أو الزيادة من الحد المأذون به شرعا مما يتوافق مع أهل الغريزة ولا يلغيها كالزواج بأكثر من أربع، أو إبداله بغيره كإبدال الأكل من لحوم الأنعام والطيور والأسماك بلحم الخنزير والكلاب والميتة، وإبدال سائر معادن الأواني بآنية الذهب والفضة والأكل فيها، فاصلها فطري لذا يجد السامع البسيط لها ما يتوافق مع أصل غريزته فينقاد لها لتتميم المفقود من تلك الغريزة الخاصة به والتي ربما تختلف عن غريزة غيره، وكلما كانت الأفكار أقرب إلى الفطرة كانت أكثر اتباعا وأسهل في ورود القناعة بها والعمل بمقتضاها، وقد يكون الشيء الواحد مركبا من عدة غرائز فطرية فيكون التأثر بحسب قوة التركيب وصحته مع مقدار صحة العقل المتلقي لها.

العقل الليبراني هو الإله الذي يشرع للأفراد بلا شريك

والفكر الليبرالي يسعى إلى أن يفعل الفرد ويقول بلا حد ولا ضبط من غير تأثير خارجي عليه، أو تأثیر منه على أحد، ولا يعنيه ما يفعل غيره، ولا يعني غيره ما يفعله هو، ويجب ألا يكون متأثرا بأي فكر أو اعتقاد ديني أو قبلي أو عرفي، ويجب أن ينطلق من عقل وتحليل منعكس من المادة والطبيعة، فالحاكم على الإنسان عقله فقط، وهو الإله الذي يشرع للأفراد بلا شريك لذا لا يهتم العقل الليبراني بأفعال غيره لأنها لا تعنيه. وهذا نقص في إدراك لوازم الأفعال؛ لأن الأفكار لا تنضبط ويعرف صحيحها من فاسدها إلا بمجموع فعل أصحابها ، فالنفس الواحدة لا تطيق فعل كل ما يسوغ ويصح منها فعله، فضلا عما لا يسوغ ولا يصح منها، فإذا قيل لها: إن فعل غيرك لا يعنيك أيضا، لن تفهم من الفكر إلا ما تفعله هي، وتحت هذا يضيع فهم العقول للأفكار، ومن ثم تصويبها أو تخطئتها، وقد وافق هذا الفكر طبعا في الإنسان، فهو (كنود) يكره أن يراقبه أحد، فضلا عن أن يحاسبه أو يشاركه فيه، قال تعالى: (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) ، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن قتادة والحسن قالا: (الكنود) الكفور بالنعمة، البخيل بما أعطي، الذي يمنع رفده ويجيع عبده ويأكل وحده، ولا يعطي النائبة تكون في قومه، ولا يكون كنودا حتى تكون هذه الخصال فيه.

وهذه غريزة اكتملت في الحيوان البهيم لأنه صاحب غرائز بلا عقل وهمه تحقيقها، والإنسان كذلك يريد تحقيقها ولكنه امتاز عن البهيم بأنه يشغل عقله في فعلها على صورة تليق به. والله يريد أن يرفعه عنها، بإشباع غرائزه بمقدار وصفة يريدهما هو سبحانه، يكتمل بهما نظام البشرية كلها في كل زمن وكل بلد، لا كما تشرع كل جماعة لنفسها، فضلا عن كل نفس لنفسها منفردة عن غيرها، وجعل الله للنفوس خصائص تنفرد بها في الاختيار من الأقوال والأفعال ما لا حصر له على نحو يدركه من عرف ظاهر القرآن والسنة.

في الليبرالية..لا قواعد وأصول جامعة تضبط أفعال الأفراد

ويدرك العقل الليبرالي ما يفعله ولا يدرك غالبا ما يفعله غيره، وعلى هذا فيريد أن يحاكم ويجادل فكره واعتقاده على ما يقول ويفعل هو فحسب، وأما اعتقاد وصحة فعل غيره فهذا لا يعنيه ما دام أنه لا يفعله ويقوله، وهذا جهل في أصول الأفكار والعقائد ، وهو أعظم ما يحول بينهم وبين فهم أصولهم التي يندرج تحتها مجموع كل الأفعال والأقوال والعقائد، التي يسوغها ويصححها من غيرهم أصل واحد هو الذي صحح لهم أفعالهم وأقوالهم.

والأفكار لا يتضح صحيحها من فاسدها، وقويها من ضعيفها إلا بضربها ببعضها، فبالاقتران تتمايز المعاني والأجسام. ومن عجيب السنن الكونية أن الشيء إذا ضرب بشيء مماثل له على السواء انكسر الإثنان، كالزجاجتين والصخرتين، وإن اختلفا قوة أو هيئة انكسر الأضعف، وظهر الأقوى، وهكذا العقائد والأفكار .

في الليبرالية.. عقل الفرد عليه تدور الأفعال والأقوال

وعلى هذا فالفكر الليبرالي ضد التقعيد والتأصيل، ومن ثمار ذلك أنه لا يوجد لديهم مُقدس أو مُعظم من كتاب أو مُنظر لا يخرج عن قوله، وإنما هو عقل الفرد عليه تدور الأفعال والأقوال، وهذا سبب عدم فهم كثير من الناس الليبرالية وسبب الخطأ في تفسيرها، أو الانسياق خلف صورة واحدة وترك الباقي.

في الليبرالية.. لا يوجد معايير للصواب والخطأ

وهذا الاضطراب أصبح عائقا عن معرفة مقادير الصواب والخطأ عند معتنقي الليبرالية، فتسيرهم الشهوات والشبهات والأهواء والمصالح الخاصة لذواتهم ودولهم، والواحد منهم لا يعرف الأصول الجامعة لهذا الفكر والتي يندرج تحتها جميع الأجزاء، فهو لا يعتد بأي أمر من غير العقل الخاص، والأمر الخارج عن العقل مهما كان قائله لا يعنيه شيئا، بل هو باطل، فهم يرون الانعتاق من المقدس، الذي يأخذ صورة الأمر والنهي ولو مخففا، حتى بلغ بكثير منهم الترفع عن البداءة بالبسملة في الكتب والرسائل، خروجا من هيمنة المقدس بزعمهم، ولذا فالاسم الصحيح المطابق لليبرالية كما سماها القرآن هو (السُدوية) كما قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) قال الشافعي: لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى.

وروي نحوه عن مجاهد بن جبر. رواهما البيهقي1(1) السنن الکبری (10/113) – ط. المعارف، الهندية ..

وذلك أنهم يؤصلون للانعتاق من كل أمر، وكل آمر، وما لا يمكن إنكاره يتم تأويله أو إفراغه من محتواه وإلغاء ثمرته.

في الليبرالية.. لا تأصيل ولا تقعيد للأفكار

والناس في الغالب لا يهتمون إلا بتحقيق غاياتهم الذاتية فقط، ولا يعنيهم التفكير بالأجزاء الأخرى التي ينشدها الناس تحت مظلة الليبرالية؛ لأن جمهور الناس أصحاب ممارسات لا أصحاب تنظير وفكر، وغاية ما يحتاجه واحدهم أن يتحقق مطلبه وتشبع غريزته وترد مظلمته، وحينها لا يتحقق لهم فهم أصول الليبرالية بفهم مجموع نتائجها، وإنما يأخذ الإنسان حاجته ويطالب بها ويرجع ذلك إلى أحد فلسفات العقل الليبرالي (التحليل المادي العقلي للأمور – الحرية – المساواة – حب الذات)، ولا يمكن أن تفهم العقائد والأفكار إلا بفهم جميع أجزائها ونتائجها التي هي مركبة منها وكثيرا ما تجد الإنسان يعرف حاجته وما هو الأصل الذي يحققها ويطرب لهذا الأصل والفكر الذي حقق له الحق المسلوب، ولا يعنيه ما سواه من اللوازم عليه وعلى الناس، ويغفل عن أن تأصيل الأفكار وتقعيدها لا يمكن أن يحقق بمصلحة واحدة لفرد واحد، ولو كان كذلك فإن جميع الأنظمة والنواميس والقضاء في العالم وفي جميع العصور ينشئها أصحابها لمصلحة الفرد ولا يلزم من هذا شرعيتها جميعها عقلا ونقلا.

موافقة الليبرالية الغريزة من كل وجه والفطرة من بعض الأوجه

وفطرة الإنسان أعظم المصلحة الخاصة به، والمصلحة الخاصة به على نوعين لا تخرج عنهما : الأولى إعادة نعمة مسلوبة منه، سواء سلبت منه بالحق أو بالباطل، مثل سلب المال أو سلب حرية التصرف بالقول أو القعل. الثانية: الحصول على نعمة جديدة، كالمال والولد وغيرهما.

وأعظم ما يشغل قلب الإنسان ويؤثر فيه النوع الأول، ويجد منة عظيمة لمن يُعيد تلك النعمة ولو بالباطل، والأفكار والأنظمة والنواميس التي تنادي بذلك تأخذ لب الإنسان، ولا يستحضر عند السماع لها إلا ديناره المسلوب وصوته المحجوب، وقد رأيت أن الإنسان يحب الذي يقوم بإعادة ديناره المسلوب قسرا وظلما أكثر ممن يعطيه أضعافه هبة، وإذا كان لدى الإنسان مليون دينار وسلب منه مائة ألف، سينشغل قلبه وهمه وجسده في إعادة المائة أكثر من مراعاة التسعمائة الموهوبة وصونها والاستمتاع بها؛ لأن غريزة الإنسان تفكر بالمصائب أكثر من النعم، لهذا سماه الله في القرآن (كنودا) ، روی ابن جرير عن الحسن في قوله: (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) قال: لوام لربه، يعد المصائب، وينسي النعم”2(2) رواه ابن جرير الطبري في “تفسيره” (24/567، ط. شاكر)..

لهذا فالأفكار التي تهتم بالنعم المسلوبة وتدندن حولها تقع موقعا غير متزن في النفوس، وتواجه سكرة وعدم وعي وعجلة في استيعابها (خُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ مِنْ عَجَلٍۢ ۚ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ).

ولا يحب الإنسان أن يسلب، فإن سلب طاش، فتجده لا يتكلم من يومه وليلته إلا ساعة أو ساعتين باختياره، وإذا منع من الكلام ساعة واحدة من النهار لا ينطق بحرف، أثقل عليه من صمت سنين باختياره .

الليبرالية هي إزالة العوائق أمام تحقيق الغرائز

وأصل نشأة الليبرالية الذي نبتت فيه هو إعادة كل غريزة مسلوبة صحيحة أم خاطئة، مستقيمة أم شاذة، فوافقت الليبرالية الغريزة من كل وجه ، والفطرة من بعض الأوجه، وهكذا تنشأ الأفكار بحسب موافقتها للغرائز وسد حاجتها عبر الأزمنة، وكيف إذا كان الفكر فكرا تؤيده دول كبرى وتدفع ما تملك لتحقيقه وإذاعته ترغيبا وترهيبا كما في الليبرالية.

الليبرالية هي فكر من تلك الأفكار الناشئة بلا انضباط يحاول كتابها ضبطها وحدها دون جدوى، فهي تسير ولا تقف عند حد من إتمام الغريزة والانقياد لوساوس النفس، ولذا تدخل الخالق في فرض ما يصلحها في الدين والدنيا ، ببعث الرسل لصراع العقول الشاذة.

وكل نفس ترغب في تحقيق نزواتها وغرائزها وحاجاتها ، ولكن تمنعها مؤثرات عقلية وفطرية ودينية واجتماعية، والليبرالية هي إزالة هذه المؤثرات.

الهوامش

(1) السنن الکبری (10/113) – ط. المعارف، الهندية.

(2) رواه ابن جرير الطبري في “تفسيره” (24/567، ط. شاكر).

المصدر

كتاب: ” العقلية الليبرالية..في رصف العقل..ووصف النقل” ص45-50، الشيخ عبد العزيز الطريفي.

اقرأ أيضا

من هو الحر..؟ وما حقيقة الحرية..؟

إشكالية المصطلحات وخطورة التلاعب بها

قراءة في تخلف العالم العربي في العصر الحديث (1-2) مظاهر التخلف

ميزان الجاهلية للحرية والتقدم والتحضر

 

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية