يوم الله حين تزلزل الأرض

يا أهل الله.. يا من كتب الله لكم البلاء والاصطفاء معًا، أفي الله شك؟ أتظنون أن الدم يسيل عبثًا؟

في غمرة الألم والدماء، حين تتبدّل الموازين الأرضية وتُكسر الحسابات البشرية، تلوح في الأفق سنن الله التي لا تتبدل. هذا النداء الموجَّه إلى أهل غزة ليس مجرد خطاب عزاء، بل هو نداء إيماني يعيد ترتيب المعاني، ويفتح البصيرة على حقيقة النصر والابتلاء، والفرق بين حسابات الأرض وحسابات السماء.

يوم الله وحقوقه

اليوم يوم الله، ولا يحق لعبدٍ حقير إن سلبه الذباب شيئًا لا يستنقذه منه أن يسلب الله جل وعلا حق يومه ويوم حقه، أو يسلب الجند المباركين الغر الميامين ما استنفروا من أجله، وما ماتوا في سبيله، ولا أن يسلب حزنُ النبي على جعفر حق نصر المؤمنين يوم مؤتة، فإنما هي مشاهد الله يقدرها كيف يشاء، لا يضير فيها خذلان ولا يغير فيها حسبان.

أنهار الدم وتدبير الله

أنهار الدم التي فاضت بعدما نُكصت رؤوس الشياطين، ونُكست ألوية المستكبرين، كانت والله لتسيلنَّ يوم الثامن من أكتوبر دون أن يغير الفرسان غارةً واحدة على عدوهم، وما كان المشهد ليختلفَ مثقال ذرةٍ عن ما يصير اليوم، ولكنه تدبير الله الذي يجعل الغلبةَ الأولى والكلمةَ العليا للذين دخلوا عليهم الباب وكان وعدًا مفعولا، الفعل قائم والفاعل حي لا يموت، والمستعمَل أنت، أو الريح، لا فرق، إلا أن يشاء الله استخدامك وتشريفك.

حقيقة الجهاد وذو الشوكة

ففيمَ يكون الجهاد إن لم يكن ذا شوكة؟ وكيف يدفع الله الحق بالباطل فيدمغه؟ وكيف يسيّر الله سنن الكون في المدافعة؟ وكيف تسترد الأرض إن لم تكن بمثل ما خرجوا فيه وأُخرجوا عليه؟ وكيف يصان العرض إن لم يكن ذودًا بالروح دون مواربة؟ وإلا لما واجه موسى فرعونَ فردًا، ولما قال “وكم من فئةٍ قليلة غلبت فئة كثيرة”، “وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم”، و”يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال”، “وتودون لو أن غير ذات الشوكة تكون لكم”!

جيوش الله وحسابات الأرض والسماء

كل شيء يشير إلى المكاره، وذلك ديدين جيوش الله أن تكون بحسابات الأرض مغلوبة وبمقادير الله غالبة، وإلا لكانت جولة السجال نزهة، وكان القتال مترَفة، ولما كانت في سبيل تخاض الملاحم، وتقطع الأوصال، وتصهر الجلود، وينشر القوم بالمناشير، لله لله لا لشيء سواه، هي الدنيا، ورب البيت، تفنى، وليست إلا مختبرا، وليس معنى وقوع المعركة بأرضك، وخذلان الخلق دونك، أنك لو عدت لما عدت، وإنما أن الله ابتلى المؤمنين على السواء فأفلحت وإن هلكت، وخابوا وإن نجوا!

الخطاب لأهل غزة

يا أهل غزة، بل يا أهل الله، أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟ أدون الله تبتغون نسبًا، أوَخير من الله لكم نسب؟ الله أكبر من جراحٍ ونصب، الله أكبر من مخامص وتعب، الله أكبر من عجام أو عرب، الله أكبر من كل رب، الله أكبر خير من أعطى وألطف من سلب، الله أكبر في المشاهد والكرَب، الله أكبر من حياةٍ تستَلب، الله أكبر من عيونٍ إذ يجافيها الهرب، الله أكبر حيث لم تحُلكمُو عنه الحجُب! الله أكبر يا أهل الله، هل بعد الإله سبب؟

الوصية بيوم الفرقان

اللهَ الله في يوم فرقانه، الله اللهَ في يوم زلزل الأرض تحت أقدام فتيانه، الله اللهَ في خير يوم طلعت عليه الشمس من قرون غابرة، الله اللهَ في ذلك الفصل من الدنيا، فصل يمضي، واللهَ نسأل الاستعمال وحسن العمل والخاتمة، لا يضيركم من خذلكم، ولا ينفعكم من نصركم، وإنما الناصر الله، الخالق الله، القابض الله، الباسط الله، الرافع الله، الخافض الله، إءلهٌ مع الله؟

القيامة الصغرى وأمر المؤمن

والناس في تلكم القيامة بين راضٍ فالله يثبته، وبين ساخطٍ فالله يعفو ويصبره، وبين متعَب فالله يقويه، وبين فاقد فالله يعوضه، وبين كسيرٍ فالله يجبر، وبين مستعلٍ مستكبرٍ مستعدٍ فالله يقصمه، فوالله مهما عظم الأمر وهو عظيم فإنه لمن أمر المؤمن، ولعمركم، أمر المؤمن كله خير! أفي تلكم خير؟ والله خير، ولكن أكثر الناس لا يعلمون! وعليهِ ذلك يوم من أيام الله، أذل فيه أعداءه على يد أوليائه، واصطفى بعده خيارَ خلقه على يد شرار خلقه، وبينهما يدبر الأمر، أفي الله شك؟ أفي وعد الله شك؟ ضاق الغار واصّاعدت الأنفاس.. لا تحزن، إن الله معنا!

المصدر

صفحة يوسف الدموكي، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

دروس ووصايا من ملحمة الإباء في طوفان الأقصى

طوفان الأقصى، فواتح التحرير

التعليقات معطلة