عندما نريد قراءة وعد بلفور لا يمكننا أن نقرأه فقط في سياق الصراع الصهيوني العربي في العقود الأولى من القرن العشرين، فإنّ مثل هذه القراءة في نظري هي قراءة مضلّلة؛ لأنّها تفترض مبادرة المشروع الصهيوني وإعانة القوى الغربية له، بينما الحقيقة الأكثر وضوحًا على ضوء التاريخ هي أنّ القوى الغربية كانت أحوج إلى المشروع الصهيوني من حاجة المشروع الصهيوني إليها، ومن ثمّ كان وعد بلفور مجرّد بصمة تأكيد في مسيرة التخطيط الغربي لزرع كيان دخيل في هذه المنطقة تحديدا، في فلسطين، لوضع إسفين في قلب العالم العربي والإسلامي، وفصل شقّه الغربي عن شقّه الشرقي.

سبب حرص الغرب على وجود الكيان الصهيوني

إنّ القصّة في أصلها هي قصّة صراع الحضارات، فهناك معطيات حضارية عديدة تجعل من المنطقة العربية مؤهّلة للعودة إلى الريادة الحضارية، كما كانت على مدى نحو ألف عام، ومن ثمّ تكون جهود الحضارة المهيمنة على العالم اليوم – على ضوء تجربة التاريخ الطويلة وبناءً على السلوك الغريزي لأي حضارة مهيمنة – هي الحيلولة دون نهوض تلك الحضارة المنافسة. ومن ثم فإنّني أقرأ وجود الكيان الصهيوني، المنتمي للغرب قلبًا وقالبًا، في سياق هذا الصراع الحتمي بين حضارتين: حضارة مهيمنة وهي الحضارة الغربية، وحضارة آفلة يعتمل تحت رمادها جمر الإفاقة والنهوض، وهي الحضارة الإسلامية.

العلاقة التكافلية بين القوى الغربية المهيمنة والكيان الصهيوني

إنّ المشروع الصهيوني في حقيقته يخدم الحضارة الغربية أكثر من خدمة الحضارة الغربية له، ومن هنا نشأت تلك العلاقة التكافلية بين القوى الغربية المهيمنة والكيان الصهيوني، تلك العلاقة التي يمكن استقراؤها جيّدا في مواقف الحكومات الأمريكية المتعاقبة من الكيان الصهيوني، وحرصها جميعًا على الحفاظ على خطّ واضح يمكن اعتباره فوق دستوري، أي أنه ليس فقط لا يخضع للسياسة الخاصة لكل من الجمهوريين أو الديمقراطيين، بل هو شيء متجاوز للقانون الأمريكي بأسره ومرتبط بشكل عضوي وثيق بالجوهر الحضاري للحضارة الغربية التي تتزعّمها أمريكا اليوم.

كيف نقرأ المشهد الحضاري؟

في حالة فريدة من اجتماع أمر الله الكوني ممّا خلقَهُ الله وقدّره، مع أمره الشرعي الذي أمر به وشرعَهُ تقول الجغرافيا السياسية وديمغرافيا المنطقة العربية وجيلوجيّتها ما يقوله كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أمّا الأمر الكوني: فتخبرنا الديمغرافيا العربية والجغرافيا السياسية للمنطقة وجيلوجيّتها بوجود معطيات متكاملة لبناء حضارة قوية ورائدة:

– ديمغرافيّا: أمّة مسلمة سنّية المذهب في معظمها، عربية لها لغة واحدة وجذور تاريخية واحدة وأزمة حضارية واحدة. ولكنها تعاني من الضعف والتفرّق والتخلف والتبعيّة، وغير قادرة على الدخول في الحضارة وأخذ مكانتها التي تليق بها.

– جيوسياسيّا: جغرافيا متواصلة في منطقة حيوية جدّا من العالم، تمتلك بعض أهم الممرات المائية في العالم والشواطئ الكثيرة. ولكنّ تم تقسيم هذه المنطقة إلى كيانات سياسية صغيرة وقطع أوصالها بما يمكن اعتباره تمزيقا لامتدادات القوة فيها. فعلى سبيل المثال، الشام الذي كان “وحدة طبيعية وإدارية منذ الفتح الإسلامي وربما قبله” كما يقول الدكتور محمد سهيل طقوش، بات اليوم مقسّما على أربع كيانات هزيلة أحدها دخيل على المنطقة. ولا توجد وحدة سياسية واقتصادية بين مصر والشام والعراق والجزيرة، بل تتنازع هذه المناطق كيانات تتذبذب ولاءاتها الخارجية مما يفرغ المنطقة من عوامل القوة والنهوض.

– جيولوجيّا: تتوفر المنطقة العربية على مخزون هائل من النفط فضلا عن سائر الثروات الطبيعية المتنوعة، والتي تؤهّلها للاستقلال بمواردها دون أن تكون بحاجة إلى الاعتماد على قوى كبرى أخرى خارجية.

الأمة العربية تمتلك مقومات نشوء حضارة

إنّ هذه المعطيات الواقعية التي أرادها الله وجرت في مشيئته تفرز نتيجة واضحة: أنّ هذه المنطقة تمتلك مقومات نشوء حضارة؛ فلها دينها ولغتها الموحدة، ولها تاريخها العظيم، ولها ارتباط شعوبها واحتياج أقاليمها لبعضها البعض، ولها أزمتها الحضارية الواحدة. هذه النتيجة التي يقرؤها الباحث الملحد قبل المسلم تتّفق مع أمر الله الشرعي، أي الذي شرَعَهُ وأمرَ به سبحانه. فقد أمرنا الله عزّ وجلّ في كتابه بالاعتصام على الهيئة الاجتماعية: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وحذّر هذه الأمة أن تكون {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}. وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حذّر أمته قائلا: “سيكونُ بعدي هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمَن رأَيْتُموه فارَق الجماعةَ أو يُريدُ أنْ يُفرِّقَ بينَ أمَّةِ محمَّدٍ ﷺ وأمرُهم جميعٌ فاقتُلوه كائنًا مَن كان فإنَّ يدَ اللهِ مع الجماعةِ وإنَّ الشَّيطانَ مع مَن فارَق الجماعةَ يرتَكِضُ” (صحيح ابن حبان).

كيان سياسي جامع

إنّنا نرى أنّ الأمرَ الجميع الممكَّنَ القويَّ الذي أمر الله به، والذي يمكن استقراء وجوب القيام به من الكتاب والسنّة، هو ما دلّت عليه المعطيات المادّية التي يقرؤها أي باحث منصف: أنّ هذه الأمة التي تقطن في هذه المنطقة لا سبيل لها للعيش بكرامة ولتقوم بدورها في تقديم رسالتها وإنتاجها الحضاري للإنسانية إلا بتوحّدها في كيان سياسي جامع، يكون منطلقا لإعادة الريادة الحضارية لها.

الدور الغربي للحيلولة دون قيام حضارة في المنطقة العربية

هذا الهدف المنشود لهذه الأمة هو القضية الكبرى التي يشكّل الكيان الصهيوني فيها بمثابة جهد حضاري غربي للحيلولة دون قيام هذه الحضارة، وهو ليس الجهد الوحيد في ذلك، بل هو أحد هذه الجهود. ولقد قال لنا أحد عقلاء أساتذة التاريخ اليهود في جامعة حيفا يوما إنّه لا ينبغي للصهاينة أن يفرحوا كثيرا في استعراض بطولاتهم حين انتصروا عام 1948، فلم يكونوا – كما يحبّون أن يصوّروا لأنفسهم – قلّة مستضعفة استطاعت الانتصار على المحيط الهادر من الدول العربية المحيطة بهم، بل كانت الإرادة الغربية تقف وراء نجاحهم هذا، وكان انتصارهم طبيعيا في ظلّ اختلال ميزان القوى.

خصوصية المنطقة العربية

وينبغي التأكيد أيضا على خصوصية المنطقة العربية في هذا الشأن دون غيرها من المناطق الإسلامية، فمن يجيل بناظره إلى مختلف المناطق الإسلامية في العالم سيجد القبضة الغربية مرتخية عن إندونيسيا وماليزيا وباكستان وإيران وتركيا، فقد أتيح لهذه البلدان – بما امتلكت من طاقات وقدرات – أن تنهض من تخلّفها وأن تبني قوتها وتماسكها. أما العالم العربي، فلا زال يرزح تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية وقيود التخلف والتبعية المذلّة.

ولا يعود ذلك فقط إلى تقاعس الشعوب العربية وعدم وجود النخب القادرة على النهوض بها، فما نجده من أمراض في الشعوب العربية سنجده في سائر الشعوب الإسلامية، والدخول في مضمار الحضارة بالانتقال من العالم الثالث إلى العالم الثاني على الأقل بات أمرا سهلا إذا توفرت الإرادة السياسية، وها هي بلدان كالبرازيل وتركيا وغيرها تشهد على هذا الأمر، فقد أفاقت من كبوتها ونهضت في سنوات قليلة.

أما العالم العربي فهو يمتلك – في نظري – مقومات خطرة لا تمتلكها سائر بلدان العالم الإسلامي، وهو الذي يجعل من سيطرة النخب الواعية الحرّة عليه وإدارته والنهوض به ثم خروجه من التبعية الغربية عملية خطرة جدّا ليس على الكيانات السياسية الغربية فقط، بل على الحضارة الغربية بأسرها!

إنّ المراقب للقيود السياسية والاقتصادية والصناعية المفروضة على بلدان كبيرة كالسعودية ومصر والعراق وسوريا يعلم تماما أنّ ثمّة إطار معيّن يجب الحفاظ عليه، وأنّ أي خروج عنه ستتم محاربته بقوة كبيرة. فهذا صدّام – على علّاته الكثيرة – حين قرّر الخروج عن الطوع تم تركيعه وضربه وإزالته، وهذه مصر، حين تولّى إدارتها من يحاول – على عثراته الكثيرة وضعفه – أن يبني شيئا فيها تمّت إزاحته سريعًا.

الوعي الغربي بقوة الحضارة الإسلامية

والهدف من هذه التحرّكات الغربية سواء المباشرة أو غير المباشرة هو كما ذكرنا الحيلولة دون قيام دولة قوية كبرى في المنطقة لها من أدوات التفوق التكنولوجي والعسكري ما يسمح لها بالخروج من التبعية، ومن ثم يسمح لها ببناء الحضارة. لأنّ المعادلة التي يدركها زعماء الغرب جيّدا أنّه إذا سُمح لشعوب هذه المنطقة أن تختار قيادتها السياسية بإرادتها، وأن تمسك بزمام الأمور فيها نخبُها السياسية المنتمية للحضارة الإسلامية؛ فإنّ الأمور ستؤول إلى نشوء حضارة منافسة يرى زعماء الغرب – بناء على التجربة التاريخية وعلى طبيعة القيم الإسلامية – أنّه لا يمكن التعايش معها، ومهما روّج العرب شعارات “التعايش” و”حوار الحضارات” فهي لن تكون قادرة على تغيير هذه القناعات التي باتت راسخة في جينات القيادة الغربية!

فلسطين الظلّ

أما قضية فلسطين بشكلها المطروح اليوم، باعتبارها بؤرة الصراع العربي الصهيوني، أو كما في النسخة الأخيرة بؤرة “الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”، أما هذه القضية فهي مجرّد “ظلال” للقضية الأساسية التي فصّلنا أركانها أعلاه؛ فلم تنشأ فكرة دولة فلسطين إلا بنشأة فكرة إنشاء وطن قومي لليهود فيها من قبل ساسة الغرب والحركة الصهيونية، أي لم يفكر العرب بوجود كيان مستقل متميّز اسمه فلسطين وله شعب يسمى الشعب الفلسطيني إلا كردّ فعل على الحركة الصهيونية والإرادة الغربية في إقامة كيان دخيل على الأراضي العربية التي تمّت تسميتها جميعًا لاحقا باسم “فلسطين”.

بل حتى تلك الخارطة التي يعتز بها كل فلسطيني، لم ترسمها بريطانيا لنا (نعم بريطانيا هي التي رسمتها)، بل تم رسمها باعتبارها “أرض إسرائيل” المخصصة للحركة الصهيونية، لتقيم عليها الكيان ذي المعايير الصالحة لتنفيذ الأهداف الغربية!

إنّ هذا لا يعني إلغاء الحقوق الفلسطينية ولا اختزال كارثة فلسطين وتهجير سكانها وهدم قراها ومدنها وتغيير معالمها، فهذه كلها ثابتة كحقّ إنساني طبيعي متجاوز للسياسة ومتجاوز لفكرة وجود دولة فلسطين؛ فالحقوق العربية والإسلامية في فلسطين محفوظة بهذا الحقّ الطبيعي لا بإثبات وجود دولة فلسطين قبل دولة إسرائيل!

وكم يُخطئ بعض العرب من أهل فلسطين حين ينبشون تاريخ الانتداب على أرض فلسطين ليستخرجوا بعض الصور لمؤسسات سيادية وثقافية وحضارية تدلّ – في نظرهم – على وجود دولة فلسطين؛ مثل عرض غطاء مجاري حديدي نُقش عليه اسم فلسطين، أو سينما أو مطار أو مؤسسة أخرى أيا كانت، فمعظم هذه المؤسسات هي في الواقع مؤسسات بريطانية ورثها الصهاينة، بل استلموا كافّة المؤسسات السيادية البريطانية قبيل خروج بريطانيا من فلسطين وإعلانها إنهاء الانتداب!

إنّ هذه المؤسسات لم تكن في معظمها مخصصة لنا، ولم تكن لتدل على شيء من حقوقنا حتى لو ذُكر عليها اسم “فلسطين”. وكم نخسر حين نربط وجودنا بوجود سياسي تحت شعار “دولة فلسطين”، بل إنّ فكرة الدولة الفلسطينية بحدّ ذاتها هي فكرة غير واقعية في ظلّ الظروف الحالية لسبب بسيط: أنّها غير قابلة لتكون دولة! فلفظ “الدولة” يُحيل مباشرة إلى معاني السيادة، وأي سيادة عربية لدولة محاطة بكاملها تقريبا بإسرائيل؟ قد يقول قائل: هناك دول كثيرة في أوروبا لا يتجاوز حجمها نصف حجم فلسطين.

ويجاب على هذا أنّ تلك الكيانات الصغيرة ما كانت لتكون دولا مستقلة لولا انتماؤها إلى محيطها الحضاري الأوروبي الغربي، فهي جزء منه وهو ظهرها الذي تستند إليه، ولا تعيش إشكالية حضارية وسياسية كالتي يعيشها العالم العربي، ومن ثم فإنّ أي كيان سياسي صغير سينشأ على أرض فلسطين أو في أي مكان آخر في المنطقة العربية لن يكون قابلا للحياة ولممارسة السيادة والنهوض بالشعب إلا باستناده إلى كيان حضاري أكبر وانتمائه إليه.

القضية الكبرى: خروج الأمة العربية والإسلامية من أزمتها الحضارية

ومن هنا فإنّني ألفت أنظار النخب السياسية وجميع الناشطين في قضية فلسطين إلى ارتباط القضية بقضية أكبر منها، ووجوب دراسة أبعاد القضية الحضارية الكبرى لتكون الرؤية السياسية أكثر نضجا. ولا أعني بذلك التخلّي عن أي أنشطة محلية أو جزئية مرتبطة بفلسطين مباشرة، بل هي جهود مطلوبة، ولكنها لن تكون موضوعية ومجدية إذا غفلتْ عن القضية الأكبر، أو إذا توهّمت إمكان تحقق الكيان السياسي الفلسطيني المستقلّ دون خروج الأمة العربية والإسلامية من أزمتها الحضارية وبناء عناصر قوتها.

وإنّ الأهم من التجوّل بين أروقة المؤسسات الدولية هو معالجة أزمتنا الحضارية على المستوى العربي والإسلامي، وبدون ذلك ستظلّ القضية الفلسطينية مجرّد كرة تتقاذفها مختلف القوى العالمية؛ لأنّ القضية أكبر من فلسطين، وبلفور كان أكثر من وعد!

المصدر

صفحة الأستاذ شريف محمد جابر.

اقرأ أيضا

المقدمات قبل استرجاع القدس

مفتاح القدس هو نفس مفتاح المنطقة

القدس .. ونهاية القرن الأمريكي

الاضطراب العقدي والسياسي .. وضياع الطريق إلى القدس

من نحن؟ وما لنا وللأقصى والقدس؟

التعليقات غير متاحة