كيف تشكل الجغرافيا السياسية لمصر وسوريا حائط الصد المنيع أمام أطماع الكيان الصهيوني؟ استكشف في هذا المقال العمق الاستراتيجي للمنطقة العربية، وكيف يمهد التغيير النفسي والمجتمعي الطريق لكسر الهيمنة واستعادة السيادة.
مصر وسوريا: الرقمان الصعبان في كسر الهيمنة الصهيوصليبية
تعد التحولات الجارية في قلب المنطقة العربية اليوم مؤشراً حيوياً على صراع الإرادات بين الشعوب التواقة للتحرر وبين منظومات الهيمنة الدولية.
إن فهم أبعاد هذا الصراع يقتضي الغوص في أعماق الجغرافيا والتاريخ، لإدراك لماذا تظل مصر وسوريا هما الرقم الصعب في معادلة كسر الهيمنة الصهيونية والأمريكية التي تحاول محاصرة مقدرات أمتنا.
المظاهرات السورية ضد “قانون إعدام الأسرى”: مشهد غير مسبوق
المظاهرات في سوريا رفضا لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، هي مشهد غير مسبوق في التاريخ السوري المعاصر، وما كانت لتخرج بهذا الحجم وهذا الانتشار في اغلب بقاع سوريا لو أن بشار الأسد، الذي كان يُقدَّم بصفة أحد زعماء محور المقاومة، لا يزال جالسا في القصر الجمهوري بدمشق.
وطبعا إسرائيل جن جنونها بسبب دلائل هذه المظاهرات.
الجغرافيا لا تكذب: لماذا تظل جبهات سوريا والأردن ولبنان الأخطر؟
ويجب ألا ننسى أن جبهات سوريا والأردن ولبنان هي الأخطر من حيث الواقع الجيواستراتيجي، وذلك لقرب الكتلة السكنية بينها وبين الكتلة السكنية والقلب الحيوي لدولة فلسطين المحتلة، فمثلا عندما تنطلق طائرة أسرع من الصوت من عَمَّان فإن رادارات العدو لا تكاد تبلغ بانطلاقها الا وهي فوق سماء تل أبيب مباشرة، فما بالك بالصواريخ الفرط صوتيه وغيرها.
ولذلك فدائما حرصت المنظومة الصهيوصليبية على ان تكون الأنظمة الحاكمة في هذه الدول الثلاث تابعة لها كي تضمن أمن إسرائيل، ومن هنا تم ترسيخ حكم عائلة الأسد لمدة نحو 60 عاما في سوريا، ولولا خطأ بشار في افساح المجال للإمداد الايراني للحزب اللبناني في نفس الوقت الذي خرق فيها الحزب اللبناني وسادته في طهران قواعد الاشتباك الضامنة لأمن الكيان، وتضامنوا رمزيا مع المقاومة الفلسطينية في أرض العزة غزة، لولا ذلك ما سمحت المنظومة الصهيوصليبية للثورة السورية (المدعومة تركيا) بالإطاحة بآل الأسد وحاضنتهم العلوية.
ومن هنا: مداراة أحمد الشرع بين اضطرار العارفين وجهل صغار العقول
ومن هنا تحتمت المداراة الجارية التي يقوم بها نظام حكم أحمد الشرع للمنظومة الصهيوصليبية المهيمنة على العالم حتى اليوم من باب قول زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة *** يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه *** يطيع العوالي ركبت كل لهزم
لكن طبعا صغار العقول وضعاف الخبرة وقليلي العلم بالتاريخ والسياسة والاقتصاد لا يفقهون هذه الاستراتيجية.
طبيعة خطورة مصر على المشاريع الصهيوصليبية
ثم نأتي لطبيعة خطورة مصر على مشاريع المنظومة الصهيوصليبية في احتلال واستيطان الشام منذ أيام الحروب الصليبية وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات.
مصر مشكلتها للمنظومة الصهيوصليبية دائما هي قوتها الكامنة وليست المتحققة، لأن مصر لها طبيعة جيوسياسية وجيواستراتيجية مختلفة عن الشام، لأن فلسطين والاردن وسوريا ولبنان بل والمشرق العربي كله، فأمرها كالتالي:
سوريا عدد السكان على أقصى تقدير 27 مليون نسمة ويوجد بها أقليات عرقية ودينية عديدة وكثير منهم متمايزون مكانيا أي جغرافيا بمناطق تكاد تخصهم.
لبنان عدد السكان على أقصى تقدير 6 مليون نسمة وتتكون من مكونات عرقية ودينية عديدة وكثير منهم متمايزون مكانيا أي يتموضعون جغرافيا بمناطق تكاد تخصهم.
الأردن عدد السكان على أقصى تقدير 11 مليون نسمة.
السعودية عدد السكان على أقصى تقدير 37 مليون نسمة ويوجد اقليات شيعية في الشرق والجنوب وكثير منهم متمايزون مكانيا اي جغرافيا بمناطق تكاد تخصهم.
العراق عدد السكان على أقصى تقدير 47 مليون نسمة ويتكون من اقليات عرقية ودينية عديدة وكثير منهم متمايزون مكانيا أي جغرافيا بمناطق تكاد تخصهم.
مع ملاحظة أن العراق والسعودية بعيدين جغرافيا نسبيا عن فلسطين المحتلة.
لكن مصر فعدد سكانها قد يصل حاليا الى 120 مليون نسمة وليس بينهم أقليات لا عرقية ولا دينية، وحتى الأقلية المسيحية فهي مندمجة اجتماعيا وسياسيا مع الأغلبية الى حد كبير، كما أنها غير منعزلة جغرافيا عن بقية الشعب فهم متداخلون في السكن والعمل والمعاملات جدا، بحيث يستحيل عليهم الانفصال بكيان خاص، وهذا كله فوق أنها أقلية قليلة العدد لا تتجاوز 6% من مجموع المواطنين.
موارد مصر الاقتصادية وأوراق القوة
كما أن موارد مصر الاقتصادية هي موارد واسعة ومتنوعة تجعلها دولة ثرية إن احسنت حكومتها إدارتها، فعلى سبيل المثال نلاحظ أن لديها اغلب انواع النشاط الاقتصادي حاليا (ومنذ عقود طويلة) مثل:
- صناعة مدنية وعسكرية.
- خدمات مالية (بنوك وشركات دفع وصرافة وتأمين… الخ)
- خدمات لوجستية نقل بري وبحري وجوي وتخزين ومناطق حرة وسفر.
- سياحة وفنادق ومنتجعات… الخ
- زراعة وانتاج حيواني ونحوهما.
- تجارة وهي أكبر سوق عربي بسبب عدد السكان.
- صناعة النفط والغاز.
- استخراج نفط وغاز ومعادن مختلفة بما فيها الذهب وغيره.
- شركات إنشاءات ومقاولات عملاقة لها خبرات واسعة للعمل في العالم العربي كله وأفريقيا.
- عدد ضخم من الجامعات والمعاهد العليا من بينها أقدم وأعرق جامعات العرب وأفريقيا.
- عدد ضخم من أساتذة الجامعات والعلماء والمدرسين والمهندسين والأطباء والعمال المهرة والمزارعين.
- السيطرة على قناة السويس التي تمر عبرها كل التدفقات البحرية القادمة لأوروبا.
- الهيمنة على البحر الأحمر متى شاءت وهو شريان مهم اقتصاديا وعسكريا بالنسبة للعالم كله.
- الاطلالة المهمة على شرق البحر المتوسط وجنوبه وهو ما هو بالنسبة لأوروبا والغرب.
- وقوع الدولة في ما يشبه وسط العالم جغرافيا بما يتيح لها تأثيرا جيوسياسيا وجيو استراتيجيا متى شاءت وكيفما شاءت.
ومع هذا فهي جغرافيا محجوزة عن حدود فلسطين المحتلة بصحراء سيناء الفقيرة في عدد السكان بمسافة نحو من 200 كم من القناة وحتى رفح، وهذا يعطي بعض الأمان لدولة الكيان المؤقت من أي تحرك عسكري بري نظامي بسبب التفوق الجوي والتقني الإسرائيلي، لكن هذا الأمان صار يتضاءل الآن إذا قررت مصر، وذلك بسبب التقدم في تقنيات الصواريخ والمسيرات، وتكتيكات التخفي والأنفاق، فكل هذا صار يقلل من تأمين الكيان الذي كان متحققا سابقا بسبب بُعد المسافة (200 كم) المكشوفة تماما بسبب كونها صحراء فارغة ذات طبيعة سهلية.
التاريخ الغربي في مواجهة مصر
ولذلك كله فعين الغرب دائما على مصر فمن يوم هزيمة الصليبيين على أيدي صلاح الدين الأيوبي، وأثناء رجوع ريتشارد قلب الأسد من الشرق قافلا إلى أوروبا، قال لرفاقه من زعماء الصليبيين: “لن يتسن لنا أخذ بيت المقدس إلا إذا أخذنا مصر قبلها”.
ومن يومها وحتى اليوم نُسجت الخطط والحيل الغربية ضد مصر، من غزوات عسكرية تارة، وحيل وألاعيب سياسية واقتصادية وتقنية واستخباراتية تارات أخرى، ونجدها تمر بمحطات عديدة من تطويق مصر جنوبا من أثيوبيا أو الحبشة والسودان أو اليمن والخليج، أو جزر البحر المتوسط التي كانت تحت الحكم الإسلامي او شبه الإسلامي، ومن الهيمنة على المغرب الإسلامي.
ومن ذلك الحصار الاقتصادي من أجل ضرب هيمنة مصر المملوكية على التجارة الدولية بين الشرق والغرب، عبر توظيف طريق رأس العواصف كبديل للمرور بمصر… الخ
ومن هذا نجد الغزوات العديدة الفاشلة والناجحة ضد مصر، وأشهرها في التاريخ الحديث الغزوة الفرنسية بقيادة نابليون، ثم الاحتلال الاقتصادي في عصر الخديوي إسماعيل، ثم الاحتلال الإنجليزي في عهد ابنه توفيق، ومعه الغزو الفكري وصناعة نخب موالية للغرب عقيديا او اجتماعيا وثقافيا وسياسيا لتدير المشهد العام بشكل أو بآخر.
المستقبل والقدرة على كسر الهيمنة
لكن على كل حال فالمشكلة بشأن مصر عند المنظومة الصهيوصليبية ليست فيما ستفعله مصر اليوم إزاء الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما المشكلة فيما إذا قررت مصر في يوم ما مستقبلا أن تفعل شيئا يعارض إرادة ومخططات المنظومة الصهيوصليبية، فحينها نجد أن مصر تملك اوراقا جيوسياسية وجيواستراتيجية لا يملكها مجتمعة أحد غيرها.
وانطلاقا من هذه الرؤية الشاملة فأنا لا يهمني كثيرا الأجزاء المتفرقة للصورة المريرة التي نعيشها في عالمنا الإسلامي، من مثل توحش الديكتاتورية والاستبداد والقمع، ومثل مساعي الكيان الاستيطاني الصهيوني للتغول على فلسطين المحتلة، وعلى المنطقة العربية كلها، لأن كل هذه الأمور ونحوها هي من أعراض المرض وليست هي المرض نفسه.
الهيمنة الأمريكية
فالمرض نفسه هو الضعف الذاتي لأمتنا المسلمة، وهو الضعف المذكور في الحديث النبوي الشريف، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها ” قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: ” أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجع في قلوبكم الوهن ” قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: ” حب الحياة، وكراهية الموت” رواه أحمد وغيره وهو حديث حسن.
ولذلك فمعيار التغيير في الإسلام مذكور في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” وقوله تعالى: “ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” وقال الله عز وجل: “أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم”.
ومن هنا تجدوني في كل كتاباتي أهتم بنقد واقعنا الإسلامي بهدف تغييره وتطويره، لأننا لو تغيرنا ذاتيا وتطورنا ذاتيا، فسوف تنحل جميع مشاكلنا.
دور الشام في النهوض بالأمة
وكما بدأنا هذا المقال عن سوريا فلننه عن سوريا عبر سؤال: ما هو دور سوريا أو الشام في النهوض بالأمة وتحريرها من نير التسلط الغربي؟
نعم هناك ضعف في المورد البشري في منطقة الشام إزاء حركات الغزو الخارجي الكبرى، من مثل الغزو الاستيطاني الصليبي، أو الغزو المغولي في العصور الوسطى، أو الغزو الأوروبي والصهيوني في العصر الحديث، ولكن رغم هذا فلقد لعبت الشام دورا مسرعا في حرب التحرير الإسلامية ضد كل هذه الغزوات.
فرأينا كيف أن نهضة حلب السياسية بقيادة عماد الدين زنكي، وما تلاها من توسع الدولة الزنكية في الشام، وتحرير إمارة الرها من الصليبيين، فكل هذا، وما تلاه من أعمال القائد نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، لم يؤد فقط لتنشيط قدرات الشام لتحرير بلاد المسلمين من الصليبيين، بل إنه لعب دورا أساسيا لتحرير مصر من حكم العبيدين، وضمها لجبهة التحرير الإسلامي بقيادة صلاح الدين الايوبي، وكلكم تعرفون بقية قصة التاريخ، وهكذا تكون الشام مسرعا وربما مبدئا للتحرير الإسلامي.
الأسئلة الشائعة حول الهيمنة والتحرر في المنطقة العربية
لماذا تعتبر جغرافيا الشام خطراً داهماً على الكيان؟
بسبب تداخل الكتل السكنية والقرب الشديد من القلب الحيوي لدولة فلسطين المحتلة، مما يجعل الدفاع الجوي للعدو في حالة عجز أمام الصواريخ والمسيرات لضيق الوقت الجغرافي.
ما هو سر “القوة الكامنة” التي تخشاها المنظومة الغربية في مصر؟
تتمثل في التجانس الديموغرافي الفريد لـ 120 مليون إنسان دون أقليات منعزلة، مع تنوع الموارد الاقتصادية والسيطرة على أهم ممرات التجارة العالمية كقناة السويس والبحر الأحمر.
كيف فسر المقال مفهوم التغيير كطريق للتحرر؟
ربط المقال بين التحرر وبين تغيير “ما بالأنفس” كما ورد في القرآن الكريم، معتبراً أن الاستبداد والاحتلال هما “أعراض” لمرض الضعف الذاتي والوهن (حب الدنيا وكراهية الموت).
المصدر
موقع الأمة اليوم، عبد المنعم منيب .

