أمة واحدة   قوة لا تُقهر

تحسر معي على واقعنا، واحلم معي بمستقبلنا…ما من خبرٍ في هذه الدنيا إلا ويزيدنا حسرة على أحوالنا وأوضاعنا.. خذ هذا المثال.. وتأمل معي وتفكر فيه.. كي نتحسر معاً!

تأملوا قوة “الدولة الواحدة”: درس من إيران

هذه إيران، دولة واحدة، استطاعت أن تؤثر في أحوال العالم لسيطرتها على مضيق واحد.. وهذا المضيق هي لا تملك طرفيه من الجانبين، بل تملك شاطئاً واحداً فقط منه! ثم هي دولة منبوذة من محيطها؛ مختلفة عما حولها مذهبياً وعرقياً وسياسياً! وهي تحارب قوة أعتى منها بكثير وأعظم منها بكثير، بل بما لا يُقارن.. أقصد: أمريكا وإسرائيل! وأمريكا وإسرائيل في هذه الحرب تستعين بوجود قوي هائل على الشاطئ الآخر من المضيق نفسه.. وجود سياسي واقتصادي وعسكري وأمني.. حتى تكاد تكون الدول المشاطئة لهذا المضيق قواعد عمليات نشطة في هذه الحرب! هذا كله معاً.. وإيران تستطيع أن تؤثر في أحوال العالم كله بغلقها لهذا المضيق.. حتى إن ترمب ينشط ويضغط في محاولة تحشيد بقية دول أوروبا والخليج للانخراط في المعركة!!

تعال نجمع خلاصة ما قيل:

دولة واحدة، تستطيع إغلاق مضيق واحد، في ظروف كلها ضدها.. وتستطيع فعل هذا..

ثم تعال تحسر معي.. ماذا تستطيع أن تفعل أمتنا في هذا العالم إذا كانت دولة واحدة، خلافة واحدة، قوة واحدة؟!!

من الخيال إلى الواقع: ماذا لو اجتمع شملنا؟

تخيل معي أن الجزيرة العربية ومصر والشام والعراق والمغرب الإسلامي وتركيا دولة واحدة.. أخبرني حينها: أي قوة في العالم تستطيع أن تقف ضدنا ونحن نسيطر على كل المضايق والمعابر والطرق البرية والبحرية، وعلى هذا الكم الهائل الضخم من الثروات الطبيعية ومن المخزون البشري ومن الطاقة الثقافية الفوارة التي هي الإسلام؟!! لقد كانت هذه هي الدولة العثمانية يوم كانت قوة عظمى عالمية..

لعلك تعرف الآن لماذا حرص كثيرون على أن تكره الدولة العثمانية، وعلى أن تكره فكرة الخلافة نفسها.. لعلك الآن تدرك ما فائدة أن يكره المسلمون أنفسهم وينفروا من فكرة الخلافة ومن فكرة الوحدة..

ماذا لو أضفنا الجناح الشرقي؟

فإذا أضفنا إلى ذلك الجناح الشرقي للعالم الإسلامي.. أضف على هذه الدولة السابقة: إيران وباكستان وآسيا الوسطى وماليزيا وإندونيسيا.. ثم أخبرني حينها: كيف سيكون شكل هذا العالم!!! كيف ستكون قوة أمتنا؟!!.. كيف ستكون هيمنتها على العالم!!

إسرائيل التي هي الآن شوكة حادة مغروزة في لحمنا لا حلَّ لها.. تخيل معي، كيف ستكون مشكلة إسرائيل في عالم كالذي نتخيله!!.. إنها لن تخطر حتى ببال أشد المتصهينين تفاؤلاً وخيالاً وأبعدهم أحلاماً وأوهاماً!!

دعنا ننزل خطوة.. وحدة عربية فقط!

لا بأس.. لا بأس.. دعنا نأتي من هذا الخيال الكبير، خيال الخلافة الإسلامية الجامعة.. ونتكلم عن وحدة عربية حقيقية.. إذا كانت بلاد العرب دولة واحدة، تجمع في حناياها: الجزيرة والعراق والشام ومصر والسودان والمغرب الكبير.. فأخبرني: أي قوة يمكن أن تكون لها وهي تسيطر على مضايق هرمز وباب المندب وجبل طارق؟!! وأضف على ذلك: السيطرة على قناة السويس (هذا إن اتفقنا ووافقنا أصلاً على إبقائها محفورة في أرضنا وتقسم اتصالنا البري).

ما بالك بأمة تسيطر على البحر الأحمر كله وبحر العرب كله، وعلى جنوب المتوسط كله، وعلى غربي الخليج كله؟!! ثم هي تختزن في ذاتها كل هذه القوة العلمية والبشرية والاقتصادية: الماء والنفط والمعادن والأرض الخصبة والعقول اللامعة التي لا تزال حتى الآن تساهم في نهضة الغرب نفسه!

من المسؤول عما نحن فيه الآن؟

وإذن.. فمن المسؤول عما نحن فيه الآن؟!! من الذين جعلونا أمة ممزقة مشتتة مفرقة حتى صارت إيران تمثل لنا تهديداً أصلاً.. ثم صرنا نستعين تجاه هذا التهديد بتهديد وجودي أشد منه خطراً وأعظم منه أثراً وأثقل منه وطأة: التهديد الأمريكي والصهيوني!!

لماذا نشأت فينا دول لا تملك أي مقومات للدولة، لا مساحة ولا بشراً ولا حتى اتساقاً سكانياً بشرياً.. إنما صنع المستعمر حول بئر النفط دولاً!! ثم سارت هذه الدول في سياسة الاستعمار حتى اتخذته أباً وأماً، ويا ليته اتخذهم أولاداً.. لقد ضنَّ عليهم حتى بمعاملة الخدم والعبيد!! فهو يستصفي أموالهم ثم يدخلهم في معاركه ثم يبخل عليهم حتى بحمايته، ويعرضهم لاضطرابات وأوضاع هم الذين يدفعون ثمنها، ويُدخلهم في عداوات لم تكن يوماً تستحق أن تكون عداوات!

دول الخليج التي أنفقت أموالها أنهاراً على الأمريكان وعلى تمويل الانقلابات العسكرية، وعلى كسر القوى الحية الطبيعية التي كان يمكن أن تؤلف بينها وتوحد بينها وتبذل الأرواح دونها = ها هي الآن تعيش لحظة تاريخية حافلة من هذا الوهم والسراب.. ويشتكي بعضهم من الغدر، غدر الذي قال لهم يوماً “قلت له: إذا أردت الحماية فيجب عليك أن تدفع”، وغدر الذي قال لهم يوماً “مسافة السكة”!!! {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}.

ألا تستحق أحوالنا أن نتألم ونتحسر؟!!

لماذا لا نقبل بالصغار؟ لأن قدرنا أن نكون كباراً

إن قَدَرنا في هذه الحياة أن نكون كباراً.. لذلك لا يسعنا هذا الضيق، لا تقبل طبيعتنا أن نكون صغاراً، لا يجيز لنا ديننا أن نكون أشتاتاً.. حتى المصلحة المادية البحتة.. المصلحة العلمانية النفعية البرجماتية.. الحتمية الجغرافية تدفعنا جميعاً لنكون أمة واحدة.. هذه مصلحةٌ يفهمها حتى من يريد الدنيا، ولو أنه نوى أن يدخل النار..

لو أنه يحكمنا مخلصون من الكفار لكانت الوحدة مطلبهم وغايتهم وسياستهم الأكيدة الثابتة.. ولكن، مع كل الحسرة والألم والأسف: يحكمنا الخونة.. الخونة الذين يضيعون علينا كل المصالح مقابل شهوات أنفسهم ولذاتها العاجلة القصيرة.. شهوة أن يُقال ملك ورئيس وأمير وزعيم، ولو على المتر المربع الواحد.. ثم هو في عالم السياسة مسخٌ لا قيمة له ولا وزن ولا قدرة له على حماية نفسه!!

إذاً.. ما العمل؟

يجب أن ننبذ ونفضح ونطرد كل من يُحبب إلينا الفرقة والتمزق، ولو كانت باسم الوطنية أو التقدم أو الاستقلال أو غيرها من هذه التفاهات.. يجب أن ننبذ ونفضح ونطرد كل من يحاول تشويه تاريخنا وتشويه اللحظات الذهبية التي كنا فيها أمة واحدة، أو على الأقل كانت لنا رابطة حقيقية عضوية جامعة، هي رابطة الخلافة..

علينا إرث ثقيل، وأمامنا عمل طويل.. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

المصدر

صفحة محمد إلهامي، على منصة X.

اقرأ أيضا

القوة سِرُّ عز الأمة

حال الأمة بين «لا تعتذروا قد كفرتم» و«حبسهم العذر»

خلاصة مشاكل الأمة وعلاجها

التعليقات معطلة