بيان هيئة الإفتاء، بشأن مزاعم السفير الأمريكي عن حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

تصريحاتٌ للسفير الأمريكي في إسرائيل أثارت غضبَ المسلمين واستياءَهم في كلّ مكان، صدرت هذه التصريحات خلال مقابلةٍ له أجراها مع إعلامي أمريكيِّ يوم الجمعة 20/ 2/ 2026، فقد صرح هذا السفير بأنّ إسرائيل تستحقّ أن تتمدّد دولتها من النيل إلى الفرات، وربط ذلك بالنبوءة التي وردت في التوراة المحرفة بأنّ الله أعطى لإبراهيم ثم يعقوب هذه الأرض خالصة له ولنسله من بعده إلى يوم القيامة، وقد جاءت هذه التصريحات في وقت تسعى فيه الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة نتنياهو، لتحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى”، وتقوم بتسريع وتيرة “الضم الفعلي” للضفة الغربية المحتلة من خلال نقل الصلاحيات لسلطات مدنية، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق .. وحيال هذه التصريحات وما صاحبها رأت الهيئة أن تصدر هذا البيان؛ ليكون تبيانًا عامًّا للأمة بشأن هذه القضية المركزية الخطيرة.

أولًا

أخبر القرآن الكريم أنّ لبني إسرائيل في الزمان عُلُوَّين كبيرين، قال تعالى في سورة الإسراء: (وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا)[الإسراء: ٤]، ولسنا نشك في أنّ العلو الكبير والأخير هو ما يعايشه العالم المعاصر منذ تلاقت مصالح ومطامح الصهيونيتين: (اليهودية والصليبية)؛ وقد صار معلومًا بالقطع أنّ الصهيونية ليست خاصة باليهود وحدهم، وإنّما تشمل كل من سعى ويسعى لإعادة “مجد إسرائيل على جبل صهيون” – كما هو تعريف دائرة المعارف البريطانية للصهيونية – والمعنى المقصود للتعريف باختصار هو أن الصهيونية تعني السعي لإعادة بناء الهيكل الثالث مكان المسجد الأقصى لاستقبال (الفصل الأخير في مسار بني إسرائيل)، بما يقتضيه ذلك من إعادة توطين اليهود في الأرض المقدسة، ثم إنشاء دولة قوية لهم فيها، ثم جعل القدس عاصمة لها، ثم إعادة بناء الهيكل ليكون قبلتها، ثم التمدد لاستكمال خريطة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات، ثم استقبال عصر (البقرة العاشرة) لتطهر اليهود برمادها، ثم – أخيرًا – الاستعداد لاستقبال (المسيح المنتظر) ليقودهم في قيادة العالم.

فليس غريبًا ولا خارجًا عن السياق أنّ يصرح مسئول أمريكيّ بمثل هذه التصريحات السخيفة، كيف وقد تغلغلت الصهيونية في الجسد الأمريكي، إلى حدّ أنّه – بحسب كتاب “البعد الديني في السياسة الأمريكية” – تمّ خلق صورة خيالية عن الصراع العربي الإسرائيلي وكأنه امتداد للصراع بين داود وجالوت، وليس هذا الهوس شعبويًّا أو دينيًّا فقط، فلقد وقف كارتر من قبل أمام الكنيست قائلا: “لقد آمن سبعة رؤساء أمريكين وجسدوا هذا الإيمان بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة، بل هي علاقة فريدة؛ لأنها متجذرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه … لقد شكل إسرائيلَ والولاياتِ المتحدة الأمريكية مهاجرون طليعيون، ونحن نتقاسم معهم تراث التوراة”، أمّا ريجان فكان أكثر صراحة ووقاحة وهو يقول للإيباك: “حينما أتطلع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم وإلى العلاقات المنبئة بهرمجدون أجد نفسي متسائلا عمّا إذا كنّا نحن الجيل الذي سيرى ذلك واقعاً، ولا أدري إذا كنت قد لاحظت مؤخرا أيًّا من هذه النبوءات، لكن صدقني إنها قطعا تنطبق على زماننا الذي نعيش فيه”، فليس جديدًا – إِذَنْ – على مسامع العالم ما يتفوه به هذا السفير الحقير.

ثانيًا

ليس للصهاينة ولا لغيرهم حقٌّ في شبر واحد من أرض فلسطين ولا مَّما حولها؛ فجميعها أرض إسلامية، ملكتها الأمة الإسلامية بالفتح، وما ملكته الأمة بالفتح يبقى حقًّا للمسلمين إلى يوم الدين، حتى لو غلب عليه أعداؤهم في فترة من الزمان، وليس لأحد حقٌّ في أرض فتحها المسلمون لمجرد أنّ أسلافه سكنوها؛ فإنّ الله تعالى قال على لسان نبي الله موسى عليه السلام: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ ‌يُورِثُها ‌مَنْ ‌يَشاءُ ‌مِنْ ‌عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128)، وإذا كان بنوا إسرائيل قد سكنوا القدس وما حولها فترة من الزمان فإنّ اليبوسيين من العرب قد سبقوهم إليها، لكنّنا لا نعول على هذه الحجة؛ فهي – على صحتها وقوتها – دليل قوميّ لا يقوم مقام الدليل الشرعيّ الإسلاميّ، فليس وجيهًا أن يُقول البعض: “نحن شعب الجبارين”؛ لأنّنا لا تربطنا بالجبارين الكافرين صلة، بل نقول: نحن المسلمون، أورثنا الله هذه الأرض.

أمّا النبوءة التوراتية – على فرض صحتها – فهي منسوخة في حقّهم منقولة لصالح الأمة الإسلامية، منسوخة بالإسلام الذي بشّر به أنبياؤهم وكفروا هم به، والذي جاء ناسخًا لكل الشرائع السابقة، بما في ذلك شريعة التوراة، والذي بمجيئه صارت هذه الأمة أولى بالانتساب لإبراهيم، قال تعالى: (مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ ‌أَوْلَى ‌النَّاسِ ‌بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)) (آل عمران: 67-68)، أمّا ما ورد في القرآن عن عهد الله لإبراهيم، فهو عهد بالإمامة على الناس، وقد مدّ الله هذا العهد لمن يقوم به من ذريّته، لا يستحقه الظالمون منهم: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ ‌لِلنَّاسِ ‌إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124)، فلمّا وقع الظلم من بني إسرائيل انتقل العهد – بالإمامة على البشرية – لفرع آخر من ذرية إبراهيم، وهو هذه الأمة، فحتى العهد الذي أعطاه الله لإبراهيم قد انتقل لهذه الأمة.

ثالثًا

من المؤكد أنّهم لن يبلغوا ما يريدون، وأنّ المقاومة الإسلامية سوف تستمرّ إلى أن يأتي الفتح الكبير ويستقرّ، وإذا كانت غزة قد أحرقت في الحرب الظالمة التي انزعجت كلّ شعوب العالم من قسوتها وخسّتها؛ فإنّ المقاومة لن تموت، فلسوف تبقى وتتجدد ولن تبيد أو تتبدد، هذا وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع من الصحابة منهم ثوبان وجابر وعمران بن حصين ومعاوية وأبو هريرة، وهو حديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»، ورد في بعض رواياته عبارة: «يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ» بما يعني أنّ المقاتلين المرابطين هم قلب هذه الطائفة، وفي بعض الروايات قُرن هذا الوعد بجملة «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ» وفي بعضها بجملة «أَلَا إِنَّ عُقْرَ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ»  وفي بعضها: «فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ» وعيسى ابن مريم ينزل في القدس، وفي بعضها: «حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ»، والجيش الذي سيقاتل الدجال سيخرج من هناك، وفي بعض الروايات: «قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس»؛ فهل ثم ريب أنّهم قلب الطائفة المنصورة التي لا يخلوا منها زمان؟

رابعًا

لا ينبغي للمسلمين أن يغفلوا عن حقيقة صارت معلومة من الواقع بالضرورة، وهي أنّ الكيان الصهيونيّ ما كان له أن يولد ويشتدّ ثم يستعلي ويحتدّ إلّا بدعم الخونة من حكام العرب، وما كان له أن يستمرّ اليوم في بطشه واستعلائه إلا بسبب مظاهرة هؤلاء العملاء له، لقد بيّنت هذه المظاهرة أنّ هذه الأنظمة صهيونية حتى النخاع، فلا اعتماد عليها في شيء، ولا تعويل عليها في تحقيق نصر أو في دفع ضرّ، فإنّها – وربّ الكون – لهي الضرر الأكبر وجذر البلاء الأخطر؛ لذلك يجب على علماء الأمة الربانيين أن يهبّوا ليتسلموا دورهم في قيادة الأمة، وفق مشروع إسلاميّ لا يرى تحرير القدس وإزالة الكيان الصهيونيّ إلا طريقًا يمرّ من فوق عواصم تلك الدويلات الزنيمة التي ولدت سفاحًا في مخدع سايكس بيكو، والتي صارت بعد التطبيع تدور في أفلاك منتظمة ومنضبطة حول الكيان الصهيونيّ، والتي لا تمثل شعوبها إلا بقدر ما كان يمثلها المندوب السامي للاحتلال، وعلى الشعوب المسلمة أن تلتف حول علمائها المخلصين.

خامسًا

على جميع الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية أن تنسى ما بينها من خلافات، وأن تربي شباب الأمة على الوحدة والألفة، وأن تصطفّ وتحسن إدارة المساحات المشتركة وتجيد إدارة الاختلاف؛ بما يحقق وحدة إسلامية في إطار الممكن والمتاح، إلى أن تتهيّأ الأمة للمأمول من الوحدة الإسلامية الشاملة، فإنّ التحديات في هذا الظرف شديدة، ولا قيام للأمة تجاه هذه التحديات إلّا بالوحدة التي يجب أن نسعى إليها بقدر المستطاع، والله المستعان.

التعليقات معطلة