الجدل الحاد حول باطل مشروع الشيعة عند قوم أو بطولة أصحابه عند آخرين؛ لن ينتهي بانتهاء الحرب الساخنة، أو يتوقف في جولتها الراهنة.. فالظاهر للعيان أن صيحات الانتصار من أنصار إيران ستواصل الخداع بعد الانخداع الناشيء عن التحاكم للعواطف والأهواء، بدلاً من الاحتكام لمحكمات الدين وكلام الأثبات من العلماء المتقدمين.
لقد أوجد الصائحون الصارخون ببطولات أو مظلوميات المبطلين من قتلة الملايين _ منذ قيام ثورة الرفض المرفوض؛ أوجدوا موجات غير مسبوقة من التشيع للشيعة سياسيًا، وهو ما سوَّغ وهوَّن على قطاع عريض من الجماهير الإسراف في الانحراف عقديًّا.
لماذا نعيد عرض كلام أئمة الهدى؟
ولذلك تمس الحاجة لعرض كلام أئمة الهدى في القوم أو التذكير بها، وإن كان في طول العرض إثقال على البعض، ولكن لعل ذلك الكلام يخفف من غلواء المغالين في تخوين المخالفين ورميهم بالجهالة أو العمالة.. ولأن الحق أحق أن يُتبع.. فإن ذلك يفرض عدم التحرج ممن لا يتحرجون من احتكار الحقيقة بلا أحقية، ومن يتكلمون في أمر العامة والنوازل الكبرى بلا أهلية.
التواضع يرفع الكوارث
إن قليلًا من التواضع يمكن أن يرفع الكثير من الكوارث والفواجع، وذلك عندما يأتمر الناس بأمر الله في الرجوع إلى المرجعيات العلمية في توصيف الواقع في الوقائع الكبرى والتاريخية، للحكم فيها وفق ما أنزل الله، وما يخبر به العلماء العاملون، لا وفق عواطف الناس أو “ما يطلبه المستمعون”.
وفي مثل هذا يقول رب العالمين:
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ} [النساء: 83] وأولوا الأمر هنا هم العلماء بلا خلاف.
فإلى بعض النقول الموثقة عن ثقات أهل العلم وأعلام الأمة، من باب (النصح لك مسلم) وهو ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع عليه أصحابه.
أقوال أئمة الهدى في الرافضة
نُقُولٌ طويلة..لكن القضية خطيرة وجديرة..
1. الإمام أبو حنيفة النعمان (المتوفى عام 150 هـ)
نقل الإمام الحافظ ابن حجر الهيتمي في كتاب (الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة) مذهب أبي حنيفة وقوله في الرافضة، فقال: «.. مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن من أنكر خلافة الصديق أو عمر فهو كافر..»
وهذا القول مذكور في كتب الأحناف مثل (الغاية) للسروجي و(الفتاوى الظهيرية) والأصل لمحمد بن الحسن [تلميذ أبي حنيفة] وفي (الفتاوى البديعية) و(الفتاوى الهندية)1(1) ينظر: (الفتاوى البديعية: 1/ 138)، (الفتاوى الهندية: 2/ 246)..
2. الإمام مالك بن أنس (المتوفى عام 179 هـ)
انتزع هذا العَلَم الأَشَم حكم تكفير الروافض لبغضهم الصحابة من قول الله تعالى:
{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ…} إلى قوله تعالى {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]
وقال _ كما نقل ذلك عنه الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية _: «لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر، ووافقه على ذلك جمع من العلماء».
وقد قال مالك أيضًا: «من أبغض أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ… فليس له حق في فَيء المسلمين». وقد نُقل ذلك عنه في تفسير القرطبي وتفسير البغوي عند قول الله تعالى: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} [الحشر: 7]2(2) ينظر: تفسير القرطبي، تفسير البغوي..
3. الإمام الشافعي (المتوفى سنة 204 هـ)
-
قال يوسف بن يحيى البويطي (تلميذ الشافعي): «سألتُ الشافعي: أَأُصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصلِ خلف الرافضي ولا القدري». وهذا القول في كتاب: «اعتقاد أئمة السلف» و«كتاب الزهد» وغيره 3(3) ينظر: «اعتقاد أئمة السلف»، «كتاب الزهد»..
-
وقال الإمام الشافعي أيضًا: «لم أر أحدًا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة». وقد نقل ذلك عنه الخطيب البغدادي في كتاب «الكفاية في علم الرواية»، ونقلها السيوطي وغيره 4(4) ينظر: «الكفاية في علم الرواية» للخطيب البغدادي، ص125-126..
-
وقال يونس بن عبد الأعلى (تلميذ الشافعي): «كان الشافعي إذا ذُكرت الرافضة عابهم أشد العيب ويقول: شر عصابة». وقد جاء ذلك عنه في كتاب «مناقب الشافعي» للبيهقي5(5) ينظر: «مناقب الشافعي» للبيهقي، (باب ما جاء عن الشافعي في الرافضة) (2/207)..
4. الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ)
في كتاب السنة للخلَّال نقلاً عن أبي بكر المروذي (تلميذ الإمام أحمد) قال: سُئل الإمام أحمد عن الرافضة فقال: «هم الذين يتبرأون من أصحاب النبي ﷺ ويسبونهم وينتقصونهم ويكفرون الأئمة إلا أربعة: علي وعمار والمقداد وسلمان، وليست الرافضة من الإسلام في شيء»6(6) «كتاب السنة» للخلال، ص82..
5. شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (المتوفى سنة 728 هـ)
قال ابن تيمية عن الرافضة:
«.. ويشبهون النصارى في الغلو في البشر والعبادات المبتدعة وفي الشرك وغير ذلك، ولهم في توحيده وإخلاص الملك له وعبادته وحده لا شريك له؛ ما هم خارجون عنه، فإنهم مشركون كما جاء فيهم الحديث، لأنهم أشد الناس تعظيماً للمقابر التي اتخذت أوثاناً من دون الله. وهذا باب يطول وصفه»7(7) «مجموع الفتاوى»: 28/484-485..
وكان هذا جواب شيخ الإسلام على سؤال عن الرافضة الإمامية (هل يجب قتالهم وهل يكفرون باعتقادهم؟).
6. الإمام ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ)
في كتابه (إغاثة اللهفان) يتفق ابن القيم مع شيخه ابن تيمية، بل يوسع التحليل ويبين المداخل التاريخية لدخول الشرك عبر القبور عن الشيعة الإمامية، وفي سياق كلامه عن شرك القبور عندهم قال: «وأصل الشرك وعبادة الأوثان: من العكوف على القبور واتخاذها مساجد»8(8) «إغاثة اللهفان»: 2/1057..
وقال في نفس الكتاب: «ما زال الشيطان يوحي إلى عُباد القبور أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور… وأن الدعاء عندها مقبول.. وهذا هو دين المشركين بعينه»9(9) «إغاثة اللهفان»: 1/327..
وفي وصف صريح لفعلهم في تحويل القبور إلى مشاهد للعبادة والنُسك، قال ابن القيم: «وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنَّف بعض غلاتهم كتاباً سماه: “مناسك المشاهد”، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام»10(10) المصدر السابق..
7. الإمام ابن كثير (ت 774 هـ)
يصف ابن كثير الشيعة الإمامية في كتابه “البداية والنهاية” بأنهم «طائفة مخذولة وفرقة مرذولة يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام»11(11) «البداية والنهاية»: 5/251..
وفي تفسيره المسمى (تفسير القرآن العظيم) في سياق كلامه عن تخوين الشيعة للصحابة قال ابن كثير عند الآية 29 من سورة الفتح: «… ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول _صلى الله عليه وسلم _ ومن وصل بالناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام»12(12) «تفسير القرآن العظيم»: 6/365..
8. الإمام شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)
قال الإمام الذهبي في كتابه “الكبائر” في سياق الكلام عن الكبيرة السبعين: “سب أحد من الصحابة”:
«فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين، لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم وإضمار الحقد فيهم وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم، ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول. هذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق والزندقة والإلحاد في عقيدته»13(13) «الكبائر» للذهبي، ص251-252..
خاتمة: تذكير بالتفريق بين الطائفة والفرد
وهناك نقول أكثر وأغزر لأئمة هدى آخرين، قبل المذكورين وبعدهم، ولكني لم أشأ المزيد من الإطالة بذكرها، ولعل من يريد تحصيلها يطالع أقوالهم في مظانها، فقد ذهب الأكثرون إلى اعتبار الرافضة الاثني عشرية من المنافقين النفاق الاعتقادي، وقد قال الله تعالى عن المنافقين: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4].
ورغم كل تلك النقول _ وغيرها كثير _ فإنا نقول بقول هؤلاء العلماء الأماجد في التفريق بين الإطلاق العام في وصف الطائفة بالشرك أو الكفر أو النفاق الأكبر لما في عقائدها؛ وبين تكفير الشخص المعين من عوامهم. الذي يحتاج الحكم عليه إلى قيام الحجة وانتفاء الموانع.
رسالة أخيرة
فيا أخي الكريم الثائر في غير ثورة..
خفف من غلوائك.. وقلل من هجائك لمن اختاروا موقفًا غير موقفك، بناء على أقوال غير قولك من كلام الأعلام العظام الذين أُمرنا شرعًا بسؤال أهل الذكر منهم إن كنا من الذين لا يعلمون.
ولانملك حيال الاختلاف الحاصل بين أهل السنة _ من خاصة وعامة _ في المواقف من المبتدعة المحاربين؛ إلا أن ندعو بما علمنا نبينا _ صلى الله عليه وسلم _ أن ندعو به عند شدة الالتباس بين الناس، وهو الدعاء الثابت بصحيح مسلم:
(اللهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ.. فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ.. عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ.. أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلِفون؛ اهدِنا لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ) اللهم آمين..
الهوامش
(1) ينظر: (الفتاوى البديعية: 1/ 138)، (الفتاوى الهندية: 2/ 246).
(2) ينظر: تفسير القرطبي، تفسير البغوي.
(3) ينظر: «اعتقاد أئمة السلف»، «كتاب الزهد».
(4) ينظر: «الكفاية في علم الرواية» للخطيب البغدادي، ص125-126.
(5) ينظر: «مناقب الشافعي» للبيهقي، (باب ما جاء عن الشافعي في الرافضة) (2/207).
(6) «كتاب السنة» للخلال، ص82.
(7) «مجموع الفتاوى»: 28/484-485.
(8) «إغاثة اللهفان»: 2/1057.
(9) «إغاثة اللهفان»: 1/327.
(10) المصدر السابق.
(11) «البداية والنهاية»: 5/251.
(12) «تفسير القرآن العظيم»: 6/365.
(13) «الكبائر» للذهبي، ص251-252.
المصدر
صفحة د.عبدالعزيز كامل، على منصة ميتا.

