المتابع للشأن السياسي في ليبيا قد يصعب عليه استيعاب حجم التحول الجذري الذي شهدته اليمن خلال فترة قصيرة، ويرجع ذلك غالباً إلى بُعد الشأن اليمني عن دائرة الاهتمام الليبي والعربي. لكن ما حدث هناك لا يمكن اختزاله في حدث عابر؛ بل هو درس سياسي وعسكري عميق لكل من يراهن على قوة المليشيات والسلاح والدعم الخارجي.

الانتقالي الجنوبي: القوة التي بدت “غير قابلة للهزيمة”

ظل المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن – بلا مبالغة – يُعتبر القوة الأعظم على الأرض:

– تسليح متطور وتمويل سخي

– سيطرة جغرافية واسعة (أكثر من نصف مساحة اليمن)

– تحكمه في جميع الموانئ الاستراتيجية تقريباً

– دعم إقليمي مباشر وقوي

بل إن العاصمة المؤقتة عدن كانت تحت سيطرته المطلقة: المطار، الميناء، القصر الرئاسي، والمصرف المركزي. هذا الواقع أجبر الحكومة المعترف بها دولياً على مغادرة البلاد، فيما تحولت إلى ما يُسخر له بـ”حكومة الفنادق”.

السقوط المفاجئ: من الهيمنة إلى الهروب

لم يتوقع أحد أن تتبخر هذه المنظومة الضخمة خلال أيام قليلة. انهارت السيطرة، وتفككت التشكيلات المسلحة، وتحول رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، من “الرجل الأقوى” إلى شخص فارٍّ مطلوب للعدالة.

المقارنة مع ليبيا: لماذا قد يكون السيناريو أسهل؟

لنقرب الصورة أكثر: تخيلوا أن مشروع خليفة حفتر – بكل ما يُضخم إعلامياً عن قوته – ينهار خلال أيام، ويهرب هو وأبناؤه، وتُطوى صفحتهم سياسياً وعسكرياً. هذا ما حدث في اليمن، لكن بشروط أصعب مما هو قائم في ليبيا.

 

المعيار

المجلس الانتقالي الجنوبي (اليمن) قوات حفتر (ليبيا)
الشرعية الشعبية ضعيفة ومنقسمة أضعف وأكثر رفضاً

البنية العسكرية

مليشيات متعددة بلا عقيدة موحدة

مليشيات قبلية ومرتزقة

العمق الجغرافي

سيطرة ساحلية وموانئ مفتوحة

مناطق صحراوية

قوة الخصم السياسي

حكومة ضعيفة سياسياً ودوليا

حكومة طرابلس أقوى

التماسك الداخلي

هش

أكثر هشاشة

إذا استطاعت الحكومة اليمنية – بكل ضعفها – كسر مشروع الانتقالي، فإن إنهاء مشروع حفتر يصبح احتمالاً واقعياً.

لماذا برقة قد تكون أقرب للانهيار من جنوب اليمن؟

  1. لا إجماع اجتماعي حقيقي خلف حفتر.
  2. اعتماد شبه كلي على التمويل والدعم الخارجي.
  3. صراعات داخلية بين الأبناء والقيادات.
  4. غياب مشروع دولة حقيقي، مقابل هيمنة عائلية وعسكرية.

ما جرى في اليمن ليس استثناءً، بل هو نموذج متكرر في تاريخ المشاريع القائمة على المليشيات والدعم الخارجي: قد تبدو قوية، لكنها تنهار بسرعة عندما تتغير المعادلات.

الدرس الواضح

ما حدث في اليمن لم يكن خيالاً، بل واقعاً صادماً. وما يُستبعَد اليوم في ليبيا، قد يصبح غداً خبراً عاجلاً. برقة ليست أصعب من عدن، وحفتر ليس أقوى من الانتقالي. وسقوط الوهم مسألة وقت لا أكثر.

المصدر

صفحة أحرار بنغازي، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

حفتر والإعلام .. عندما تنقلب التحالفات، تنقلب السرديات

جريمة “حفتر” في ليبيا

موقع ‘الإصلاح’ في المعادلة اليمنية

التعليقات غير متاحة