علينا أنْ نعرف أنَّ كثيراً من هؤلاء الذين يدَّعون الوطنية ، لا هُم وطنيون ولا يحزنون ، وإنما هم تجارٌ يتاجرون باسم الوطن وآلامه ، بل كثير منهم لصوص ينتهبون خيرات هذا الوطن وثرواته..
لماذا مُنعِ المهاجرون من الإقامة بمكة بعد فتحها
من الدروس المهمة التي يثيرها حدث الهجرة النبوية الشريفة قضية الولاء للإسلام وتقديمه على كل ولاء، ففي سبيل الله ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أرضاً نشؤوا عليها وعاشوا في كنفها ردحاً طويلاً من الزمن، وساروا إلى أرض أخرى لم يألفوها من قبل.
حنين المهاجرين إلى مكة
فوُعِك بعضهم وأصابتهم الحمى، وكانوا يحنُّون إلى مكة ويشتاقون إلى العودة إليها، حتى كان بلال رضي الله عنه إذا أخذته الحمى يقول :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً بوادٍ وحولي إذخِر وجليلُ
وهل أرِدَنْ يوماً مياه مِجَنَّة وهل تَبدوَنْ لي شامةٌ وطَفيلُ1(1) [ إذخر وجليل نبتان ينبتان بمكة ، ومجنة موضع على مقربة من مكة ، وشامة وطفيل جبلان حولها].
فعند ذاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا وانقل حُمَّاها إلى الجحفة…)2(2) [أخرجه البخاري(1889) ومسلم(1376) من حديث عائشة]..
تحريم إقامة المهاجرين في مكة بعد الفتح
ثم كان من تمام الهجرة أن مُنِع المهاجرون من العودة للعيش في مكة بعد أن فتحها المسلمون وصارت دار إسلام، وأنه حتى بالنسبة لمن ذهب منهم إلى مكة حاجاً أو معتمراً فإنه لا يحل له البقاء بها بعد الانتهاء من نسكه فوق ثلاث ليال ، كما في حديث العلاء بن الحضرمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يُقِيمُ المُهَاجِرُ بمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا)3(3) [أخرجه البخاري (3933) ومسلم (1352. واللفظ لمسلم]..
قال الإمام النووي: (معنى الحديث : أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها ، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ، ولا يزيدوا على الثلاثة ، واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الإقامة ، بل صاحبها في حكم المسافر …)4(4) شرح مسلم ( 5/ 133)..
دعاء النبي لتمكين الهجرة والمسارعة في الثواب
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم ، ويتأسف على من مات منهم بمكة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خوْلة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة)5(5) [ أخرجه البخاري (3936) ومسلم(1628) من حديث سعد بن أبي وقاص]..
وإنما كان ذلك المنع من أجل أن يبقى لهم ثواب هجرتهم كاملاً ، فكأن الشارع الحكيم قد اعتبر أن في عودتهم للإقامة بمكة شيئاً من النكوص والرجوع عن هجرتهم إلى الله ورسوله ، فلم يرضَ لهم ذلك .
الولاء للعقيدة فوق الولاء للأرض
ثم إن في هذا المنع ملمحاً آخر يتعلق بما أشرنا إليها آنفاً من تقديم الولاء للعقيدة على كل ولاء ، ألا وهو تحقيق مفهوم الأمة الواحدة كما قال تعالى : (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) [ الأنبياء :92]. هذا المفهوم الذي ما تمزقت ديار الإسلام وطمع فيها الطامعون إلا بعد غيابه ، وتحوُّلِ أمةِ الإسلام إلى كيانات ممزقة ، رسمها لها أعداؤها فيما يسمى باتفاقية “سايكس بيكو” .
من مكة إلى العالم: رقعة دار الإسلام تتسع
وبيان ذلك أن نعلم أن الغاية من مشروعية الجهاد في سبيل الله هي إعلاء كلمة الله في الأرض ، لا الانتصار لقوم أو بلد أو قبيلة . وحيث فتح الله مكة على رسوله الكريم صارت مكة -كالمدينة جزءاً- من دار الإسلام . وصارت إقامة المسلم في أي منهما منوطةً بما هو أصلح لدين المسلم ، وما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين . ولم يعُد من المهم أن يرجع المهاجرون إلى أرضهم وديارهم ، وإنما المهم أن تصير مكة دار إسلام تعلوها راية الحق ، ويسكنها من يشاء الله من أهل الإسلام .
الوطن في الإسلام: مفهوم يتسع ليشمل كل أرض الإسلام
ومن أجل ذلك المعنى انطلق المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مجاهدين في سبيل الله يفتحون البلدان ويوسعون رقعة دار الإسلام ، معتبرين أن كل أرض يفتحونها هي وطنهم ودارهم ؛ لأنها جزء من دار الإسلام التي يعتزون بها . وقد عبر عن ذلك بعض المعاصرين فقال :
ولست أدري سوى الإسلام لي وطناً *** الشام فيه ووادي النيل سيانِ
وحيثما ذكر اسمُ الله في بلدٍ *** عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
إذا اشتكى مسلم في الهند أرَّقني *** وإن بكى مسلم في الصين أبكاني
حب الوطن الفطري والفرق بينه وبين التعصب القومي
ولما كانت قضية الانتماء للأوطان مما يكثر اللغط حوله في كثير من بلاد المسلمين ، بحيث صارت تهمةُ عدم الولاء للوطن تهمةً جاهزة يُتهم بها كل من يدعو لوحدة المسلمين ويراهم أمة واحدة ، فإن من المهم أن نؤكد على أن حب المرء لوطنه والموضع الذي نشأ وترعرع فيه ، من الأمور التي جُبل الناس عليها ، والتي هي في حكم الإسلام مشروعةٌ بلا جدال . وهذا الذي رأيناه من حنين المهاجرين إلى مكة مما يدلل على صحة ذلك . فلذا لا نماري في هذا الأمر ولا نجادل فيه ، ولكننا نؤكد على أن هناك فارقاً بين الحب المشروع للأوطان ، وبين تقديسها والتعصب لها بالحق والباطل ، وجعلها معقد الولاء والبراء؛ والتغني بأمجادها وتاريخها حتى لو كان ذلك التاريخ مما يخالف شرعة الله عز وجل ، بل على المسلم أن يبرأ من الكفر وأهله ، ولو كانوا أقرب الناس إليه ، كما في حديث أبي ريحانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكرامة، فهو عاشرهم في النار)6(6) [ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ( 8/ 85) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى ورجال أحمد ثقات ]..
ومن أمثلة ذلك التعصب المقيت ما نراه من اعتزاز القوم بالتاريخ الفرعوني الوثني وتقديسه والتفاخر به . وأسوأ من ذلك اختراع الأكاذيب والافتراء على الله من أجل زيادة هذا التقديس ، كالقول بأن الفراعنة عرفوا توحيد الله عز وجل . وأسوأ من هذا وذاك ما سمعته منذ مدة من عميدِ إحدى الكليات الأزهرية ، حيث زعم – في محاضرة ألقاها بمسجد الجمعية الشرعية بأسيوط -أن فرعون ما ذُكر في القرآن الكريم إلا من أجل أنه مصري !!.
انتساب الجاهلية: تحذير النبي من العصبية القبلية والوطنية الضيقة
ومما يحسن الاستدلال به في حديثنا هذا ما أخرجه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال : (كنا في غزاة فكسع -أي ضرب – رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار ، وقال المهاجري: يا للمهاجرين ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (ما بال دعوى الجاهلية ؟) قالوا : يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال : دعوها فإنها منتنة)7(7) أخرجه البخاري (4905) ومسلم (2584).. أي أن الانتساب إلى المهاجرين أو الأنصار مع كونه انتساباً شرعياً وشرفاً عظيماً ، إلا أنه إذا جاء على وجه الحمية والعصبية فإنه يكون مذموماً ، لذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك التعصب وسماه دعوى الجاهلية ، فكيف بالتعصب لما دون ذلك من أرض أو قبيلة أو بلد ؟..
لذا أعجبتني كلمة قالها الشيخ الشعراوي رحمه الله في الرد على مقولة “الدين لله والوطن للجميع” ، وكان الأنبا شنودة ، قد قالها في لقاءٍ جمع بينهما ، فرد عليه الشيخ بقوله : (إنَ كل وطن لا دين فيه لا يُعتز بوطنيته).
رفض الإسلام للوطنية الإقليمية وإعلاء شأن الأخوة الإسلامية
ومن قبله قال شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت رحمه الله : (إن الإسلام لا يعرف وطنية إقليمية ، ولا يقرها ، ولا يقر العصبية الشعوبية الخبيثة. ولكن وطن الإسلام حيث يكون المسلمون ، وبلدهم حيث ينادي المنادي ويهتف : “لا إله إلا الله محمد رسول الله ” فالمسلم أخو المسلم ، والمؤمنون إخوة مهما شط بهم المزار ، وتباعدت بهم الديار … فالوطن الإسلامي لا يُحد بحدود سياسية ، ولا ينفصل بفواصل جغرافية ولا يفرق بين أهله لونٌ ولا لغةٌ ولا جنسٌ ولا بلدٌ ، والمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أخو المسلم ومواطنه . لا فضل لعربي على عجمي ، ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح)8(8) [ من محاضرة للشيخ شلتوت ألقاها بالمركز العام لجماعة أنصار السنة ، ونشرت بمجلة الهدي النبوي عدد ربيع الثاني 1371هـ ]..
التجار باسم الوطنية: تناقض الشعارات والممارسات
وأخيراً : علينا أنْ نعرف أنَّ كثيراً من هؤلاء الذين يدَّعون الوطنية ، لا هُم وطنيون ولا يحزنون ، وإنما هم تجارٌ يتاجرون باسم الوطن وآلامه ، بل كثير منهم لصوص ينتهبون خيرات هذا الوطن وثرواته ، وها نحن نسمع كل حين عن قضايا فساد وسرقات يرتكبها أناس كانوا يُصدعون أدمغتنا بحب الوطن ووجوب التضحية من أجله . وقد رأيناهم في فترة المد القومي أيام التجربة الناصرية ينسوَن الانتماء لوطنهم مصر ، ويركزون على الانتماء القومي العروبي. ولا زلنا حتى الآن نذكر أغاني تلك الفترة ومقرراتها المدرسية ، والتي كان همها الأول تمجيد الأمة العربية والدعوة إلى وحدتها . ولا يزال دعاة القومية يرددون ذلك إلى يومنا هذا . ومع ذلك لا نجد مَن يتهم أولئك القوميين بخيانة بلادهم ، ولا السعي في تخريبها كما يُتهم بذلك دعاة الوحدة الإسلامية. فالله المستعان ..
الهوامش
(1) [ إذخر وجليل نبتان ينبتان بمكة ، ومجنة موضع على مقربة من مكة ، وشامة وطفيل جبلان حولها].
(2) [أخرجه البخاري(1889) ومسلم(1376) من حديث عائشة].
(3) [أخرجه البخاري (3933) ومسلم (1352. واللفظ لمسلم].
(4) شرح مسلم ( 5/ 133).
(5) [ أخرجه البخاري (3936) ومسلم(1628) من حديث سعد بن أبي وقاص].
(6) [ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ( 8/ 85) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى ورجال أحمد ثقات ].
(7) أخرجه البخاري (4905) ومسلم (2584).
(8) [ من محاضرة للشيخ شلتوت ألقاها بالمركز العام لجماعة أنصار السنة ، ونشرت بمجلة الهدي النبوي عدد ربيع الثاني 1371هـ ].
المصدر
صفحة الدكتور د. عبد الآخر حماد، على منصة ميتا.

