التبعية الفكرية والانزياح الحضاري

أعجب من أمّة لديها هذا النور الإلهي العظيم المتمثّل بالقرآن، وتلك السنّة التفصيلية في جميع شؤون الحياة وقيمها، وآثار الصحابة والتابعين وتابعيهم التي هي تطبيقات متشعّبة لمختلف مواقف الحياة… ثم تجد بعض نخبها يتبارزون في الاقتباس من حِكم الغربيين التي لا تصل إلى عمق حكمة المسلمين حين اهتدوا بأنوار الوحي…

تخلي النخبة عن التراث: من القرآن والسنة إلى أرسطو وفوكو

حين يكتب مسلم كتابًا في القيم والمبادئ والأخلاق وتكون معظم مراجعه غربية غير مسلمة فهذه بداية لطريق الزيغ، تماما كما حدث مع الفلاسفة والأدباء قديمًا حين أوغلوا في نقل “حِكَم” الشرق واليونان، فامتلأت كتبهم بالنقول عن أرسطو وأفلاطون وسقراط وفيثاغورس وجالينوس وبزرجمهر وأردشير وبيدبا وهرمس، لتحلّ القيمُ الكامنة فيها شيئًا فشيئًا مكان القيم الراسخة في الكتاب والسنّة والآثار.

المفارقة الحضارية: أمة تملك النور الإلهي وتستورد القيم الركيكة

وأعجب من أمّة لديها هذا النور الإلهي العظيم المتمثّل بالقرآن، وتلك السنّة التفصيلية في جميع شؤون الحياة وقيمها، وآثار الصحابة والتابعين وتابعيهم التي هي تطبيقات متشعّبة لمختلف مواقف الحياة، وأجيال من العلماء والكتّاب والمفكّرين المعاصرين من مختلف التوجّهات ولهم إنجازات فكرية من الروائع.. ثم تجد بعض نخبها يتبارزون في الاقتباس من حِكم الغربيين التي لا تصل إلى عمق حكمة المسلمين حين اهتدوا بأنوار الوحي، وبعضها ركيك، فضلا عن أن تكون تلك الكتابات الممتلئة بهذه النقول تستهدف إصلاح عالم القيم والأخلاق والعقل والفكر!

التبعية الفكرية: علامات الانحطاط في خطاب الدعاة والمفكرين

ولذلك من الأمور التي انتبهت إليها منذ سنوات وتعمّدت إظهارها فيما أكتب: الإكثار من الاستدلال بمقولات أئمة حضارتنا الإسلامية من المتقدّمين والمتأخّرين، وخصوصا من أولئك الذين لم تُصبهم لوثة التأثّر بالفلسفة الإغريقية، لإبراز فضائل حكمتهم، ولتعويد القارئ العربي الذي امتلأت معارض الكتب أمامه بالكتابات المترجمة أو المؤلّفة على نمط الكتب المترجمة فضمّت أقوال فلاسفة الغرب ومفكريه.. لتعويده على الاعتزاز بقيم حضارته وشخصياتها والقدرة على إنزال مقولاتهم على وقائع الحياة التي يعيشها والأفكار التي يعاينها والمشاعر التي يخوضها.

اغتراب الهوية: لماذا نقدم حكم الغرب على حكمة أئمتنا؟

وصحيح أن “الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ بها”، لكن هذا لا يعني قلب الموازين، فتصبح حِكم الآخرين في الصدارة، ويَزهد الكتّاب والنّاس بالحكمة المسلمة العربية التي تفوق حكم الأمم بمراحل لِما خالجها من أنوار الوحي وسلامة الفطرة وملامح البلاغة.

استبدال المراجع: عندما يصبح التراث الإسلامي هامشاً والغرب مركزاً

ومن العجب أن تجد بعض أهل الدين والفكر والتربية والدعوة المعروفين بسمتهم الإسلامي يُصدّرون منشوراتهم ومقولاتهم وكتبهم بقال بوبر وذكر حلّاق وحدّثنا فوكو وأخبرنا هابرماس وأنبأنا تشارلز تايلور.. فهذه من علائم الانحطاط الفكري والتبعية الحضارية، وعوا ذلك أم لم يعوه. ومن المؤسف أن يصبح باحث غربي يحبو بين مفردات التراث الإسلامي ويأتي بالمضحكات ويروّج للعلمنة واللبرلة؛ علَمًا ومرجعًا في فهمنا لتراثنا وديننا وتاريخنا، فيصبح مجرّد الاستشهاد بكلمات لباحثين أو مفكرين غربيين دليلًا بحدّ ذاته لا يحتاج إلى مناقشة، وإذا نوقش الكلام جوبِه بالتعصّب أو الاستخفاف!

بيجوفيتش نموذجاً: فهم السياق في مقابلة التقليد الأعمى

وأنا أفهم أن يُكثر كاتب مرموق كعلي عزت بيجوفيتش رحمه الله من النقول عن الغربيين، فهو رجل نشأ في دولة شيوعية، في بيئة أوروبية لا دينية، ودرس بالمناهج الغربية، وقرأ كتبا كثيرة بالإنجليزية والفرنسية والألمانية فضلا عن لغته الأم.. وقد أنتج للأمة الإسلامية كتابات قليلة ولكنها غاية في العمق والرصانة مع تحفّظات قليلة. لكن أن يحذو حذوه وبشكل غير أصيل كاتب نشأ في قلب العالم العربي الإسلامي، ودرج في دور تحفيظ القرآن والسنّة، وقرأ على المشايخ متون التراث وكتب العربية.. فهذا أمر لا أستطيع استيعابه!

اختلال الموازين: بين “الحكمة ضالة المؤمن” وتقديم حكمة الآخرين

وأنت لا تجد كاتبًا أمريكيا اليوم يكون أكثر كتابه اقتباسات لبيجوفيتش وسيد قطب وعبد القادر عودة وعلي الطنطاوي وعبد الوهاب المسيري وعبد الرحمن السعدي وابن باديس والطاهر بن عاشور وأمثالهم، أو اقتباسات للشافعي والأوزاعي والغزالي والنووي وابن تيمية والشاطبي وأمثالهم.. بل ستجده متّسقًا مع نفسه وحضارته وإطاره وبيئته فيُفرز لنا خلاصة ما هضمه من منجزات حضارته، ويقتبس عن الإغريق والرومان وأمثالهم من المتقدّمين، وعن فلاسفة العصر الأوروبي الوسيط والحديث والمعاصرين من الغربيين.. وإذا اقتبس من المسلمين فيكون قليلا لا أساسيا، إلا لو كانوا هم موضوع البحث.

نحو استعادة الهوية: أهمية إبراز الحكمة الإسلامية في الخطاب المعاصر

ومجدّدًا، لا أحرّم قراءة كتب الغربيين والاستفادة منها والنقل عنها، فأنا من المكثرين من القراءة والاطلاع على الثقافة الغربية ومفرزاتها بشكل شبه يومي، فنحن نعيش في هذا العالم ويجب علينا أن نواكب توجّهاته الفكرية والأخلاقية، بل يساعدنا ذلك في فهم ديننا.. لكني أتحدث عن منتَجنا الفكري والتربوي والأخلاقي الذي نستهدف به القارئ العربي، فلا بد أن يمتلئ بجذورنا الحضارية وقيمنا ومقولات أعلام حضارتنا من قدماء ومعاصرين، لا أن تكون المساحة الأساسية لأعلام الحضارة الغربية ثم نجعل الهامش لأعلامنا!

المصدر

صفحة الأستاذ شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

آليات التبعية .. التماثل والإذعان

أدواء عرقلت أمة .. التبعية والإمعية والغوغائية

قراء في أسباب وظواهر تخلف العالم العربي في العصر الحديث الجزء الأول

التعليقات غير متاحة