تصميم صور المنشورات

يظن بعضهم أنهم اكتشفوا ثغرة في كتاب الله حين استشكلوا: إن كانت “الحكمة” هي السنّة، فهل كان المسيح يُعلَّم الأحاديث النبوية أيضًا؟ لكنهم لم ينتبهوا أن لفظ “الحكمة” يحمل في طياته إفحامًا لمكرهم من حيث ظنّوا أنهم يقيمون الحجة!

بين آية البقرة والإسراء: هل أقاموا تعارضًا وهميًّا؟

إنّ بعض منكري حجّية السنّة النبوية يستدلّ بهذه الآية في وصف المسيح عليه السلام {ويُعلّمه الكتابَ والحكمةَ} لينفوا أن تكون الحكمة هي “السنّة” في قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 151) في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقولون: لو كانت الحكمة التي يعلّمها الرسول هي “السنّة النبوية” كما يقول عدد من المفسّرين فلِمَ قال في حقّ عيسى {ويُعلّمه الكتاب والحكمة}، هل علّمه أيضًا السنّة والأحاديث التي تقولون بها؟!

بل يزيدون من التشغيب فيقولون: الحكمة في القرآن، فقد قال تعالى في سورة الإسراء بعد ذكر العديد من الشرائع والأخلاق والهدايات: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} (الإسراء: 39). فيحسبون أنّ هذه الآية غابت عن المفسّرين!

والحقّ أنّ هؤلاء يقيمون تعارضًا بين أشياء منسجمة، تندرج جميعًا في ناموسٍ واحد، فقد قال الله عزّ وجلّ: {وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113). ونعلم بذلك أنّه عليه الصلاة والسلام قد أُنزِلت عليه هذه الحكمة، وعلّمه ربُّه عزّ وجلّ ما لم يكن يعلم، وحين نجمع هذه الآية مع قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} ندرك أنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم هو مقصدنا الأول لتفصيل حكمة الكتاب والرسوخ فيها، وأنّ سُنّته فيما يُعلّمنا من الدين وإقامته في الحياة هي غاية الحكمة.

وقد ذكر الله عزّ وجلّ في سورة الإسراء مجموعة من الأوامر والتوجيهات التربوية والأخلاقية كالتوحيد، والإحسان إلى الوالدين، وإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقوقهم، وعدم التبذير، واجتناب البخل، وحفظ الدماء، واجتناب الزنا، وحرمة قتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ، واجتناب مال اليتيم، والوفاء بالكيل، وعدم التحدّث بغير علم، واجتناب البطر والاختيال، ووصفها بأنّها الحكمة في أواخرها فقال: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} (الإسراء: 39)، وهي من مضامين كتاب الله تعالى، والرسول صلى الله عليه وسلّم قد عُلِّمها كما ذكر الله تعالى وعرفها حقّ المعرفة، فتكون حكمتُه هي سنّته وهي تعليمه لحكمة الكتاب في الآنِ نفسِه، فهو لا يقتصر على “تلاوة” الكتاب، بل هو “يعلّم” الكتاب والحكمة أيضًا، وهو “يحكم” بين الناس بهذه “الحكمة” كما قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65).

لفظ الحكمة في اللغة: من لجام الدابة إلى ضبط الدين

ولفظ “الحكمة” لفظ بليغ يردّ الشبهة ويُلزم هؤلاء باتّباع السنّة النبوية؛ فأصل “الحكمة” يرجع إلى “الحكم” وهو المنع، ومنه سُمّيَ اللّجام: “حَكَمَة الدابّة” كما يقول الراغب الأصفهاني في “مفردات ألفاظ القرآن” ويوافقه ابن فارس (ت 395 هـ) في “مقاييس اللغة”. ولهذا تُستعمل الحكمة بمعنى الإصابة في القول والعمل، وبمعنى وضع الأشياء مواضعها، فهي راجعة إلى “الضبط”. وهذه المعاني التي سمّاها الله “حكمة” في سورة الإسراء كلّها مما يحتاج إلى الحكمة لإصابتها ولإقامتها، وكلما ازداد المرء حكمةً كان أقرب إلى إحكامها، وكان عليه الصلاة والسلام الذي أنزل الله عليه الحكمة كما مرّ معنا؛ أحكمَ الناس وأجدرهم بأن يتلقّى الناس عنه دروس الحكمة في تفاصيل الحياة ومواقفها، والتي أصولها في كتاب الله تعالى كما تقدّم.

الحكمة في الأمم السابقة: إرث الأنبياء لا اختصاص بمحمد ﷺ

وقد آتى الله رُسلَه وأنبياءه الحكمة كما قال في حقّ داود: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} (البقرة: 251). وقال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (النساء: 54). إلى جانب ما ذكره في حق محمّد صلى الله عليه وسلّم وعيسى عليه السلام وغيرهما. وذكر لنا أنّ من الحكمة ما جاء في سورة الإسراء من شرائع وقيم وأخلاقيات كما تقدّم، ولا شكّ أنّ الحكمة ليست مجرد معرفة هذه الأشياء بل إقامتها والعمل بها، وكان الرسل والأنبياء خير من يُؤتى الحكمة ويعمل بها ويقيمها، وصاروا بذلك أهلًا للاقتداء والتلقّي عنهم وسؤالهم والتعلّم منهم، ولذلك قال تعالى في سورة النساء بعد ذكر عدد من الأحكام والتشريعات والتوجيهات: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النساء: 26)، فمع أنّها من شرائع الله تعالى في كتبه نَسَبها إليهم سبحانه، وذكر لنا أنّها “سُننهم”؛ يُعلِمُنا أنّ الطريق إلى إقامة تلك الشرائع هو اتّباع سُنن الرسل والأنبياء.

تنوّع أقوال المفسّرين: اختلاف تنوع لا تضاد

ومن هنا ندرك إصابة من فسّر “الحكمة” في كتاب الله بالسنّة (الحسن البصري، قتادة، الشافعي)، وأنّ الاختلاف بينه وبين من فسّرها بفهم القرآن (مجاهد)، أو بالنُّبوّة (السُدّي)، أو بالعقل في الدين (زيد بن أسلم)، أو بالمواعظ التي في القرآن من الحلال والحرام (مقاتل)، أو بالفقه في الدين والاتباع له (مالك)؛ أنّ الاختلاف بين هؤلاء جميعًا اختلاف تنوُّعٍ، فكلٌّ ينظر من زاوية مختلفة إلى الشيء نفسه، فهذه الأشياء جميعًا تنبع من مصدر واحد وتتجسّد في شخص الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فهي سُنّته أي: طريقته المحكَمة، وهي فَهمه للقرآن، وهي نُبوّته لأنّها ممّا نَبَّأه العليم الخبير، وهي عَقله في الدين، وهي معرفته بمواعظ القرآن حقّ المعرفة، وهي فقهه في الدين واتّباعه له، والله أعلم.

والمفسّرون الذين قالوا إنّ الحكمة هي “السنّة”، لم يقتصروا على وصفها بالسنّة في حقّ نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، بل حتى في قصّة عيسى فسّروا الحكمةَ بأنّها “السنّة”، وروي ذلك عن الحسن البصري وعن أبي مالك غَزْوان الغِفاري وقتادة بن دعامة ومقاتل بن حيّان وابن جُريج ومقاتل بن سليمان. وهذا القول لا يتعارض مع قول مَن قال إنّ الحكمة هي العلوم الدينية أو الفقه في الدين أو تهذيب الأخلاق أو قضاء النبيّين أو ما قاربها من معانٍ على اختلاف في عباراتهم.

فقد آتى الله رسلَه وأنبياءه الحكمة، وتولّى تعليمَهم إيّاها، وأُلهِموا النطقَ بها وإقامتها في مواقفهم وسلوكهم، فلا مناص من اتّباع الأنبياء والرُّسل، فهُم باب فَهم الكتب الإلهية ونافذة أنوارها، ولم يَعُد بين أيدينا من سُننهم مثل ما لدينا من سنن السراج المنير، سيّدنا وقدوتنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم. ومن هنا تفهم ذلك الحرص الشديد من الصحابة ومَن تلاهم على حفظ سُننه وتنخيلها وإنشاء علم الرجال وغيره لفرز الموضوع والضعيف من الصحيح والحسن، فهذا كلّه تتبُّعٌ لحكمة آخر الرسل والأنبياء، وإقامةٌ لأمر الله باتّباع تعليمِه الكتابَ والحكمة. وهكذا يتّضح أنّ وصف “الحكمة” هو من إحكام كتاب الله، وهو حُجّة على نفاة السنّة من حيث أرادوا أن يكون حجّة لهم!

عائشة تشهد: كان خلقه القرآن.. فهل الحكمة مجرد نص؟

ولذلك قالت عائشة حين سُئلتْ عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان خُلُقه القرآن” (مسند أحمد). ولا شكّ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو أقدر الناس على إقامة معاني القرآن وحكمته وشرائعه، ومن ثم يصبح نموذجًا يُتّبع ويُقتدى به، فإذا علّمه الله الحكمة وشهد له بها فقد صار أحقّ النّاس بالاتّباع له وأجدرهم بالاقتباس عنه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: 31).

الخلاصة: حكمة عيسى هي سنّة محمد.. والجميع باب واحد للهدى

والخلاصة أنّ كون الحكمة منسوبة إلى عيسى عليه السلام أيضا لا ينفي أنّها سنّة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ الحكمة التي عَلّمنا إيّاها رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي من جنس الحكمة التي عَلّمها الرُّسلُ والأنبياء عليهم سلام الله. وكونها من معاني القرآن لا ينفي أنّها سنّة الرسول أيضًا، فليس أجدر منه بتعليم معاني القرآن وحكمته وتطبيقها في حياته لنقتدي به، فالحكمة ليست نصًّا فحسب، بل هي عملٌ ومنهج حياة.

من دراستي الجديدة “كتاب عيسى وحكمته: دراسة في منهجية التفسير العلمي” على موقع غراس للإنتاج الفكري..

لقراءة الدراسة كاملة:

https://ghirascenter.org/…/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8…/

المصدر

صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

يوسف أبو عواد والبصق في موائد العلماء!

‏ يوسف أبو عوّاد.. خليفة محمد شحرور في تحريف القرآن

التعليقات معطلة