618 – مفهوم 26: من صور سوء الظن بالله
كل ظن لا يليق بالله تعالى وحكمته، ورحمته، وعلمه، وعدله، ووعده الصادق الذي لا يخلفه؛ فهو سوء ظن بالله وقدح في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ولذلك عدة صور؛ منها:
1 – القنوط من رحمة الله والإياس من روحه سوء ظن بالله تعالى.
2 – التشاؤم سوء ظن بالله، كما أن التفاؤل حسن ظن بالله تعالى.
3 – ظن أن الله ترك خلقه سُدى معطلين عن الأمر والنهي؛ لم يرسل لهم رسلًا، ولا أنزل إليهم كتبًا، بل تركهم هملًا كالأنعام، وإنما هي حياة ثم موت دون بعث ولا حساب؛ فكل ذلك سوء ظن بالله عزّ وجلّ، وهو قول الدهرية الذين يقولون: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ) [الجاثية:24].
4 – ظن أن الله لن ينصر دينه وكتابه وعباده المؤمنين، ولا يؤيد حزبه، ولن يعليهم على عدوهم؛ فكل ذلك سوء ظن بالله تعالى، فقد قال الله عزّ وجلّ: (وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ) [الصافات:171-173]، وغيرها من الآيات في ذلك كثير.
5 – إنكار أو جهل أن ما يقدره الله على أوليائه من محن أو بلايا إنما هو لحكمة بالغة، وغاية محمودة، وعاقبة حميدة، وادَّعاء أن ابتلاءهم مشيئة مجردة عن الحكمة، وقدر حتم لا يتبدل؛ فذلك سوء ظن بالله.
6 – ظن أنه يجوز على الله أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، وأنه يسوّي في ذلك بينهم وبين أعدائه.
7 – ظن أن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى به كما يحب الإيمان والبر والطاعة؛ وذلك بدعوى أن الله خالق كل ذلك فهو مريده. والله سبحانه يقول: (إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡ) [الزمر:7].
8 – ظن أن ما عند الله يمكن أن ينال بمعصيته ومخالفته كما ينال بطاعته والتقرب إليه.
9 – ظن أن الله يعاقب المرء بما لا صُنْع له فيه، ولا اختيار منه ولا إرادة لحصوله.
10- ظن أن الله قد يضيع عمل المرء الصالح الذي أخلص فيه الوجه له سبحانه، وأنه يمكن أن يبطله بلا سبب من العبد، والله سبحانه يقول: (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ)[البقرة:143].
11 – ظن أن المرء لو ترك شيئًا لله فلن يعوضه الله خيرًا منه.
12 – من ظن أنه يكون في ملك الله ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده فقد أساء الظن بالله.
13 – من ظن أن لله صاحبة وولدًا، أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده دون إذنه، أو أن بين الله وخلقه وسائط يرفعون الحوائج إليه، وأنهم أولياء له من دون الناس، والناس يتقربون ويتوسلون بهم إليه سبحانه؛ فكل ذلك سوء ظن بالله سبحانه.
14 – من ظن أن الله أخبر عن نفسه، أو أخبر عنه رسوله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وأنه ترك الحق في صفاته ولم يخبر به صراحة، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة لا يفهمها إلا الفلاسفة والمتكلمون بزعمهم؛ من ظن ذلك الظن فعطَّل أسماء الله الحسنى وصفاته العليا عن حقيقتها ومعناها المراد منها فقد أساء الظن بالله تعالى. وقد ظهر من المبتدعة من يدَّعي أن الله لا يحب، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يسخط، ولا يوالي، ولا يعادي، ..إلخ، فتعالى الله عمَّا يقول مسيئو الظن بربهم؛ فكل من ظن بالله خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، أو عطَّل حقائق ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فقد أساء الظن بربه.
15– ومن المبتدعة الذين يسيئون الظن بربهم: الشيعة الروافض؛ فمعتقداتهم كلها إساءة ظن بالله عزّ وجلّ؛ كادِّعائهم أن جُلَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- قد تسلطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، واستبدوا بالأمر بعد مماته دون وصيِّه علي بن أبي طالب رضي الله عنه -كما يزعمون- وظلموا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلبوهم حقوقهم؛ فكل ذلك افتراء على الله ورسوله وصحابته الكرام الذين قال الله في حقهم: (مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا)، وقال في آخر الآية: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا) [الفتح:29]، ولفظة (مِنۡهُم) في الآية بيانية وليست للتبعيض حتى يتمسك بها المبتدعون؛ فالمقصود بيان أن هذه المغفرة وذلك الأجر العظيم هما للصحابة دون سائر المؤمنين؛ فأجرهم لا كأجر غيرهم، ومغفرة الله لهم تفوق مغفرته لمن سواهم.
ومن سوء ظنهم بربهم افتراؤهم الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مكذبين بذلك تبرئة الله تعالى لها حيث سمَّى ما افتُري به عليها إفكًا فقال: (إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡ) [النور:11]، وبرَّأها سبحانه بقوله: (وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ) [النور:26]، ورغم ذلك يصر الروافض على إفكهم منتقصين بذلك قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسيئين الظن بالله بادِّعائهم عدم إكرامه لنبيه بالزوجات الطيبات، بل وبإجازتهم أن يُدفن بجواره صلى الله عليه وسلم الجبت والطاغوت؛ حيث يزعمون أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب – وهما خير أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم- هما الجبت والطاغوت، فنعوذ بالله من ضلال أهل البدع، ونبرأ إليه سبحانه من إساءتهم الظن به سبحانه.
المصدر: كتاب خلاصة مفاهيم أهل السنة – إعداد نخبة من طلبة العلم – 1445


